في قطاع غزة، لم يعد انقطاع الكهرباء حدثًا استثنائيًا، بل واقعًا دائمًا أعاد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية والاقتصاد المنزلي. ومع الغياب شبه الكامل للكهرباء العامة، تحوّلت المولدات الخاصة من حل مؤقت إلى بنية تشغيلية غير رسمية، تقوم مقام الخدمة العامة من دون إطار تنظيمي واضح أو تسعير ثابت.
في مدن القطاع ومخيماته، يدفع السكان ثمن الكهرباء أسبوعيًا، ليس عبر شركة رسمية أو فواتير موحّدة، بل عبر شبكات مولدات محلية تحدد السعر وساعات التشغيل وشروط الاستخدام. هذه المنظومة التي نشأت في سياق الطوارئ لم تعد استثناءً، بل أصبحت واقعًا يوميًا يطال العائلات والأعمال الصغيرة على حدّ سواء.
وفي ظل هذا التحول، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة تُقدّم أو تُقطع، بل صارت جزءًا من الاقتصاد اليومي، تُدار عبر آليات تسعير متغيرة وتوزيع يخضع لظروف السوق. ولم تعد الأسعار موحدة حتى داخل القطاع نفسه؛ فالكيلو الواحد قد يُباع في منطقة بسعر 15 شيكل، بينما يصل في منطقة أخرى إلى 35 شيكلًا، مع تفاوت واضح في جودة الخدمة المقدمة بين شركة وأخرى وبين منطقة وأخرى.
المولدات، التي تُشغّلها شركات أو أفراد، لا توفر التيار فقط، بل تتحكم أيضًا في ساعات التشغيل وحدود الاستهلاك، ما يحوّل الكهرباء إلى سلعة تُباع بحسب القدرة على الدفع لا بحسب الحاجة. وفي غياب أي إطار تنظيمي أو رقابي، يرى كثير من السكان في هذه العلاقة شكلًا من أشكال الاستغلال، حيث تُفرض شروط الخدمة والأسعار من طرف واحد، في سياق لا يملك فيه المستهلك خيارًا بديلًا.
في حيّ النصر غرب مدينة غزة، يقول أبو باسل صبح (55 عامًا) إن ما يدفعه مقابل الكهرباء لم يعد يُقاس بالاستهلاك بقدر ما يُقاس بغياب البدائل. "أستخدم خط المولد لعدة ساعات يوميًا فقط، لتشغيل الغسالة وشحن الهواتف، ومع ذلك، أدفع نحو 100 شيكل أسبوعيًا، رغم وجود عدّاد. لا توجد طريقة واضحة لمعرفة كيف يُحتسب الاستهلاك، ولا جهة يمكن الرجوع إليها للاعتراض".
ولا تتعلق المسألة، بحسب صبح، بالمبلغ وحده، بل بطبيعة العلاقة غير المتكافئة بين المشترك وصاحب المولد. يردف: "الدفع نقدًا فقط، وأحيانًا يُطلب الدفع مقدّمًا. وإذا تأخرنا، تُقطع الكهرباء فورًا". ويضيف أن هذا النمط من التعامل يجعل المشترك في موقع ضعف دائم، ويعزز شعورًا واسعًا بأن ما يجري يتجاوز كلفة الخدمة إلى استغلال الحاجة في غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها.
في منزلٍ آخر، تصف أم محمود النخالة (43 عامًا) وضعًا مشابهًا، لكن بكلفة أعلى. "فاتورة المولد تصل إلى 600 شيكل شهريًا، رغم أن استخدامنا محدود". تقول إن سعر الكيلو يتغير باستمرار، ويتراوح بين 35 و40 شيكلًا، وإن ساعات التشغيل يحددها صاحب المولد، غالبًا في الليل فقط، وحتى نوع الأجهزة التي يمكن تشغيلها ليس قرارًا لهم.
هذا النمط من التحكم، الذي يشمل السعر والوقت والاستخدام، يعكس طبيعة سوق نشأت خارج أي إطار رقابي. فالكهرباء، التي تُعد خدمة عامة أساسية، باتت تُدار بمنطق العرض والطلب، وفي كثير من الأحيان بمنطق الاستفادة القصوى من غياب البدائل، في سياق يعاني فيه السكان من تراجع الدخل وندرة السيولة.
ولا يقتصر أثر أزمة الكهرباء على المنازل فحسب، بل يمتد إلى المحال التجارية التي تعتمد على التيار كشرط لاستمرار العمل. يقول عمر عودة، مالك مقهى "بي هاب"، إن عمله اليومي بات مرتبطًا مباشرة بتوفر الكهرباء من المولد. يردف: "نعمل من 10 إلى 12 ساعة يوميًا على المولد. الفاتورة الأسبوعية تتجاوز 1000 شيكل، وتزداد خلال المنخفضات الجوية عندما يرتفع عدد الزبائن". ويشير إلى أن التسعيرة غير ثابتة، وأن أي تأخير في السداد يعني توقف العمل فورًا.

في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، يواجه أبو هيثم السوافيري، صاحب بقالة صغيرة، معادلة مختلفة، لكنها لا تقل صعوبة. يقول: "الثلاجات أساس العمل. أي انقطاع للكهرباء يعني خسارة مباشرة بسبب فساد البضائع". وبينما تقارب فاتورته الأسبوعية 500 شيكل، يشير إلى أن المولد ليس خيارًا، بل ضرورة لحماية البضاعة، حتى لو كانت الكلفة مرتفعة.
من جانبهم، يبرر العاملون في قطاع المولدات هذه التسعيرات بتقلب كلفة الوقود وارتفاع أسعار الأسلاك والمعدات. يقول أبو أحمد، وهو عامل في إحدى شبكات المولدات، إن "السعر يتغير أسبوعيًا حسب الطلب وكلفة التشغيل". ويضيف أن الدفع النقدي ضروري لأن الوقود يُشترى نقدًا، وأن ساعات التشغيل تُنظم لتوزيع الكهرباء على أكبر عدد ممكن من المشتركين. لكن هذا "التنظيم" يجري في إطار سوق غير رسمي، لا يخضع لإشراف حكومي فعلي.
من زاوية قانونية، يؤكد المحامي محمد بارود أن غياب التنظيم الرسمي لبيع الكهرباء من مصادر بديلة لا يعني غياب المسؤولية القانونية، فحتى الأنشطة التجارية غير المنظمة تظل خاضعة للمبادئ العامة للقانون، خصوصًا منع استغلال حاجة المواطنين وحمايتهم. يقول: "الكهرباء خدمة أساسية مرتبطة بحياة الناس، ولا يجوز التعامل معها كسلعة كمالية أو إخضاعها لمزاجية التسعير".
لذلك، يُشير بارود إلى أنّ التلاعب بالأسعار وغياب معايير واضحة للاحتساب، وربط الخدمة بالدفع المسبق والقطع الفوري دون وجود آليات اعتراض أو جهة رقابية، هي ممارسات تعسفية ومخالفة للقانون. ويضيف أن غياب جهات الشكوى في ظل الوضع الميداني لا يسقط حق المساءلة، بل يؤجلها، لأن هذه الممارسات قابلة للمحاسبة عند توفر الآليات.
وبحسب الأطر القانونية المعمول بها قبل الحرب، ينظَّم قطاع الكهرباء في فلسطين بموجب قانون الكهرباء العام رقم (13) لسنة 2009، الذي أناط بسلطة الطاقة والموارد الطبيعية رسم السياسات ومنح التراخيص، وبمجلس تنظيم قطاع الكهرباء مراقبة الشركات وتطبيق التعرفة وضمان جودة الخدمات، إلى جانب دور شركات التوزيع ووزارة الاقتصاد الوطني في حماية المستهلك.
غير أن هذا الدور يبدو معطّلًا عمليًا في الواقع الراهن، مع انهيار قدرة شركة كهرباء غزة واضطرار السكان للاعتماد على مولدات غير مرخّصة ومن دون رقابة فعالة، وغياب تطبيق فعلي لتشريعات التسعير والاشتراطات، ما أفضى إلى سوق تعمل وفق قواعد الأمر الواقع بلا جهة مساءلة واضحة.
وحاولت مراسلة "آخر قصة" التواصل مع وزارة الاقتصاد الوطني – دائرة حماية المستهلك، للاستفسار عن آليات الرقابة على تسعيرة المولدات، من دون الحصول على رد حتى لحظة نشر التقرير. كما لا تتوافر بيانات رسمية منشورة حول تسعيرة الكهرباء البديلة أو سقوف الأسعار أو عدد الشكاوى المقدمة، ولم تُعلن الجهات المختصة عن أي تعميمات تنظيمية خلال الفترة الماضية، ما يكرّس فراغًا معلوماتيًا يحدّ من إمكان المساءلة أو الاعتراض.
اقتصاديًا، يرى المختص أحمد أبو قمر أن الاعتماد على المولدات في غزة بات خيارًا قسريًا، بعد توقف الكهرباء العامة، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى أكثر من 500 ميغاوات يوميًا. ويشير إلى أن عدد المولدات تجاوز 700 مولد حتى قبل الحرب، لكنها تعمل اليوم ضمن سوق غير منظم.
ويضيف أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بكلفة الوقود، بل أيضًا بتركّز السوق في أيدي عدد محدود من المشغلين. يقول: "سعر كيلو الكهرباء ارتفع من نصف شيكل قبل الحرب إلى ما بين 17 و25 شيكلًا حاليًا، وفي ظل انعدام الدخل، تدفع العائلات 200 إلى 300 شيكل شهريًا، وهو عبء كبير".
أما خيار توليد الكهرباء عبر أنظمة تعمل على الطاقة الشمسية، الذي يُطرح غالبًا كبديل، فيبقى بعيد المنال لغالبية السكان. فتركيب منظومة قادرة على تشغيل منزل بشكل مستقر يتطلب ما بين 2500 و3000 دولار، وهو مبلغ ضخم مقارنة بمتوسط دخل الفرد في غزة، الذي يقدّر بنحو 2.6 دولار يوميًا. إضافة إلى ذلك، تُثقل القيود المفروضة على المعابر كلفة استيراد المعدات وصيانتها، ما يجعل الاعتماد على المولدات خيارًا اضطراريًا رغم المخاطر والتكاليف.
في غزة لا تبدو أزمة الكهرباء مجرد خلل تقني أو نتيجة ظرف طارئ، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على حماية حق أساسي حين يتحول إلى سلعة. وبين سوق مولدات غير منظم، وغياب بيانات رسمية، وتآكل أدوات الرقابة، تتكشف أزمة سلطة تنظيم خدمة حيوية تحولت إلى اقتصاد موازٍ، مع غياب حماية المستهلك في واقع تُدار فيه الكهرباء بمنطق السوق لا بمنطق الحق العام.