في صباح أحد أيام أكتوبر 2025، كانت سلمى (اسم مستعار) تحمل طفلتها البالغة من العمر ثلاثة أشهر بين الأنقاض التي كانت حتى وقت قريب منزلها في حي الشجاعية بمدينة غزة. كانت سلمى، 29 عامًا، قد فقدت زوجها في غارة جوية قبل أشهر، وأصبحت الآن واحدة من عشرات الآلاف من النساء اللواتي يعلن أسرهن بمفردهن في القطاع المدمر.

لم تكن سلمى تعلم أن الأرقام الرسمية الصادرة هذا الأسبوع عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) ستضعها ضمن قائمة إحصائية مروعة، والتي تشير صراحة إلى أن واحدة من كل 21 امرأة وفتاة في غزة - أي ما يقرب من 50 ألفًا - قُتلت أو أُصيبت بجروح بالغة خلال ثلاث سنوات من الحرب.

وفق ورقة الحقائق التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في 8 أكتوبر 2026، وتلقت آخر قصة نسخة عنها، فإن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن في غزة منذ أكتوبر 2023، بينما أُصيبت 11,700 أخريات بجروح بالغة تؤدي إلى إعاقات دائمة، فيما تشير الهيئة إلى أن معظم هذه الخسائر وقعت خلال العامين الأولين من الحرب.

لكن تلك الإحصاءات لم تتوقف عند وقف إطلاق النار، فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، سُجلت  277 امرأة وفتاة بين القتلى والمصابين،  وهو رقم يكشف، بحسب الهيئة، أن "النساء والفتيات لا يزلن يتعرضن للاستهداف" حتى في ظل الهدنة الهشة.

وتستند نسبة "واحدة من كل 21" إلى منهجية دقيقة، جمع عدد القتيلات (38,000) والمصابات (11,700) ليصبح الإجمالي 49,700، ثم قسمته على تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعدد الإناث في غزة في نهاية 2025 (نحو 1.06 مليون أنثى). فكانت النتيجة % 4.69   من إجمالي النساء والفتيات في القطاع. 

لم تكن سلمى وحدها من فقدت منزلها، فمنذ بداية الحرب، أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 150 أمر إخلاء في أنحاء غزة، مما أدى إلى نزوح ما يقرب من مليون امرأة وفتاة، أي ما يعادل جميع النساء والفتيات في القطاع تقريبًا.

تقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن غالبية النساء والفتيات في غزة يعشن الآن في خيام أو بين الأنقاض، بدون أي خصوصية، وفي ظروف "لا تتوافق مع مقومات البقاء والعيش بكرامة". ومع ذلك، تتولى هؤلاء النساء -بحسب التقرير -مسؤوليات رعاية الأطفال والمرضى والمصابين وكبار السن، بالإضافة إلى الطهي والتنظيف، "دون توفر الوسائل الأساسية للاضطلاع بهذه المسؤوليات".

تحت وطأة القصف والنزوح، تجد النساء في غزة أنفسهن مضطرات للولادة في ظروف غير آمنة وغير صحية، مما يعرض حياتهن للخطر. والأسوأ من ذلك، وفق الأرقام الرسمية، أن حالات الإجهاض بلغت نحو 4,000 حالة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، أي ثلاثة أضعاف العدد المسجل في النصف الثاني من عام 2025.

لم تقتصر الكارثة على القتل والإصابة والنزوح فحسب، فقد تغيرت بنية الأسرة في غزة بشكل جذري، فقبل أكتوبر 2023، كانت واحدة من كل تسع أسر فقط تعيلها امرأة، أما اليوم، فقد أصبحت واحدة من كل أربع أسر - ما يقدر بـ 86,290 أسرة - تعيلها امرأة.

وتقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن "تضاعف عدد الأرامل والنساء اللواتي أصبحن معيلات لأسرهن" يعني أن كثيرات يتحملن بمفردهن مسؤولية إعالة أسرهن وحمايتها والحفاظ على تماسكها، في ظل ظروف "تزداد تدميرًا وقسوة"، وتضيف: "يتجاوز الأثر الحزن الناجم عن فقدان الزوج أو الأب أو أحد الأحباء".

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، لا تزال النساء والفتيات في غزة يواجهن قيودًا شديدة في الحصول على الغذاء والمأوى والمياه الآمنة ومستلزمات النظافة، إلى جانب "استمرار الأعمال العدائية وانعدام الأمن".

وتشير تقديرات الهيئة إلى أن 702 ألف امرأة وفتاة - أي ما يقرب من نصف إجمالي السكان الإناث - قد يواجهن مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2026. وتستند هذه التقديرات إلى الموجز الخاص لقطاع غزة الصادر عن التصنيف المرحلي المتكامل في 13 أغسطس 2026، والذي قدر عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد بـ 1,412,421 شخصًا، ثم طبقت الهيئة حصة الإناث من إجمالي السكان (49.7% حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني).

لم يقتصر الدمار على البشر، فالقصف المكثف والواسع النطاق دمر المنازل والشركات والمستشفيات والمدارس والمتاجر، مما جعل من "الصعب للغاية" على النساء والفتيات الوصول إلى الخدمات والسلع الأساسية. وتقول الهيئة إن هذا الدمار يجعل الحياة اليومية للنساء والفتيات "معركة مستمرة" للحصول على أبسط مقومات البقاء.

في الأثناء أظهرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة نتائج في مسح أجرته على 14 منظمة نسائية تعمل في الخطوط الأمامية للاستجابة الإنسانية في غزة والضفة الغربية المحتلة، صورة قاتمة، حيث أشارت إلى أن معظم المؤسسات أفادت بأن مستوى الاحتياجات بين النساء والفتيات ازداد منذ عام 2025. فيما أن جميع المنظمات  أبلغت عن ارتفاع العنف القائم على النوع الاجتماعي، والفقر، والاضطرابات النفسية. فيما أن 13 منظمة أفادت بارتفاع معدلات زواج الأطفال.

 ويظهر المسح أن قرابة ثلثي المنظمات (نحو 9 من 14) اضطرت إلى وضع النساء والفتيات على قوائم انتظار أو رفض تقديم الخدمات لهن.وتقول إحدى العاملات في منظمة نسائية في غزة، رفضت الكشف عن اسمها خوفًا على سلامتها: "نتلقى اتصالات من نساء يطلبن المساعدة، لكننا لا نستطيع فعل شيء، لا تمويل، لا موارد، لا قدرة. نشعر بالعجز".

بعد ثلاث سنوات من الحرب، تبدو صورة غزة بالنسبة للنساء والفتيات أكثر قتامة من أي وقت مضى. فبين القتل والإصابة والنزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي وتفكك الأسرة، تجد أكثر من مليون امرأة وفتاة في القطاع أنفسهن محاصرات بين ماضٍ دُمر ومستقبل غامض.

تقول سلمى، التي فقدت زوجها ومنزلها وأصبحت تعيل ثلاثة أطفال: "لا أريد شيئًا سوى أن أعيش. أن يعيش أطفالي. أن نتوقف عن الخوف. لكن كل يوم يمر، يزداد الأمر سوءًا". وبينما يواصل المجتمع الدولي إصدار البيانات والتحذيرات، تبقى النساء والفتيات في غزة ينتظرن السلام الذي طال انتظاره .