تحت شمس حارقة تصبّ لهيبها على الطريق، كان سائق مركبة الإسعاف والمسعف حسن عمران يستند إلى سيارة متهالكة، يمسح العرق عن جبينه بين حين وآخر، فيما تظل عيناه معلقتين على الطريق بانتظار وصول إطار بديل. كانت سيارة الإسعاف قد تعطلت بالكامل بعد انفجار إطارها وهي في طريقها إلى مهمة عاجلة.

مرّت خمس ساعات بطيئة وثقيلة قبل أن يصل أخيرًا الإطار البديل. لكنه لم يبدُ أفضل حالًا؛ فهو الآخر متهالك. ومع ذلك، لم يكن هناك خيار آخر سوى تركيبه.

يعمل عمران في دائرة الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة في غزة منذ عشرة أعوام، لكنه يقول إنه لم يشهد أيامًا مثل هذه من قبل. طوال الحرب الإسرائيلية (2023-2025) بقي في الميدان دون انقطاع، يراقب سيارات الإسعاف وهي تتآكل واحدة تلو الأخرى، حتى لم يتبقَّ في مستشفى ناصر جنوب القطاع سوى ثلاث سيارات إسعاف فقط من أصل 12 خلال النزاع.

وبينما يضع يديه على ألواح "الزينقو" التي جرى تركيبها بدل الزجاج المكسور لسيارة الإسعاف، يقول:
"إذا استمر الحال هكذا ستخرج سيارات الإسعاف المتبقية عن الخدمة، لا بطاريات بديلة لتشغيل السيارات، ولا وقود كاف، ولا إطارات للسيارات. المتوفر مرتفع الثمن. ركبنا ألواح زينقو كنوافذ للسيارة، ولا أجهزة طبية نتابع عليها المريض، حتى الطرق غير صالحة للسير".

بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، تواجه منظومة الإسعاف والطوارئ في غزة حالة شلل شبه تام، في ظل تراجع حاد في جاهزية المركبات وقدرتها على الاستجابة. عشرات سيارات الإسعاف دُمّرت، فيما خرج عدد كبير منها عن الخدمة بسبب نقص حاد في قطع الغيار والمعدات الأساسية للصيانة.

وبحسب مدير عام الشؤون الإدارية بوزارة الصحة في قطاع غزة، محمود حماد، فإن نحو 70% من سيارات الإسعاف ومركبات النقل الصحي لم تعد صالحة للعمل، نتيجة تآكل كفاءتها بفعل الاستخدام المستمر دون صيانة، وتراكم الأعطال في ظل عجز كامل عن الإصلاح.

على شاشة هاتفها، كانت السيدة صباح مرتجى تتصفح الأخبار حين وقعت على تصريحات تتحدث عن تعطل سيارات الإسعاف ونقصها الحاد وعدم كفايتها للمهام. توقفت طويلًا أمام الخبر، ثم قالت بقلق: "ماذا لو عادت الحرب.. ماذا سنفعل؟!"

وتضيف: "لدي تخوفات دائمة من عودة القصف، وفي ظل تعطل سيارات الإسعاف وعدم إدخال السيارات التي تقف على المعابر منذ عامين، سيكون الوضع خطيرًا، ولن تكون هناك وسائل لنقل المصابين للمشافي، خصوصًا مع تهالك السيارات العادية أيضًا".

في السياق ذاته، يقول مسؤول الصيانة في وحدة الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة شريف البيوك إنه كان يوجد 140 مركبة إسعاف، خرج منها 105 مركبة عن الخدمة، فيما تعطل العدد المتبقي.

ويضيف أن القدرة التشغيلية تضاءلت إلى حدٍّ كبير، إذ لا يعمل فعليًا سوى عدد محدود من السيارات موزع على المرافق الصحية: 12 سيارة إسعاف في مستشفيات قطاع غزة، منها 5 في مستشفى ناصر جنوب القطاع، و3 في المحافظة الوسطى، و4 في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، وهو ما يعكس حجم العجز.

نتيجة لذلك، توقفت خدمة مركبات الإسعاف الخاصة بمرضى غسيل الكلى، بفعل تهالك المركبات وحاجتها إلى صيانة دورية لا يمكن تنفيذها لغياب المعدات والبدائل. يردف البيوك: "مثلًا تأتيني سيارات تحتاج لبطاريات جديدة، لا يمكن إصلاحها، فأنا وقتها أحتاج لبطارية جديدة وهذا غير متاح".

كما ارتفعت أسعار قطع الغيار بشكلٍ حادّ، إذ يصلّ سعر الإطار الواحد إلى نحو 3000 دولار، فيما تبلغ تكلفة البطاريات قرابة 5000 دولار، وهي مبالغ تفوق قدرة وزارة الصحة على التغطية. كما تعجز فرق الصيانة عن إجراء الإصلاحات بسبب غياب القطع وتهالك معدات التشغيل نتيجة الاعتماد المستمر دون صيانة.

مدير وحدة الإسعاف والطوارئ فارس عفانة، يقول إن أكثر من 85% من مركبات الإسعاف دُمرت خلال الحرب، ما دفع الطواقم إلى تحويل مركبات قديمة إلى سيارات إسعاف.

وفي حديثه، يلفت إلى أنه في ظل شح المعدات يتم أحيانًا إصلاح بطاريات أو قطع من سيارات قُصفت سابقًا وإعادة استخدامها بعد صيانتها جزئيًا.

في التفاصيل، توقفت جميع المركبات التي تعمل على البنزين تمامًا، وفقًا لعفانة، ولم يعد يُشغَّل سوى ما يعمل على السولار، غير أن أزمة الزيوت باتت خانقة، إذ يرفض الاحتلال إدخالها إلى القطاع، إلى جانب منع دخول المستهلكات الطبية اللازمة داخل سيارات الإسعاف.

ويؤكد عفانة أن سائقي الإسعاف يواجهون أيضًا تدهور البنية التحتية، ما يطيل زمن الوصول إلى المهمات العاجلة. ويقول إنهم كثفوا تواصلهم مع المؤسسات الدولية للضغط من أجل إدخال الزيوت والإطارات، لكن تلك المحاولات لم تُثمر، مشيرًا إلى أن ما يصل المنظومة حاليًا يقتصر على كميات محدودة من الوقود فقط.

مع مرور الوقت، تتآكل منظومة الإسعاف في غزة أكثر فأكثر، في ظل غياب الحلول ورفض إدخال مركبات إسعاف جديدة أو السماح بمواد الصيانة الأساسية. وبين هذا الانهيار المتسارع، يبقى السؤال الذي يتكرر على ألسنة الناس: "ماذا لو عادت الحرب من جديد؟"