في المساحة الخلفية للتجمّع الذي ينزح فيه محمد سالم في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، لفتت نظره شتلات صغيرة من مزروعات مختلفة: خسّ وبقدونس وبصل أخضر، زرعها الجيران. وبعد أن سألهم، أخبروه أنهم يحصدونها كل بضعة أسابيع، وأنها توفّر عليهم قدرًا جيدًا من مصاريف الشهر. فقرّر أن يفعل مثلهم، خاصة أن دخله المتقطّع من عمله على بسطة تجارية لا يكفي لتلبية الحدّ الأدنى من احتياجات أسرته.
غرس سالم بضع شتلات حصل عليها من جيرانه في مترين مربعين من التربة المكشوفة للشمس بجوار خيمته، وسقاها بسخاء يوميًا، لكنها ذبلت جميعًا. كرّر المحاولة مرتين دون جدوى؛ فما بدا له سهلًا حين كان يتأمل زرعات الجيران لم ينجح في تحقيقه. وتتكرر هذه التجربة مع كثير من النازحين، إذ قد تحول قلة الخبرة ومهارات الزراعة الأساسية دون نجاح المحاولات الأولى.
وخلّفت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023 انهيارًا معيشيًا واقتصاديًا حادًا، مع نزوح أكثر من 2.15 مليون شخص في مراكز إيواء وخيام متهالكة وبقايا البيوت. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تعتمد 95% من العائلات على المساعدات الإنسانية، فيما بلغ معدل الفقر 93% والبطالة 80%، وفق وزارة العمل. كذلك ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية إلى نحو 400% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفق تقرير مرصد السوق الصادر عن برنامج الأغذية العالمي في أغسطس 2026.
في ظل هذه الظروف، أصبحت الخضار الطازجة عبئًا على ميزانيات الأسر. وتتيح الزراعة في مساحة صغيرة بجوار الخيمة توفير جزء من الاحتياجات الغذائية بكلفة محدودة، وتمنح العائلة قدرًا من الاعتماد على نفسها. ولهذا، يقدم المهندس الزراعي نبيل الحرازين، في هذا التقرير، دليلًا عمليًا للزراعة في المساحات الصغيرة، يتناسب مع بيئة غزة والإمكانات المتاحة.
كيف نبدأ؟
ابدأ باختيار بقعة تصلها الشمس معظم النهار، وتكون بعيدة قدر الإمكان عن مياه الصرف والتلوث، ومحمية نسبيًا من الرياح، خاصة في الخريف والشتاء. ويمكن للنازحين في المنازل استخدام الأحواض والأوعية، بما فيها العلب المعدنية والبلاستيكية المعاد تدويرها، شرط ثقب قيعانها لتصريف المياه ومنع تعفّن الجذور.
جهّز التربة بإزالة الحجارة الكبيرة وقطع البلاستيك والزجاج والأعشاب الضارة وبقايا النباتات، ثم فكّكها على عمق يناسب الجذور واخلطها بكمبوست ناضج، أي سماد عضوي. وللزراعة في الأحواض، يمكن مزج التربة المحلية بالكمبوست، وإضافة مادة تساعد على التهوية والصرف عند الحاجة، مثل الفلّين أو الحصى أو الحجارة الصغيرة. أما المساحة المجاورة للخيمة، فيُفضّل تحديدها بالحجارة أو الأخشاب لحماية النباتات من الدوس.
سماد طبيعي بلا كلفة
يمكن تحويل جزء من المخلفات العضوية المنزلية إلى سماد طبيعي بدل التخلص منها. ويُستخدم لهذا الغرض بقايا الخضار والفواكه، والأوراق الجافة والقش، والكرتون غير المطلي، وبقايا الشاي والقهوة. توضع هذه المواد في كومة أو وعاء جيد التهوية على طبقات متعاقبة من المواد الجافة والرطبة، ثم تُرطّب بالماء دون إغراقها، وتُقلّب من حين لآخر للسماح بدخول الهواء. ويجب تجنّب اللحوم والأسماك والزيوت والبلاستيك.
يصبح السماد جاهزًا عندما يغمق لون الخليط، وتصبح رائحته ترابية، وتتحلل غالبية مواده. عندها يُخلط بالطبقة السطحية للتربة قبل الزراعة. وبعد نمو النباتات، يمكن إضافة السماد العضوي، إلى جانب سماد معدني إن توافر، على دفعات صغيرة تراعي اختلاف احتياجات النباتات خلال مراحل نموها.

ماذا نزرع؟
مع بدء موسم الخريف، تُعدّ الورقيات من المحاصيل المناسبة لسرعة نموّها، مثل الجرجير والبصل الأخضر والفجل. وينصح الحرازين بتنويع الأصناف بدلًا من تخصيص المساحة كلها لمحصول واحد.
ويُعدّ الاستزراع بالشتلات أسهل للمبتدئين من الزراعة بالبذور، لأنه يتجاوز مرحلة الإنبات التي تحتاج إلى خبرة وانتظار. ويمكن الحصول على الشتلات من المشاتل على قلّتها، أو من الجيران الذين نجحت زراعتهم. كما يمكن استنبات بعض النباتات من بقايا المنزل، مثل جذور البصل الأخضر بعد غمرها في الماء أيامًا حتى تنمو جذور جديدة، وأغصان النعناع بعد تجذيرها في الماء.
وعند نقل الشتلات، تُحفظ كتلة التراب المحيطة بالجذور، وتُزرع عصرًا مع ترك مسافة نحو 20 سنتيمترًا بينها، أي ما يعادل شبرين تقريبًا. وبحسب الحرازين، يمكن أن تبدأ الورقيات بالعطاء خلال أسابيع قليلة، ويُعدّ الخريف مناسبًا لزراعتها حتى نهاية الشتاء.
محاصيل خريفية وشتوية سريعة: جرجير، فجل، خس، سبانخ، بقدونس، شبت، كزبرة، بصل أخضر.
محاصيل صيفية: بندورة، خيار، فلفل، باذنجان، كوسا.
أعشاب مناسبة للمساحات الصغيرة جدًا والأحواض: مريمية، ريحان، نعناع.
المرحلة الأخطر: الري
يصف المهندس الزراعي الحرازين الري بأنه من أكثر مراحل الزراعة حساسية، إذ قد يؤدي الإفراط فيه إلى تلف النباتات. وهذا ما حدث مع شتلات سالم، التي غمرها بالماء يوميًا، فارتفعت رطوبة التربة إلى مستويات تشجّع تعفّن الجذور وتكاثر الفطريات والآفات.
ويوصي الحرازين بالري بالتنقيط للحفاظ على اعتدال رطوبة التربة وتوفير المياه، وهو أمر مهم في غزة حيث بالكاد تحصل العائلات على حصص كافية منها. ويمكن إعادة تدوير قارورة فارغة بعمل ثقوب في غطائها واستخدامها لري الشتلات يدويًا ببطء، دون إغراقها. وتُحدّد كمية الماء المناسبة وفق نوع النبات وحجمه وظروف الزراعة، مع فحص رطوبة التربة قبل الري وتجنّب الإفراط في سقي النباتات أو تعطيشها.
يجب فحص رطوبة التربة قبل الري؛ فإذا كانت رطبة فلا حاجة إلى إضافة الماء. ويُفضّل الري صباحًا، مع توجيه الماء إلى التربة والجذور وتجنّب تبليل الأوراق باستمرار. وبعد الري، يمكن تغطية التربة بالقش أو الأوراق الجافة النظيفة لتقليل تبخّر الماء.

الآفات والأمراض
يقول الحرازين: "الوقاية أهم من العلاج: راقب - اكتشف مبكرًا - تدخّل بأدنى درجة ممكنة". لذا ينبغي فحص النباتات مرتين أسبوعيًا، مع التركيز على أسفل الأوراق والقمم النامية والسيقان.
الإصابات البسيطة: يمكن إزالة الحشرات يدويًا أو بتيار ماء، واستخدام مصائد لاصقة للحشرات الطائرة، خاصة التي تستهدف البراعم. وينبغي إزالة الأوراق المصابة والأعشاب الضارة التي قد تؤوي الآفات.
الإصابات الشديدة: عند ظهور إصابة فطرية، يُزال الجزء المصاب من النبتة، وتُحسّن التهوية مع تقليل رطوبة التربة وتنظيم الري بحسب الحاجة.
المبيدات والصابون الحشري: عند فشل الطرق السابقة، يمكن استخدام صابون حشري مخصص للنباتات وفق تعليمات المنتج، مع تجنّب صابون الأيدي السائل والمنظفات المنزلية ما لم يؤكد المهندس الزراعي سلامتها للنباتات التي تزرعها. كما يجب تجنّب الكلور والخل المركز والمنظفات القوية، لأنها قد تحرق النباتات وتضرّ بالتربة.
ويشدّد المهندس الزراعي نبيل الحرازين على أهمية ترك مسافات مناسبة بين النباتات وتجنّب الإفراط في الري. كما يساعد تدوير المحاصيل وتنويعها على الحد من تراكم الآفات في التربة وتحسين الاستفادة من العناصر الغذائية. ويمكن تطبيق ذلك بتقسيم المساحة المزروعة إلى أجزاء، وتغيير الأصناف المزروعة فيها كل موسم، كأن تعقب البندورةَ البقولياتُ ثم الورقيات.
ولحماية النباتات من الرياح والحيوانات، خاصة بين خيام النزوح، يمكن إحاطة المساحة بأعواد أو عواميد خشبية صغيرة مع شادر أو نايلون أو قطع من قماش مهمل. أما الشتلات الصغيرة، فيمكن حمايتها بتغطيتها بقوارير بلاستيكية مقطوعة من الأسفل ومقلوبة.
تتيح الزراعة في المساحات الصغيرة للأسر النازحة توفير جزء من احتياجاتها من الخضار بكلفة محدودة، شريطة اختيار الشتلات المناسبة والعناية بالتربة والري ومراقبة النباتات بانتظام.