لا تكف السيدة آمال عبد الهادي (66 عاماً) عن شرب الشاي بالنعناع، رغم أن الطقس خريفي. ومن المعروف أن مزج الشاي بالنعناع عادة يومية لدى سكان غزة صيفاً.
ما يلبث النهار أن يبزغ، حتى تخرج السيدة كرسيها البلاستيكي من داخل الخيمة، وتضعه في الزقاق المؤدي إليها، تفرك عينيها وهي تنادي على كنتها لإعداد إبريق الشاي على الحطب، وتحذرها بألا تنسى حشو رغيف خبز بعرض كفة يدها بالزعتر، ووضع النعناع على الشاي.
ولعل وجبة كهذه تُعد أقل كلفة إفطار في ظل تقليص المساعدات عن غزة، وتضخم نسبتي الفقر والبطالة على نحو يتجاوز 80%، مما يعيق الكثير من الأسر عن إعداد سفرة طعام ممتدة الأطباق والأصناف.
آمال النازحة من بلدة بيت حانون أقصى شمال قطاع غزة، والمقيمة داخل خيمة في حوض ميناء الصيادين وسط المدينة، منذ فقدت بيتها المكون من ثلاثة أدوار، تقول إنها تشعر بالغربة. وإن أكثر ما يؤرقها كيف أنها تضطر الآن للشرب في كاسات من البلاستيك والكرتون، فيما أنها خلفت في بلدتها ذات الأصول الزراعية نيشاً متعدد الأطباق والفناجين الصينية.
و"النيش"، أو كما يحلو لسكان غزة تسميته بـ"البوفيه"، هو قطعة أثاث كلاسيكية وعملية تُستخدم بشكل أساسي في غرف الطعام أو الصالات لتخزين وتنظيم أواني الطعام مثل الأطباق والفناجين والملاعق.
آمال التي تزوجت قبل خمسة عقود، قالت إن زوجها المتوفى قد اقتنى لها نيشاً بمبلغ باهظ إبان عمله داخل إسرائيل، ولم تكن تكل ولا تمل من مسح الغبار عن رفوفه بشكل يومي. تتنهد، ثم تقول: "لقد تركت البيت بمقتنياته وهربنا تحت وقع القصف".
تضيف آمال وهي جدة لنحو ثلاثين حفيداً من الأبناء والبنات: "كان عندي طقم فناجين صيني، أزرق وأبيض، عليه رسومات لطيور صغيرة"، تقول وهي تفرك يديها كمن يبحث عن شيء ضائع. "كانت أمي أهدته لي في عرسي، اشترته من بائع أدوات منزلية مشهور، وكانت الفناجين تُصف على الرف العلوي، وأنا أفتح النيش كل صباح فقط لأتأملها".
لم تكن تلك الفناجين مجرد أوانٍ للشاي والقهوة. كانت، كما تقول آمال: "شهادة على أننا كنا ناساً لنا بيت وذوق وترتيب". في مجتمع يقدس التفاصيل الصغيرة، كانت الفناجين الصينية تُهدى في الأعراس والمناسبات، وتُعرض في "النيش" أو "البوفيه" كدليل على ذوق ربة المنزل ومكانة العائلة.

داخل مدينة غزة أيضاً، التي تضم مئات الآلاف من النازحين الآن، تشير دلال بشير (40 عاماً) إلى أن أمها فقدت بيتها في حي الشجاعية شرق غزة خلال الحرب الأخيرة. أربعة طوابق، وحديقة صغيرة، وشجرة ليمون كانت تسقيها كل صباح. لكنها لا تتحدث عن البيت كثيراً. تقول إنها "نسيت" فقدانه، ربما لأن الحديث عنه يفتح جرحاً لا يندمل، لكنها لا تنسى الفناجين الصينية، ولا الأطباق المزخرفة.
"البيت صار صورة في ذاكرة أمي، لكن الفناجين، لا أعرف لماذا تذكرها كل يوم"، تروي عن أمها ذات السبعين عاماً، إنها كانت تحفظ عن ظهر قلب من قدم إليها أطقم الصيني من فناجين وأطباق وقطع أخرى تحولت بفعل الزمن إلى ما هو أشبه بالقطع الأثرية.
تضيف دلال وهي عاملة في سلك التعليم: "أذكر أن أمي كانت ترفض أن نستخدم أي من تلك القطع الصينية. وأحد الأطقم لم يكن مجرد طقم فناجين بالنسبة لي، وإنما كان جزءاً مني، من ذاكرتي، من أيامي الجميلة حين كنت في زمن مضى، أقدم فيه القهوة للضيوف".
ورغم ما تحمله دلال في ذاكرتها المكتنزة بمشاهد الحرب، إلا أنها لم تنس كيف كانت تشاهد أمها وهي تشرب القهوة مع جاراتها عصراً، في الفناجين الصينية، قبل أن يعود أزواجهن من العمل.
توضح السيدة أن خسائر أمها لا تقتصر على الفناجين الصينية، ففي زاوية أخرى من الخيمة التي صارت بيتاً بعد فقدان المسكن، تحتفظ بحقيبة صغيرة فيها بعض الصور القديمة التي تمكن الأبناء من إنقاذها من تحت الأنقاض، "فيما خسرت أمي حلياً ورثتها عن أمها، وملابس كانت تخيطها لنا ونحن صغار".
تذكر دلال: "في لحظة النزوح، في الغالب لا تستطيع التفكير في كل التفاصيل، وإنما تحمل ما تستطيع حمله، ففي الغالب تحمل بعض الملابس، وبعض الأوراق الثبوتية، لكن الأشياء التي لها قيمة عاطفية... تركتها على أمل أن تعود لها يوماً"، تقول وهي تخفي دمعة احتبست في عينها.
"كل شيء له ذكرى، حتى الحديقة التي كنا نجلس فيها في الصيف، وشجرة الليمون، كلها ذهبت، لكن الفناجين... لا أعرف لماذا لا أستطيع نسيانها مثل أمي".
تفسر أمينة عبد الحميد (66 عاماً)، التي لم يسبق لها الزواج وتعمل حائكة منذ أربعة عقود، سر الارتباط بتلك القطع الصينية، قائلة: "الفناجين الصينية لم تكن مجرد أدوات منزلية كما يظن البعض، فالغالب هي رمز للذكرى يربطك بأشخاص وأماكن وتفاصيل مضى عليها عمر طويل". وأضافت: "في الأعراس، كانوا يتهادون أطقم فناجين الصيني، وكانت النساء يتفاخرن بأطقمهن، وكلما تماسكت تلك الأشياء لوقت أطول، كلما نسب الفضل إلى من اختارها هدية، فيقال إنها لم تكسر لأنها هدية فلانة، لقد انتقتها بعناية فائقة، وهذا دليل محبة".
في غزة، حيث يعيش الناس تحت الحصار منذ سنوات، كانت هذه التفاصيل الصغيرة تمثل متنفساً، فـ"النيش" في غرفة الجلوس لم يكن مجرد قطعة أثاث، بل كان واجهة العائلة، التي تُعرض فيها الفناجين والأطباق والملاعق، وتُستخدم في المناسبات فقط وليس للاستخدام اليومي.
يقول الأخصائي النفسي محمد مهنا، إن ارتباط الناس بالأشياء ليس مجرد حنين مادي، بل هو جزء من الهوية. "الأشياء التي نحتفظ بها تحمل ذكرياتنا وهويتنا، وعندما نفقدها، نفقد جزءاً من أنفسنا، وهذا ينطبق بشكل خاص على النساء في غزة، اللواتي فقدن بيوتهن ومقتنياتهن خلال الحروب المتكررة".
ويضيف مهنا في سياق حديثه لـ"آخر قصة": "النزوح لا يعني فقط فقدان المكان، بل فقدان الذاكرة المادية، فالأشياء مثل الفناجين والصور والحلي هي شواهد على حياة كاملة، عندما تُفقد، يشعر الناس بأنهم فقدوا جزءاً من تاريخهم".