أمام واجهة المحل الجذابة التي تتلألأ بالأضواء وتحيط بها زينة أنيقة من الورود، تمنحها طابعًا احتفاليًا يلفت الأنظار، وتحت أضواء النيون البيضاء التي تغمر زوايا محل "إيلجنت" في مدينة غزة، يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنّه استراحة مؤقتة من ضجيج الحرب في الخارج الذي يغمره الخراب وسط تناقضٍ لافت.
في قلب شارع خالد بن الوليد بحي الرمال، تصطف القمصان بألوان متناسقة ودقة لافتة، في محاولة لصنع نظام بصري داخل واقع يزداد فوضى يومًا بعد يوم، لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، يقول محمد أبو القمبز (30 عامًا)، صاحب محل "إيلجنت": "لم يكن هذا توقيتًا مناسبًا لافتتاح مشروع، لكنني شعرت أنه لا يوجد ما يُمسى بالتوقيت المناسب في ظلّ الحرب".
افتتح أبو القمبز محله قبل شهرين، مستندًا إلى ما تبقى لديه من رأس مال جمعه قبل الحرب، إلى جانب تحويلات مالية وصلته من خارج غزة، مكنته من اتخاذ قرار يصفه بـ "المخاطرة المحسوبة". ويضيف: "كنت أعمل قبل الحرب في تجارة محدودة، وتمكنت من الاحتفاظ بجزء من رأس المال، وهذا ما شجّعني على المحاولة".
بالنسبة له لم يكن المشروع خيارًا اقتصاديًا بقدر ما كان محاولة لتفادي التوقف الكامل، يتابع: "كان أمامي خياران؛ إما أن أبقى دون عمل، أو أحاول البدء من جديد، حتى وإن كانت الظروف غير مستقرة".
داخل المحل، يتحرك الزبائن ببطء، يتفحصون الأسعار، يسألون، وأحيانًا يشترون، لكن هذه الحركة، كما يراها أبو القمبز، لا تعكس واقع السوق كما كان في السابق. ويوضح "الحركة موجودة، لكنها مختلفة، الزبائن أقل، ومن يشتري أصبح معروفًا".
وعن طبيعة زبائنه اليوم، يقول: "غالبية مَن يشترون هم من الموظفين، أو من لديهم مصادر دخل من الخارج، أما كثيرون فلم يعد بإمكانهم الشراء".
خلال حديثه، يدخل أحد الزبائن يسأل عن السعر لكنه يتردد، ثم يغادر دون أن يشتري، مشهد يتكرر بما يكفي ليصبح جزءًا من يوميات المكان، ليعلّق أبو القمبز "هناك من يدخل بدافع المشاهدة فقط، وهذا أصبح أكثر من الشراء. بالمختصر، السوق موجود لكنه لم يعد متاحًا للجميع".

وبينما ينشغل أبو القمبز بتنسيق قمصانه تحت الضوء الأبيض، ينعكس خيال المارة على زجاج واجهته كأطياف عابرة، خلف ذلك الزجاج، وتحديدًا على الرصيف المقابل، تتجسد صورة أخرى للسوق في خطوات هيام إربيع (35 عامًا)، التي تبطئ سيرها للحظات أمام الواجهة، تنظر إلى القطع المعروضة، ثم تتابع طريقها.
تقول المواطنة إربيع: "أمرّ من هنا أمام هذه المحال بشكلٍ شبه يومي، وأتوقف أحيانًا، لكنني لا أدخل كثيرًا".
تعمل إربيع في مؤسسة أجنبية، ما يمنحها مصدر دخل ما زال قائمًا، لكنه كما تقول، لم يعد كافيًا لتوفير متطلباتها بالأسعار المطروحة من هذا السوق "الدخل موجود، لكن كل شيء تغيّر، الأسعار ارتفعت، والاحتياجات أصبحت أكبر بكثير".
وتوضح أنّ أولوياتها تبدّلت بشكلٍ كامل منذ بداية الحرب: "أصبحت أفكّر في الأساسيات أولًا، كل قرار شراء أصبح محسوبًا".
ورغم قدرتها النسبية مقارنة بغيرها، تشعر أن المسافة بينها وبين هذا النوع من الاستهلاك قد اتسعت: "أدخل أحيانًا، أنظر، أقارن، لكن في كثير من الأحيان أخرج دون أن أشتري".
وتضيف "لم يعد الأمر كما كان، لم يعد الشراء أمرًا عاديًا، حتى لو استطعت الشراء، يبقى هناك شعور بأن كل شيء مؤقت، وأن الأولويات قد تتغيّر في أي لحظة"؛ ما يشير إلى أنّ هذه القدرة النسبية لا تعني انخراطًا طبيعيًا في السوق، بل علاقة حذرة ومؤقتة معه.
لكن خلف الزجاج ذاته، حيث غادرت إربيع بخيبة مكتومة، تبدو الصورة مختلفة في حركة سها الآغا (30 عامًا)، التي تتحرك بهدوء بين الرفوف، تتفحص القطع، تقارن الأسعار، وتمنح كل قرار وقتًا أطول مما كان عليه في السابق، لتمثل شريحة لم تنقطع صلتها بالسوق تمامًا، لكنها أعادت صياغة علاقتها به.
تقول: "لم يعد الشراء كما كان. كل شيء أصبح يحتاج إلى تفكير مسبق، فلم يعد الأمر رفاهية اختيار، بقدر ما أصبح استهلاكًا مشروطًا يُحسب للمستقبل ألف حساب".
وتضيف: "ما زلت أستطيع الشراء، لكنني لم أعد أتعامل معه كأمر طبيعي. ضمن حدود أكثر ضيقًا، كل قرار أصبح محسوبًا الآن". وتشير إلى أنّ أولوياتها تغيّرت بشكل واضح فأصبحت تشتري ما تحتاجه فقط، وتؤجل الكثير من الأشياء التي كانت تعتبرها ضرورية في السابق.

في الشارع ذاته الذي تُعرض فيه الكثير من خيارات المشترين في حي الرمال وسط مدينة غزة، تعيش المواطنة أسماء شيخة (45 عامًا) واقعًا بلا خيارات تقف أحيانًا أمام المحال الجديدة، تنظر إلى الواجهات المضيئة، ثم تتابع طريقها دون أن تتوقف طويلًا.
تقول شيخة: "لم أعد أفكّر في الدخول أصلًا، فأنا أعلم مسبقًا أنني لن أشتري. متطلبات الحياة باتت تفوق قدرتنا بكثير، ولم يعد هناك مجال للاختيار. أنا اليوم أدير أسرتي دون أي دخل ثابت، ومنذ فقدان مصدر رزقنا، أصبحت حياتنا قائمة على قرارات صعبة لا تنتهي".
وتضيف "كل شيء أصبح محسوبًا، حتى الطعام نُقسّمه ونفكّر كيف يكفي. لم يعد الشراء مرتبطًا بالرغبة، بل بالقدرة على البقاء؛ لم يعد السؤال ماذا أريد، بل ماذا يمكنني الاستغناء عنه".
وترى أنّ افتتاح الكثير من المحال لا يغيّر من واقعنا شيئًا، فوجودها لا يعني أنّ السوق عاد، تعقب: "نحن خارج هذا كله، أمرّ من جانبها فقط، كأنها لا تخصّني".

هذا التباين لا يظهر فقط في تجارب الأفراد، بل ينعكس في بنية السوق نفسها. ففي مخزن بسيط تتكدس فيه البضائع على رفوف مرتفعة، يراقب التاجر أمين السوافيري (40 عامًا) حركة السوق من زاوية مختلفة، زاوية لا تقيس ما يُعرض، بل مَن يشتري ومن اختفى.
يقول: "السوق في حالة اضطراب، هو لم يتوقف بطبيعة الحال؛ لكنه لم يعد كما كان مطلقًا. أعمل في تجارة الجملة منذ سنوات، وهذا الأمر جعلني على معرفة بما يدور داخل السوق من حركة البيع والشراء".
ويوضح "في السابق، كان هناك تنوع في الزبائن: تجار صغار، محلات، وحتى أفراد اليوم، هذا التنوع تراجع بشكل واضح".
من موقعه، يلاحظ التاجر السوافيري اختفاء فئات كاملة من السوق: "عدد كبير من التجار السابقين لم يعد قادرًا على الشراء، وبعضهم خرج من السوق تمامًا، ولم يعد قادرًا على الاستمرار في عمله بسبب الخسارة الكبيرة بفعل الحرب".
في المقابل، يقول إنّ شريحة محددة برزت ما زالت قادرة على الاستمرار، تتحرك وتشتري، بل وتفتح محلات جديدة، وهؤلاء يمكن تمييزهم بسهولة، مؤكدًا أنّ هذا التغيّر لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا، بل تحوّلًا في طبيعة السوق، حيث أصبح موجّهًا لفئة محددة، وليس متاحًا للجميع كما كان سابقًا".
وعن حركة الطلب، يوضح "الطلب موجود، لكنه غير متوازن ومرتبط بفئة معينة يمكن أن ترى البضاعة، لكن ليس الجميع قادرًا على الوصول إليها".
يقدّر متابعون أن السوق بات يتحرك ضمن شريحة محدودة تُقدّر بنحو 10% من السكان ممن يملكون القدرة على الإنفاق أو الوصول إلى مصادر دخل، مقابل أغلبية واسعة فقدت قدرتها الشرائية.
ويشير مختصون إلى أنّ هذا الانقسام في السوق لا يعكس انتعاشًا، بل إعادة توزيع غير متكافئة للقدرة على الوصول، ففي قراءة أوسع لما يجري في السوق، يوضح الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن افتتاح المحال التجارية في غزة لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا، بل تكيفًا اضطراريًا مع ظروف الحرب، حيث تراجعت القطاعات الإنتاجية واتجهت رؤوس الأموال نحو الخدمات لكونها الخيار الأكثر إتاحة.
ويفيد أن القطاع الخدمي، الذي كان يشكّل نحو 54.9% من الناتج المحلي ويشغّل أكثر من 51.6% من القوى العاملة قبل الحرب، تراجع بنحو 76%، ما يعكس انكماش النشاط الحقيقي رغم استمرار بعض الحركة في السوق.
ويؤكد أبو قمر أنّ ما يحدث يندرج ضمن "اقتصاد الضرورة"، حيث يدور المال داخل دائرة محدودة دون قيمة مضافة، في ظلّ فجوة متزايدة بين فئة قادرة على الاستثمار والاستهلاك، وأغلبية فقدت قدرتها الشرائية.
تكشف هذه الشهادات أن سوق غزة لم يعد مساحة واحدة، بل واقعًا منقسمًا تتجاور فيه مستويات معيشية لا تلتقي. ففي المكان ذاته الذي تُعرض فيه البضائع، تتباين القدرة على الوصول إليها. وبين مَن يملك ثمن الشراء… ومن يكتفي بالنظر، يتشكل سوقان لا سوق واحد.