كم يتيم يمكن لوزير أن يحصيه في بلد يعيش أسوء أحواله بين حرب وحصار؟ وماذا يفعل مسؤول حين تصل نسبة الأسر المحتاجة في غزة إلى 90% من السكان؟ كيف يمكن لوزارة أن تقدم خدماتها للسكان في ذروة الأزمة المالية التي تعانيها الحكومة؟ وبأي إمكانيات محدودة تواجه وزارة التنمية الاجتماعية أزمة تضاعفت فيها الأسعار بألفين بالمئة، بينما المعونات لا تشق طريقها إلى الجياع؟
أسئلة كثيرة طرحت على الطاولة مع الدكتورة سماح حمد، وزيرة التنمية الاجتماعية ووزيرة الدولة لشؤون الإغاثة بالإنابة، في حوار خاص تبدأه من عمق الكارثة في قطاع غزة، ثم تنتقل إلى حديث لا يقل أهمية عن واقع الضفة الغربية.
ظروف معقدة وصعبة جدًا
في بداية حديثها، أوضحت حمد أن الأوضاع في قطاع غزة معقدة وصعبة جداً، مشيرةً إلى أن الأسر الفلسطينية تلقت صدمات متتالية اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى النزوح والتجويع.
وأكدت الوزيرة في حوار إذاعي أن الأسر في غزة، خلال الحرب التي استمرت أكثر من سنتين، نزحت بعضها أكثر من خمس عشرة مرة، واصفةً هذه الحالة بأنها "استثنائية لم تحدث في أي مكان آخر بالعالم".
وأضافت أن هذا التنقل المستمر يؤدي إلى عدم الاستقرار والجوع والأمراض المتعددة، مؤكدةً أن الأطفال والنساء والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة هم الأكثر تضرراً.
السجل الاجتماعي في غزة من 85 ألفاً إلى 350 ألف أسرة
كشفت الوزيرة عن تفاصيل صادمة تتعلق بالسجل الاجتماعي في قطاع غزة، موضحةً أن عدد الأسر المسجلة قبل الحرب كان خمسة وثمانين ألف أسرة، يستندون في تسجيلهم إلى معايير الفقر متعدد الأبعاد. لكن بعد الحرب، قامت الوزارة بإعلان رابط للتسجيل، وأصبح لديهم الآن ثلاثمائة وخمسون ألف أسرة مسجلة، تغطي حوالي تسعين بالمئة من سكان القطاع.
وأشارت إلى أن هذا السجل الجديد لم يأخذ بنظر الاعتبار المعايير المعتادة التي تعتمد على الفحص الميداني، لأنه ببساطة "في قطاع غزة لم يتبقَ بيت أصلاً يمكن فحصه". وأكدت أن هذا السجل أصبح معتمداً لدى الشركاء من المؤسسات الأممية لتوزيع الدعم النقدي الطارئ.
أزمة المساعدات وإغلاق المعابر
تطرقت الوزيرة إلى أزمة إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، موضحةً أنه حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لم يكن هناك التزام بالقرارات الأممية بإدخال المساعدات الإنسانية.
وأشارت إلى أن الشاحنات المحملة بالمساعدات تقف على المعابر لأشهر، قائلة: "كنا نتحدث سابقاً عن ستمائة شاحنة تدخل يومياً، أما اليوم فيدخل فقط ثلاثون أو أربعون شاحنة يومياً، ونصفها تجارة وليست مساعدات". وأضافت أن الكثير من المواد التي تم التبرع بها من دول كثيرة أتلفت على الجانب المصري أو الأردني بسبب عدم السماح بدخولها.
ارتفاع الأسعار بنسبة ألفين بالمئة ومجاعة تهدد نصف مليون طفل
كشفت الوزيرة عن أرقام صادمة تتعلق بأسعار المواد الغذائية في قطاع غزة، حيث قالت إن الأسعار تضاعفت بنسبة ألفين بالمئة، وهو ما وصفته بـ"الأرقام الفلكية". وأشارت إلى أن قطاع غزة يعاني منذ أكثر من سنتين من عدم توفر المواد الأساسية، بما في ذلك المكملات الغذائية للأطفال. وأكدت أن هناك خمسمائة ألف طفل معرض للأمراض بسبب التجويع الذي تعرض له، موضحةً أن الطفل الذي ولد خلال هاتين السنتين لم يتلق تغذية صحيحة، مما سينعكس على صحته مستقبلاً بأمراض مزمنة.
وأضافت أن الاحتلال يستخدم أسلوباً جديداً يمكن وصفه بـ"إعادة هندسة التجويع" في قطاع غزة، من خلال السماح بدخول المواد غير الأساسية كالشوكولاتة بينما تمنع المواد الأساسية، مما يجعلها متوفرة بأسعار خيالية أو غير متوفرة أصلاً.
أرقام الأيتام في غزة.. صدمة بعد صدمة
في أكثر محاور الحوار إيلاماً، تحدثت الوزيرة عن قضية الأيتام في قطاع غزة، وكشفت أن عدد الأيتام المسجلين لدى وزارة التنمية الاجتماعية بلغ اثنين وخمسين ألفاً وتسعة عشر يتيماً، مؤكدةً أن هذا الرقم يتزايد بشكل يومي. وأعطت تفاصيل أكثر قسوة، موضحةً أن عدد الأطفال فاقدي الأم والأب بلغ حوالي ألف وتسعمائة وثلاثة عشر طفلاً، أي نحو ألفين، وهناك حوالي خمسمائة طفل يعتبرون "الناجي الوحيد" من الأسرة الممتدة بأكملها، وهو رقم وصفته بأنه "مخيف". كما أشارت إلى أن عدد أيتام الأم بلغ سبعة آلاف ومئتين وستة أيتام، مؤكدةً أن هذه الأعداد ما تزال أولية.
حملة "لن يترك يتيم" والتحديات الميدانية
أعلنت الوزيرة عن إطلاق حملة وطنية تحت عنوان "لن يترك يتيم في فلسطين بدون كفالة"، تهدف إلى الوصول لكل الأيتام وبناء قاعدة بيانات متكاملة بالشراكة مع كافة المؤسسات والجمعيات. وكشفت عن التحديات الكبيرة التي تواجه تنفيذ هذه الحملة في غزة، حيث قالت: "لما ننزل مرشدين على الميدان في غزة، ما بيكون عندهم تابلت يسجلوا عليه، وما بيكون عندنا بعض الأحيان إنترنت". وأشارت إلى أن الهدف الثالث للحملة هو التغطية الإعلامية داخل فلسطين وخارجها، داعيةً الإعلام الفلسطيني لنشر رابط الحملة donate.mosd.gov.ps ، مؤكدةً أن هذا الرابط هو "رابط وطني" يضم كل المؤسسات التي تقدم خدمات للأيتام.
أشارت الوزيرة إلى أن الوزارة تركز في غزة على تقديم الدعم النقدي للأسر التي ترأسها نساء والأسر التي بها أيتام، وذلك عن طريق الدفع الإلكتروني. وأشادت بتطور الدفع الإلكتروني في فلسطين رغم الحرب والوضع الصعب، مثمنةً دور سلطة النقد والبنوك الفلسطينية وشركات الدفع في تنظيم هذه العملية.
الضفة الغربية: نزوح واقتحامات
بعد أن استعرضت الوزيرة الوضع في قطاع غزة بالتفصيل، انتقلت للحديث عن الضفة الغربية، حيث أوضحت أن الوضع هناك لا يقل صعوبة. أشارت إلى "الإرهاب" الذي يمارسه المستوطنون بشكل مستمر ضد الأسر الفلسطينية، بما في ذلك حرق البيوت والنزوح القسري. وقالت إن هناك أسراً نزحت بسبب طردها من أراضيها في الأغوار، كما تحدثت عن الأوضاع في شمال الضفة وتحديداً في مخيم نور شمس وطولكرم ومخيم جنين، وأضافت أنها زارت مؤخراً طوباس والتقت بأسر نازحة من مخيم الفارعة.
زكشفت الوزيرة أن عدد الأسر المسجلة في الضفة الغربية كان قبل الحرب حوالي ثلاثين ألف أسرة، لكن الرقم ارتفع الآن إلى أكثر من ثمانين ألف أسرة، أي أكثر من الضعف، نتيجة الظروف الصعبة والاقتحامات المتكررة.
أزمة مالية خانقة وإمكانيات محدودة
لم تخفِ الوزيرة حجم التحديات المالية التي تواجه الحكومة بشكل عام والوزارة بشكل خاص، مشيرةً إلى أن هناك أكثر من خمسة مليارات دولار أموالاً محتجزة، ولمدة اثني عشر شهراً لم يكن هناك أي دخل للحكومة.
وأكدت أن الحماية الاجتماعية من أكثر القطاعات تأثراً بهذا الوضع. كما أشارت إلى أن المؤسسات الأممية والمجتمعية تعاني نقصاً كبيراً في التمويل، حيث لا يصل من النداءات العاجلة سوى ثلاثين إلى أربعين بالمئة فقط من الاحتياجات الحقيقية.
الخدمات المشتركة بين غزة والضفة
شرحت الدكتورة حمد أن وزارة التنمية الاجتماعية تقدم خدمات متعددة، واصفةً إياها بأنها وزارة تقدم خدمات "من المهد إلى اللحد"، تشمل الأطفال منذ الأجنة وحتى كبار السن. وأشارت إلى أن عمل الوزارة يرتكز على ثلاث مراحل: الحماية، ثم الرعاية بالطعام والشراب والدعم النقدي والرعاية النفسية، ثم التمكين لضمان استدامة اعتماد الأسرة على نفسها.
تحدثت الوزيرة عن خدمات الحماية الاجتماعية للطفولة والمرأة والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى الإعفاءات المدرسية التي تقدم لأعداد كبيرة من الأسر لضمان استمرار تعليم أبنائها. كما أشارت إلى التأمين الصحي المدعوم، موضحةً أنه يتم تقديمه لبعض الأسر المسجلة، سواء بشكل فردي أو عائلي، وكشفت أن الوزارة قامت بمراجعة كاملة لبيانات التأمين الصحي لضمان وصول الدعم لمستحقيه.
الإعفاء الجمركي الجديد للأشخاص ذوي الإعاقة
في ختام الحوار، تحدثت الوزيرة عن الإعفاء الجمركي الجديد للأشخاص ذوي الإعاقة، موضحةً أنه تجديد وتعديل للائحة تنظيمية عمرها اثنتا عشرة سنة، تم بالشراكة مع وزارات الصحة والمالية والداخلية والنقل والمواصلات، ومع الاتحاد العام للأشخاص ذوي الإعاقة. وأكدت أن الهدف الرئيسي هو توسيع نطاق الإعاقات بشكل شمولي، ليشمل الإعاقات البصرية والسماعية الكاملة والإعاقات الذهنية الشديدة بما فيها التوحد الشديد، بعد أن كان يقتصر سابقاً على الإعاقة الحركية فقط.
وأشارت إلى أن اللائحة الجديدة تحتاج إلى حوالي ستة أشهر لتترجم إلى معاملات وإجراءات حقيقية، وأضافت أن الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة كانوا سعداء بهذا الإعفاء رغم عدم وجود سيارات عملية، لأن الفكرة كما قالت تكمن في "احترام حق الشخص وإشعاره بأنه يعيش في مجتمع يعطيه حقوقه".