تقلب الصحافية شروق العبادلة هاتفها بين يديها، جهازٌ تحوّل إلى ما يشبه قطعة بلاستيكية شبه معطلة؛ يعمل أحيانًا ويفقد الصوت في أحيان أخرى. تمسح شاشته برفق، تزفر بضيق، ثم تدفعه تحت وسادتها. في هدوء الليل، يلح سؤال عليها: "كيف يمكنني الاستمرار في عملي الصحفي الذي يعتمد على الإلكترونيات بشكلٍ أساسي وسط شحّ الأجهزة الإلكترونية، وخصوصًا الهواتف المحمولة، في مكانٍ باتت فيه أبسط الأدوات المهنية مهددة بالاختفاء؟".

العبادلة، تعمل على إنتاج قصص إنسانية لصالح منصات محلية وعربية، وجدت نفسها فجأة خارج الميدان. تضرُر هاتفها، وغياب البديل، لم يكونا مجرد إزعاج تقني، بل انقطاعًا فعليًا عن مصدر رزقها. في اقتصاد هشّ، حيث تجاوزت معدلات البطالة في غزة 80% في مستويات غير مسبوقة؛ ما جعل فقدان جهاز واحد كفيلًا بإخراج صاحبه من سوق العمل.

منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، اعتادت العبادلة التواجد في الميدان، توثق بالصوت والصورة، وتنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتُنتج موادًا مصورة تنقل هموم الناس. لكن تعطُل هاتفها أوقف نظامها تمامًا. الأسعار المرتفعة للهواتف المتاحة في السوق، والتي تضاعفت في بعض الحالات إلى 2-3 أضعاف سعرها الطبيعي، جعلت شراء جهاز جديد قرارًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

تقول: "يوم تهشم هاتفي، كنت أستعد لتصوير قصص إنسانية عاجلة. فوجئت بشاشة مكسورة وصوت لا يُسجّل بوضوح. منذ ذلك اليوم أشعر بالإحباط؛ فقدت الأداة الوحيدة التي أعمل بها، بعدما خسرت معداتي في بداية الحرب. لم أفقد معدات فقط، بل فقدت أمي وشقيقي. الخسارة جاءت من كل الجهات".

تحاول العبادلة التكيف. تستعين بزملاء لتصوير الأفكار التي تعمل عليها، متنقلة من مساعدة إلى أخرى. لكن هذا الحل المؤقت يظل هشًا، ويعني عمليًا فقدان الاستقلالية المهنية، والتبعية لظروف الآخرين، في وقتٍ يتنافس فيه الجميع على فرص عمل محدودة.

في غزة، تتفاقم أزمة خانقة في الإلكترونيات نتيجة منع إدخال هذه الأجهزة. ما يصل إلى السوق، سواء عبر تهريب أو إدخال محدود، يبقى شحيحًا. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نحو 58% فقط من سكان غزة كانوا يمتلكون هواتف ذكية قبل الحرب، فيما لم تتجاوز نسبة استخدام الحواسيب 28%، ما يعني أن أي فقدان أو تلف لهذه الأجهزة يدفع شريحة واسعة خارج دائرة الوصول الرقمي بالكامل، خاصة مع ارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية لمعظم السكان.

ومع تآكل الدخل، حيث يعيش أكثر من 80% من السكان على المساعدات الإغاثية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، يصبح شراء هاتف أو حاسوب خيارًا مستحيلًا أمام كثيرين، حتى لو كان مصدر دخلهم يعتمد عليه بالكامل.

الأزمة لا تتعلق فقط بندرة الأجهزة، بل بسلسلة كاملة من العوائق: انقطاع الكهرباء تام، ضعف شبكات الإنترنت، وارتفاع كلفة الصيانة التي قد تصل إلى نصف ثمن الجهاز نفسه. حتى من يمتلك جهازًا، قد لا يستطيع تشغيله لساعات كافية، أو إصلاحه عند تعطّله.

هذا الواقع لا يطال الصحافيين وحدهم، خاصة في ظل الانتشار المتسارع للرقمنة عالميًا، حيث أظهرت دراسة أمريكية أن ما يصل إلى 92% من الوظائف تتطلب مهارات رقمية بشكل مباشر أو غير مباشر. يمتد تأثير ذلك إلى طلبة وعاملين يعتمدون على التكنولوجيا في حياتهم اليومية. غياب الحواسيب من الأسواق خلق فجوة حادة، جعلت كثيرين غير قادرين على متابعة تعليمهم أو أعمالهم، ودفعهم إلى حلول مؤقتة لا تسد الحاجة، مما يؤثر على جودة ما ينتجونه وفرصهم المستقبلية. 

حمزة صالح (19 عامًا)، طالب دبلوم التصميم الجرافيكي، أحد هؤلاء. فقدَ حاسوبه المحمول بعد تدمير منزله خلال قصف قبل نحو عام، ليجد نفسه في مواجهة يومية مع عائق يهدد تقدمه الأكاديمي.

يقول وهو يحمل حقيبة حاسوب صديقه: "أشعر بالإحراج كلما طلبت استعارة الجهاز، لكنني مضطر. أنجز فقط ما يُطلب مني للجامعة، رغم حاجتي للتدريب والتطوير. الوقت الذي أستعير فيه الجهاز محدود، فلا أستطيع التجربة أو التعلم خارج المطلوب".

بالنسبة لصالح، لا تتوقف الخسارة عند حدود الدراسة. غياب الجهاز يعني أيضًا فقدان فرصة بناء مهارات قد تفتح له باب عمل في سوق يعتمد بشكل متزايد على المهارات الرقمية، حتى في ظل الحصار.

أما أريج عمر، وهي طالبة في الهندسة المعمارية، فتقف أمام معضلة مشابهة. جهازها تعطل خلال النزاع وأصبح غير صالح للاستخدام، ما اضطرها إلى بيعه بثمن زهيد. اليوم، لا تملك وسيلة أساسية لإنجاز متطلبات دراستها، في وقت تحتاج فيه إلى حاسوب لإتمام مشروع التخرج الدراسي.

تقول: "لا خيار لدي سوى تأجيل مادة التخرج حتى أتمكن من توفير جهاز حاسوب. عُرض عليّ العمل من مكان يوفر حواسيب مقابل 7 شواكل للساعة. حسبتها: أربع ساعات يوميًا تعني نحو 200 شيكل شهريًا، دون تكلفة المواصلات. هذا يعني أنني سأدفع مقابل الدراسة بدل أن أستثمر في نفسي".

مثل هذه البدائل المدفوعة، كاستئجار حواسيب في مراكز خاصة، أو الدفع مقابل الإنترنت وشحن الأجهزة، وحتى استئجار أجهزة من الآخرين، وإن بدت حلولًا مؤقتة، فإنها تعمّق الفجوة بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع، وتحوّل التعليم والعمل إلى عبء مالي إضافي.

الخبير الرقمي سائد حسونة، يرى أن منع إدخال الإلكترونيات لا يمكن اعتباره مجرد نقص في السلع، إذ يتحول غياب هذه الأدوات في ظلّ انهيار البنية المعيشية، إلى شكل من أشكال العزل الرقمي والمهني.

يقول حسونة إن التكنولوجيا لم تعد رفاهية، بل شرطًا أساسيًا للتعليم والعمل والتواصل. وحرمان السكان منها يعني تقليص فرصهم في التعلم والإنتاج، وتحويل أدوات النجاة إلى موارد نادرة لا يملكها إلا من يستطيع تحمل كلفتها، ما يوسع الفجوة الرقمية داخل المجتمع ويعمّق عزلة غزة عن الاقتصاد والمعرفة.

ولا يتوقف الأثر عند الزمن الحاضر، فمع استمرار الانقطاع عن الأدوات الرقمية، تتراجع فرص الجيل الشاب في اكتساب المهارات المطلوبة عالميًا، ما يهدد بإنتاج فجوة طويلة الأمد بين غزة والعالم، ليس فقط في البنية التحتية، بل في القدرات البشرية أيضًا.

من زاوية قانونية، يرى المحامي حماد ظهير أن منع إدخال الإلكترونيات لا يتناسب مع مبدأ الضرورة العسكرية. ويشير إلى أن المنع الشامل وغير المبرر قد يرقى إلى جريمة حرب، كونه يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الذي يحظر العقاب الجماعي.

ويوضح أن اتفاقية جنيف الرابعة، إلى جانب مبادئ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تحظر عرقلة وصول السكان إلى احتياجاتهم الأساسية، والتي باتت تشمل الأجهزة الإلكترونية في ظل الاعتماد المتزايد عليها في مختلف جوانب الحياة.

ويدعو ظهير إلى توثيق هذه الانتهاكات بشكل منهجي، ورفعها إلى الجهات الدولية المختصة، لتشكيل أساس قانوني يمكن البناء عليه لمساءلة إسرائيل عن انتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني.

في غزة، لا يقتصر الحصار على الغذاء والدواء، بل يمتد إلى أدوات المعرفة والعمل. ومع استمرار منع إدخال الإلكترونيات، يجد من يحتاج إلى هاتف أو حاسوب نفسه عالقًا في دائرة مغلقة: انتظار طويل، أو استعارة مؤقتة، أو التخلي القسري عن فرصة تعليم أو عمل.

هنا، لا تعني الفجوة الرقمية مجرد فرق في الوصول إلى التكنولوجيا، بل فرقًا في القدرة على الاستمرار، وعلى التخطيط للمستقبل، وعلى البقاء جزءًا من عالم يتحرك بسرعة، بينما يُترك آخرون خلفه بلا أدوات.