بعد دقائق من أذان المغرب في يومٍ رمضاني، يشعل عزام عبد الهادي (50 عامًا) سيجارته الأولى. يفعل ذلك بتردد واضح؛ فالدخان الذي اعتاد أن يجلب له شعورًا بالراحة لم يعد هذه المرة يمرّ من دون حسابات ثقيلة.
يقول عزام وهو ينفث دخان سيجارته بحسرة إن علبة السجائر التي تحتوي عادة على 20 سيجارة كانت تكفيه ليومين تقريبًا، حين كان سعرها أقل بكثير مما هو عليه اليوم. أما الآن، ومع تجاوز سعر بعض العبوات 100 شيكل، فقد أصبح استهلاكه الذي يصل إلى نحو 10 سجائر يوميًا عبئًا واضحًا على مصروف البيت.
ويضيف أن قلقه لم يعد مرتبطًا فقط بمخاطر التدخين الصحية، بل أيضًا بثمنه، فتكلفة ما يدخنه خلال شهر واحد قد تتجاوز 1500 شيكل، وهو مبلغ كان يكفي سابقًا لتغطية جزء من احتياجات الأسرة الغذائية.
قرب مفترق أنصار غرب مدينة غزة، يقف محمود المزيني (38 عامًا) أمام بسطة صغيرة، يتفحّص الأسعار أكثر مما يتفحّص السلع.
يقول إن ارتفاع أسعار السجائر دفعه إلى تقليل الكميات التي يشتريها من بعض المواد التموينية، موضحًا أنه يدخن قرابة علبة كاملة يوميًا، أي نحو 20 سيجارة. وبحساب سريع، فإن ما ينفقه على التدخين خلال شهر واحد قد يقترب من 3000 شيكل إذا استمر على المعدل نفسه، وهو رقم يساوي أحيانًا أكثر من نصف ما تحتاجه أسرته من مصروف أساسي.
ويضيف: "أحيانًا أؤجّل شراء صنف أساسي وأقول نعوّضه لاحقًا، لكن التدخين صار عبئًا يوميًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا بعد الإفطار".
يعترف المزيني بأنه حاول أكثر من مرة الإقلاع عن التدخين أو استبداله بأنواع أرخص، لكنه وجد نفسه أمام خيارات جميعها مكلفة صحيًا واقتصاديًا. ويرى أن الجميع يقر بأن التدخين مضر، لكن القليل يتحدث عن الكلفة الاقتصادية التي بات يفرضها، إذ أصبح يستنزف الجيب في وقت يعاني فيه الناس من غلاء المعيشة، فيما كشف رمضان هذا العام حجم الضغط الذي تفرضه السيجارة على ميزانية الأسرة أكثر من أي وقت مضى.

داخل منزلها المستأجر غرب مدينة غزة، تحسب إكرام بدير (42 عامًا) مصروف رمضان قبل أن تكتمل قائمة الاحتياجات. زوجها مدخن منذ سنوات، ومع كل ارتفاع جديد في أسعار السجائر تشعر أنّ ميزانية البيت تُستنزف بصمت.
تروي أن زوجها يستهلك ما بين 15 و20 سيجارة يوميًا، أي ما يعادل علبة كاملة تقريبًا، وهو ما يعني إنفاق مئات الشواكل أسبوعيًا على التدخين وحده، في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء والمواد الأساسية.
وتقول: "النقاش حول الدخان لم يعد صحيًا فقط، بل تحوّل إلى خلاف يومي داخل الأسرة. المشكلة الأساسية ليست مع التدخين بحد ذاته، بل مع ثمنه، لأن كل علبة تعني نقص صنف على مائدة الإفطار".
وتضيف أن الضغوط الاقتصادية أجبرتها على إعادة ترتيب أولوياتها: "بعض الأصناف تُلغى في القائمة وأخرى تُؤجّل، بينما تبقى السيجارة حاضرًا ثابتًا رغم ضيق الحال".
وتتابع بدير أن ثقل التدخين في رمضان هذا العام لم يعد محسوسًا في الرئة فقط، بل امتد إلى تفاصيل البيت الصغيرة، من طعام الأطفال إلى متطلبات الشهر التي لم تعد تُلبّى كما في السابق.
أما سامي عجور (55 عامًا)، فيحاول إخفاء ضيق تنفّسه بعد الإفطار. قبل عامين شُخّص بإصابة في القلب، ونصحه الأطباء مرارًا بالابتعاد عن التدخين، خصوصًا بعد ساعات الصيام الطويلة.
ويصف وضعه كمدخن موضحًا أنه يستهلك نحو نصف علبة يوميًا، أي ما يقارب 10 سجائر، لكنه يدرك أن هذا الاستهلاك يثقل صحته وجيبه معًا.
ويؤكد أن المشكلة اليوم لم تعد صحية فقط، فارتفاع تكلفة السجائر أصبح عبئًا إضافيًا على قدرته على تغطية احتياجاته الطبية. ويوضح أنه يضطر أحيانًا إلى تأجيل شراء الدواء أو إجراء الفحوصات الطبية حتى يتمكن من الاستمرار حتى نهاية الشهر.

هذه التجارب اليومية تنعكس أيضًا في الأرقام. إذ يشير متوسط التدخين بين البالغين في قطاع غزة إلى نحو 11 سيجارة يوميًا، فيما تصل نسبة مستخدمي التبغ بين الشباب إلى أكثر من 15%.
وتفاقمت الظاهرة اقتصاديًا بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع ارتفاع أسعار السجائر بشكل غير مسبوق؛ إذ تجاوز سعر بعض العبوات 100 شيكل نتيجة نقص الإمدادات والاعتماد المتزايد على السوق السوداء.
ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية حول حالة التبغ في فلسطين خلال الحرب، فإن ظروف الحرب وأزمات الصحة النفسية تزيد من احتمالات التدخين، في ظل ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين السكان نتيجة سنوات من الصراع والضغط النفسي.

في هذا السياق، يحذّر رئيس قسم الصدرية في مستشفى الشفاء، الدكتور أحمد الربيعي، من أن التدخين في قطاع غزة بات يشكّل خطرًا مضاعفًا في ظل الحرب وشحّ الإمكانيات الصحية.
ويؤكد أن التدخين يؤثر بشكل سلبي، خصوصًا لدى مرضى القلب والجهاز التنفسي، إذ يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات حادة قد تهدّد حياتهم، مثل الأزمات القلبية الحادة وتفاقم أمراض الرئة المزمنة ونوبات ضيق التنفس.
وينبه إلى أن هذه المخاطر تتفاقم أكثر لدى المدخنين بعد ساعات الصيام الطويلة في شهر رمضان، حين يلجأ كثيرون إلى التدخين مباشرة بعد الإفطار، ما يضع ضغطًا إضافيًا على الجهازين القلبي والتنفسي.
كما يلفت إلى أنّ الظروف الصحية في غزة تجعل التعامل مع هذه المضاعفات أكثر صعوبة، في ظلّ تراجع القدرة الاستيعابية للمرافق الطبية ونقص الأدوية والمستلزمات العلاجية، الأمر الذي يحدّ من فرص التدخل الطبي السريع في الحالات الطارئة.
ومع ارتفاع تكاليف السجائر، تتشابك المخاطر الصحية مع الأعباء الاقتصادية، لتتحول عادة التدخين إلى ضغط مزدوج على الأسر، يجمع بين تهديد صحة الأفراد واستنزاف جزء متزايد من ميزانيات العائلات في وقت تتقلص فيه مصادر الدخل وتزداد كلفة المعيشة.
يشير المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن قطاع غزة يعيش انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق انعكس بوضوح على أنماط الاستهلاك اليومية للأسر. فوفق تقديرات اقتصادية حديثة، تجاوزت معدلات البطالة في القطاع 80%، بينما يعيش نحو 80% من السكان على المساعدات الإنسانية، في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن 100% من الأسر تعاني من الفقر. في ظل هذه المؤشرات، يصبح أي ارتفاع في أسعار السلع واسعة الاستهلاك عامل ضغط مباشر على ميزانيات العائلات.

ويوضح أن ارتفاع أسعار السجائر لم يعد مسألة استهلاكية هامشية، بل تحوّل إلى بند إنفاق ملحوظ في ميزانيات الأسر، خاصة في ظل تراجع الدخول وغياب مصادر الدخل الثابتة لدى شريحة واسعة من السكان. ويشير إلى أن الاقتصاد المحلي في غزة يعاني من ضعف شديد في السيولة النقدية وتقلص النشاط الاقتصادي، ما يجعل أي زيادة في كلفة السلع اليومية -حتى تلك التي تُعد غير أساسية- تنعكس مباشرة على قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأخرى.
ويضيف أن السجائر تُحتسب ضمن سلة السلع الأساسية في مؤشر أسعار المستهلك وفق الجهاز المركزي للإحصاء، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعارها ينعكس مباشرة على مؤشر غلاء المعيشة. وبذلك تسهم الزيادات المتتالية في أسعارها في رفع الكلفة العامة للحياة، خصوصًا في بيئة اقتصادية تعاني أصلًا من تضخم الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ويرى أبو قمر أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع السعر، بل في طبيعة الإنفاق نفسه؛ إذ يتحول التدخين لدى كثير من الأسر إلى بند إنفاق شبه ثابت يصعب التخلي عنه، حتى في ظل الأزمات الاقتصادية. وفي شهر رمضان تحديدًا، حيث ترتفع بطبيعتها كلفة الغذاء والاحتياجات المنزلية، يزداد الضغط على ميزانيات الأسر، ما يدفع بعض العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستهلاكية أو تقليص إنفاقها على سلع غذائية أساسية لتغطية نفقات أخرى.
ويخلص إلى أن هذه المعادلة تعكس هشاشة الاقتصاد المنزلي في غزة، إذ تتداخل الضغوط الاقتصادية مع أنماط الاستهلاك اليومية، لتجعل من بعض العادات، مثل التدخين، عاملًا إضافيًا يثقل ميزانيات الأسر في وقت تكافح فيه لتأمين أبسط متطلبات المعيشة.
في نهاية المطاف، لم يعد التدخين في غزة مجرد عادة شخصية. فقد بات مسألة تتقاطع فيها المخاطر الصحية مع الضغوط الاقتصادية، خصوصًا في شهر رمضان، بينما يظل التحدي الأكبر أمام كثير من الأسر هو الموازنة بين الصحة والقدرة على تأمين أساسيات الحياة في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.