لم يكن الألم غريبًا على أحمد أبو ربيع (29 عامًا)، لكنه قبل الحرب كان "وجعًا مؤدبًا" -كما يصفه- ألمًا يمكن التعايش معه ومساومته وتأجيله. كان الخلع المتكرر في كتفه يربك حركته ويقيد اندفاع شبابه، لكن الحل بدا آنذاك واضحًا وبسيطًا: تدخل جراحي صغير خلف باب غرفة العمليات يعيد لجسده توازنه.
كان ينتظر دوره في قوائم العمليات، مؤمنًا أن الأمر مسألة وقت لا أكثر، وأن الصبر وحده هو الثمن الذي سيدفعه ليستعيد حياته الطبيعية. يقول: "كنت أظن أن الموضوع مجرد وقت، وأن دوري سيأتي في النهاية".
لكن الوقت لم يعد يعمل لصالحه. لم تعد إصابة الكتف مجرد حالة مؤجلة، بل تحولت إلى عبء يومي يرافقه في كل حركة. يضيف: "مع الوقت صار الألم يفرض نفسه في كل تفاصيل يومي، ولم يعد هناك فرق بين لحظة راحة وأخرى".
ويتابع بخوفٍ واضح: "أخاف أن أبقى هكذا، أن يتحول ما كان بسيطًا ويمكن علاجه إلى إعاقة دائمة لا رجعة منها"، فيما تتراجع قدرته على الحركة تدريجيًا تحت وطأة توقف العلاج وانتظار بلا نهاية.

وإذا كان أبو ربيع يخشى فقدان حركة يده، فإنّ أمال السيد (45 عامًا) فقدت فعليًا قدرتها على المشي بثبات. كانت تعاني من تآكل حاد في مفصل الركبة، وقد أوصى الأطباء قبل الحرب بإجراء عملية "زراعة مفصل صناعي" باعتبارها الحل الوحيد الذي يمكن أن يعيد لها قدرتها على الحركة.
كانت تنتظر اليوم الذي تتخلى فيه عن عكازها الخشبي. تقول: "كنت أنتظر أن أجري العملية لأتحرك داخل بيتي دون ألم، وأقوم بدوري كأم وعمود للأسرة دون أن تسبق خطواتي تنهيدات الوجع، لكن الحرب قلبت ذلك الانتظار إلى رحلة مختلفة تمامًا".
ومع موجات النزوح المتكررة، تحولت أبسط المسافات إلى عبء ثقيل داخل مراكز الإيواء المكتظة. لم تعد المسافة بين الخيمة ودورة المياه مجرد خطوات، بل رحلة يومية من الألم.
تتابع: "حتى أبسط حركة كانت تحتاج مني جهدًا كبيرًا، وكأن كل خطوة أصبحت قرارًا صعبًا. لم أعد أفكر فقط في الألم، بل في كيف سأصل من مكان إلى آخر دون أن أسقط أو أحتاج إلى مساعدة أحد".
ومع غياب الكادر الطبي المتخصص وتوقف متابعة حالتها، تقول السيد: "أصعب ما في الوجع ليس الألم نفسه، بل نظرة العجز في عيون أولادي وهم يرونني أتحرك بصعوبة. كانوا يقولون لي: غدًا ستجرين العملية وتعودين كما كنتِ، لكن الغد جاء بالحرب، ولم يأتِ بالمفصل".

تُظهر أزمة زراعة المفاصل في غزة تعقيدًا يتجاوز حدود الخلل الصحي الداخلي، في ظل تراجع عمل المنظومة الطبية بفعل الحرب الإسرائيلية (2023-2025)، وغياب عدد من الكوادر المتخصصة نتيجة الاعتقال، إلى جانب تعثر التحويلات الطبية وصعوبة سفر المرضى للعلاج خارج القطاع، ما جعل الوصول إلى هذا النوع من التدخلات الجراحية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
محمد السويدي (42 عامًا)، كان قبل الحرب يعمل لإعالة أسرته، متنقلًا بين عمله اليومي وحياته البسيطة، إلى أن بدأت آلام مفصل الركبة تتصاعد تدريجيًا. بعد الفحوصات شُخّصت حالته بالحاجة إلى "زراعة مفصل صناعي" كحل نهائي يعيد له القدرة على الحركة ومواصلة العمل.
حاليًا لم يعد الألم الذي يعيشه السويدي مجرد معاناة صحية، بل تحول إلى عائق يمنعه من العمل والحركة معًا؛ ما انعكس مباشرة على أسرته التي فقدت مصدر دخلها الأساسي.
يقول: "لم يعد الأمر مجرد ألم في الركبة، بل أصبح حياة كاملة تتوقف. كنت أعمل لأعيل أطفالي، واليوم لا أستطيع حتى الوقوف لفترة قصيرة. أشعر أنني عاجز مرتين؛ مرة أمام الألم ومرة أمام احتياجات أسرتي التي لم أعد أستطيع تلبيتها".
خلف هذه الحكايات الفردية تتجذر أزمة أعمق تنهش جسد المنظومة الصحية في غزة، فالمعطيات الطبية لا تتحدث عن ألم عابر، بل عن تعطيل قسري لمسار العلاج والحياة.
تشير المعطيات الطبية إلى أن مجمع ناصر الطبي وحده يرصد أكثر من 400 حالة مرضية تحتاج إلى عمليات زراعة مفاصل بشكل طارئ، في ظل توقف الخدمة بشكل كامل نتيجة غياب الكوادر الطبية المتخصصة، ما يضع المرضى أمام خطر حقيقي يتمثل في تفاقم حالاتهم الصحية وتحول كثير منها إلى إعاقات دائمة.
كما يُقدَّر أنّ نحو 90 كادرًا طبيًا يقبعون في سجون الاحتلال منذ بدء الحرب على قطاع غزة؛ ما عمّق فجوة النقص في التخصصات الدقيقة، وعلى رأسها جراحة وزراعة المفاصل.

وفي ظل هذا الواقع، توقفت التحويلات الطبية للعلاج في الخارج بشكل شبه كلي، فيما جرى في بعض الحالات تصنيف إصابات العظام على أنها "غير طارئة"، الأمر الذي حرم المرضى من فرص التدخل الجراحي خارج القطاع، وتركهم في مواجهة مباشرة مع تدهور حالتهم دون بدائل علاجية متاحة.
في هذا السياق، يقول الطبيب استشاري جراحة العظام في مستشفى ناصر الطبي جمال أبو هلال، إن عدد مرضى المفاصل في قطاع غزة تجاوز 500 حالة بحاجة إلى تدخلات جراحية عاجلة، في ظل غياب كامل للخدمات والعلاجات المتخصصة.
ويوضح أن خدمات زراعة المفاصل متوقفة بشكلٍ تام منذ نحو عامين، دون إجراء أي عملية جراحية في هذا المجال، ما أدى إلى تزايد أعداد المرضى وتفاقم حالاتهم الصحية مع مرور الوقت.
كما يحذّر أبو هلال من أن استمرار تأخير العلاج ينعكس سلبًا بشكل مباشر على المرضى، مشيرًا إلى أن كل يوم تأخير يزيد من احتمالية تدهور الحالة وتحولها إلى إعاقة دائمة.
ويضيف أن المرضى يواجهون واقعًا أكثر تعقيدًا مع توقف التحويلات الطبية للعلاج في الخارج بشكل كامل، ما يحرمهم من أي فرصة بديلة لتلقي العلاج، ويتركهم في مواجهة مفتوحة مع الألم وتدهور حالتهم الصحية.

لا تقف الأزمة عند مرضى المفاصل فقط، إذ تتسع الدائرة لتشمل أكثر من 20 ألف مريض ينتظرون السفر للعلاج خارج قطاع غزة، في مشهد يعكس حجم الانهيار في منظومة التحويلات الطبية وتراجع فرص العلاج خارج القطاع إلى حد شبه كامل.
ويشير مختصون حقوقيون إلى أنّ تعطّل التحويلات الطبية وحرمان المرضى من الوصول إلى العلاج اللازم، خاصة في الحالات التي تتطلب تدخلًا جراحيًا عاجلًا، يمسّ بشكل مباشر الحق في الصحة والعلاج المكفول قانونيًا وإنسانيًا.
ووفق قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم (20) لسنة 2004، لكل مريض الحق في الحصول على الرعاية الفورية في الحالات الطارئة وتلقي العلاج المناسب، بينما تؤكد تقارير حقوقية أن تأخير التحويلات الطبية أو تعطلها قد لا يفاقم الحالة الصحية فقط، بل قد يهدد حياة المرضى ويدفع بعض الإصابات القابلة للعلاج نحو إعاقات دائمة.
بينما تتراكم الأرقام وتتسع فجوة العلاج، يجد مئات المرضى أنفسهم عالقين بين ألم لا يهدأ وانتظار بلا أفق. في غزة، لم تعد زراعة المفاصل مجرد إجراء طبي متوقف، بل تحولت إلى أمل مؤجل، فيما يقترب المرضى أكثر من حافة العجز مع كل يوم تأخير.