في أسواق غزة التي هجرتها البهجة منذ أكثر من عامين، يقف أبو إبراهيم (52 عاماً) أمام بسطة خضار متواضعة، يتأرجح بين رغبة شراء الطماطم لأطفاله وثمنها الذي يفوق خياله. "كيلو الطماطم بـ23 شيكلاً... كيف يمكن لموظف لا يقبض راتبه أن يشتري؟"، يسأل الرجل ذو الوجه المنهك، قبل أن ينصرف خال الوفاض.
قبل أسابيع قليلة، كان سعر الكيلو الواحد من الطماطم لا يتجاوز 12 شيكلاً. اليوم، وبعد سلسلة من الإغلاقات المفاجئة للمعابر تزامنا مع عيد الفطر، قفز السعر إلى 23 شيكلاً، بينما بلغ سعر كيلو البصل 25 شيكلاً، والبطاطا 18 شيكلاً. أما كيس الطحين (25 كغم)، فبعد أن كان متاحاً بـ32 شيكلاً، ارتفع إلى 110 شواكل في ذروة الأزمة، قبل أن يستقر عند 45 شيكلاً بعد عودة محدودة للتدفق.
معابر تحت المجهر

يقف معبر كرم أبو سالم جنوب القطاع شاهداً على هذه المأساة، فمع التصعيد الإقليمي الذي شهدته المنطقة أواخر شباط/فبراير، أغلقت إسرائيل جميع المعابر بالكامل: كرم أبو سالم، زيكيم، كيسوفيم، ومعبر رفح الذي كان يعمل بشكل محدود لحركة المسافرين.
ثلاثة أيام من الإغلاق التام كانت كافية لقلب موازين الأسواق رأساً على عقب. تقول غرفة التجارة والصناعة في غزة، التي تتابع الأسعار يومياً، إن "أي تغيير، حتى لو كان طفيفاً، في استقرار عمل المعابر ينعكس بشكل دراماتيكي على الأسعار".
ففي الأول من آذار/مارس، وهو اليوم التالي للإغلاق، قفز سعر كيس الطحين من 32 إلى 110 شواكل، والطماطم من 12 إلى 19 شيكلاً. ومع استئناف محدود للتدفق في الثالث من آذار/مارس، بدأت بعض الأسعار تتراجع، لكن أخرى واصلت الصعود، ما كشف عن هشاشة استثنائية في السلسلة التموينية.

يعيق هذا السلوك المتذبذب في أسعار السلع، معدمي الدخل وبخاصة الأسر التي تعيلها النساء، من الحصول على القسط الكافي من الغذاء بما في ذلك اللحوم والخضروات التي ارتفعت أيضا على نحو غير مسبوق.
وإذا ما أخذ بعين الاعتبار أن سكان القطاع قد خرجوا من مجاعة تسبب بها الحرب والحصار، فإن الحرمان من شراء الأغذية بشكلها الحالي يعد امتدادا لسلسلة التجويع.
وتقول نوال عبد العال (29 عاماً) إنها لا تقوى على إعالة اسرتها وتوفير متطلبات الحياة الكريمة في ظل ارتفاع الأسعار، بالتوازي مع تقليص حجم المساعدات التي كانت تعتمد عليها الأسرة بعد وفاة الزوج خلال الحرب.
وقالت عبد العال التي تعيل أسرة مكونة من خمسة أطفال، إنها كانت في قبل اغلاق المعابر تعتمد على المساعدات الغذائية التي تحصل عليها من قبل الهيئات المحلية والدولية، غير أن اغلاق المعابر وارتفاع أسعار الخضار حرمها وأطفالها من الحصول على الغذاء المناسب.
وتهيمن مخاوف العودة للمجاعة مرة أخرى، حيث تقول الأرملة عبد العال، لازلت ادفع أنا وأسرتي ثمن الجوع والافتقاد لأبسط المقومات بما فيها الطحين، وها هو طيف الجوع يعود مرة أخرى".
اقتصاد على حافة الهاوية
ومن الناحية العملية، فإن المعابر التجارية مع قطاع غزة ليست سوى جزء من الصورة الأكبر، فبعد أكثر من عامين من الحرب، دمرت إسرائيل بحسب تقارير محلية أجزاء واسعة من منظومات الإنتاج الغذائي المحلية: قطاعات الصيد والزراعة والصناعات الغذائية، جميعها أصابها الخراب. لم يعد أمام السكان سوى الاعتماد على البضائع القادمة من خارج القطاع، في وقت تشهد فيه المنطقة حرباً إقليمية عطلت طرق التجارة ورفعت تكاليف الشحن.

وتتفاقم الأزمة مع وجود أزمة سيولة نقدية خانقة، ففي القطاع الذي يعاني من انهيار مصرفي، تصل العمولة المفروضة على سحب الأموال النقدية إلى 12%، ما يعني أن العائلات التي تمكنت من الحصول على مساعدات نقدية تجد نفسها مضطرة لدفع جزء كبير منه كعمولات لمجرد الحصول على نقودها.
عام ثالث من العيد في الظل
هذه هي السنة الثالثة على التوالي التي يحل فيها عيد الفطر في غزة تحت وطأة حرب مستمرة، ونزوح قسري، وفقر مدقع. وفي محاولة لاحتواء الكارثة، أصدرت غرفة التجارة دعوة عاجلة للتجار للامتناع عن رفع الأسعار بشكل غير مبرر، خاصة للملابس والأحذية التي تشهد طلباً موسمياً متزايداً.
وحذرت الغرفة من أن "الاستغلال الاقتصادي للوضع قد يزيد من الضرر الواقع على الأسر ويقوض أكثر استقرار السوق المحلي". لكن هذه التحذيرات لا تجد طريقا على الأرض في ظل تقويض فرص الضبط والسيطرة المناطة بالأجهزة التنفيذية بما فيها دائرة حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد الوطني.

نداء إنساني
وتنص المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة صراحة على أن "للدولة المحتلة، في حدود الإمكانيات المتاحة لها، واجب ضمان تزويد السكان بالمواد الغذائية والإمدادات الطبية" .
فيما تعتبر المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول من القانون الدولي الإنساني، تجويع المدنيين أسلوب حرب محظوراً. كما أن منع وصول المساعدات الإنسانية بشكل متعمد يُعتبر انتهاكاً خطيراً.
بموازاة ذلك أكدت منظمة "جيشا – مسلك" الحقوقية، التي راقبت عن كثب أزمة المعابر طوال سنوات الحرب، أن "من حق سكان القطاع أن يتأكدوا بأن الغذاء والمساعدات الأساسية ستستمر في الدخول بشكل منتظم". وتكرر المنظمة دعوتها إلى الفتح الفوري لجميع معابر البضائع، والسماح بدخول المساعدات وبضائع القطاع الخاص على حد سواء.
وتشدد "جيشا" على ضرورة رفع القيود فوراً عن حركة الأشخاص، سواء عبر مصر أو عبر إسرائيل، "وخاصة للمرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى علاج طبي عاجل خارج غزة". ففي غزة اليوم، لا تقتل القنابل فقط، بل تقتل أيضاً الأسعار الجنونية، والمعابر المغلقة، والحصار المستمر.