ترتجف روان محمد (*) وهي تمسك مولودها لترضعه، وفجأة تضعه جانبًا وتدير وجهها عنه؛ ترفض حمله وإرضاعه، ولا تقوى على النظر في عينيه. يزعجها عدم تقبّلها له، غير أن مشاعرها أكبر من قدرتها على السيطرة، فتبكي ويلازمها الشعور بالذنب، ويبدو على ملامحها الخوف والعجز.
كل يوم تطرح على نفسها الأسئلة التي تجلد بها ذاتها: "كيف أنجبت في ظروف الحرب؟ كيف أتيت بطفل إلى العالم ووضعته يواجه الخيمة؟" حين ولدته كانت تعيش في بيت، لكن البيت قُصف، وصارت الخيمة مصيرًا للرضيع ولها، وبين شغفها وانتظارها أن تكون أمًّا وجدت نفسها في مواجهة ثقيلة مع اكتئاب ما بعد الولادة.
منذ سبعة أشهر صارت روان أمًّا للمرة الأولى، وكانت قد تخيّلت أشهر حملها وولادتها بتجربة مختلفة. إذ عاشت حملها في ظروف مجاعة لم تتح لها أن تختار الطعام المُغذي لأجل جنينها كما تفعل الحوامل، ولم تجهّز ملابسه كما ينبغي، وظلت في نوبة قلق لا تنتهي تحاصرها الأسئلة: "أين سألد؟ هل سأستطيع الولادة بشكل طبيعي في المشفى؟ هل أنا وطفلي سنكون في أمان؟".
تقول وهي تنظر للفراغ أمامها: "حينما جاء موعد ولادتي كان الألم شديدًا، كنت خائفة من الولادة وألمها ولكن خوف القصف في أي وقت كان أشد، وحينما أنجبت طفلي شعرت بخوف مضاعف: كيف سأحميه؟"
كانت روان تظن أن الخوف والقلق سينتهيان بمجرد ولادتها، فوجدتهما يزدادان حتى أضحت لا تتقبل الصغير ولا ترغب فيه. أصابها الأرق خلال الحمل ثم بعده، وأثقلها التفكير الشديد في اليوم والغد، ومع ذلك جاهدت لأن تهتم بكل تفاصيله رغم عدم تقبلها له.
تضيف: "حينما رأتني عائلتي أرفض إرضاع الطفل وحمله، عرفوا أنني أعاني بصمت، فجلبوا لي طبيبة نفسية، لتتعامل معي، تحدثت معها عن مخاوفي فأخبرتني أن هذا يسمى اكتئاب ما بعد الولادة، بعدها صرت أشعر أنني في أيام جيدة، وأيام أخرى أكون حزينة جدًا ولا طاقة لي على فعل شيء، لكنني عرفت أنني لست أم سيئة أنا فقط متعبة نفسيًا ولست ضعيفة، كل ما أوده الأمان".
صمت الأمهات
وتتقاطع قصة روان مع قصص أمهات أخريات تحدثنا إليهن في سياق إعداد هذا التقرير، فما تعيشه يتجاوز تجربة امرأة واحدة. رافقتها في هذه المعاناة نساء كثيرات في غزة وبينما يواجهن المرض بصمت، لا توجد إحصائية دقيقة لأعدادهن في الفترة الأخيرة. وهنا، حين نحكي عن هذا الاكتئاب كحالة مرضية معروفة تحدث في الظروف الطبيعية نتيجة التغيرات النفسية والهرمونية للأم، يبرز السؤال: ماذا يحدث حين يندمج هذا الطبيعي باللاطبيعي في غزة، من حرب ونزوح وموت؟ وماذا يعني أن تختبر المرأة المخاض وسط دوي الغارات؟
هنا تتخذ معاناة النساء شكلًا مركّبًا: أهوال الحرب تتداخل مع التغيرات الجسدية والنفسية لما بعد الولادة، فتجدالمرأة نفسها مجردة من كل شيء، في بيئةٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الرِّعاية والدعم، مع طفل تشعر حين تنظر إليه بالخوف.

وتكشف بيانات أممية عن ثقل بيئة الولادة نفسها؛ فقد سجلت وزارة الصحة في غزة 17 ألف ولادة في النصف الأول من عام 2025 مقابل 29 ألفًا في الفترة ذاتها من 2022، وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، وكان 33% من المواليد (5,560 مولودًا) خُدّجًا أو بأوزان منخفضة أو احتاجوا إلى عناية مركزة. وفي عام 2026 يولد في غزة نحو 180 طفلًا يوميًا، وتجري قرابة نصف الولادات بعمليات قيصرية كثير منها طارئ، بحسب الصندوق (سبتمبر 2026)، فيما بلغ عدد حالات الإجهاض نحو 4,000 حالة في النصف الأول من 2026، أي ثلاثة أمثال ما سُجل في النصف الثاني من 2025، وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة (أكتوبر 2026). وبذلك تعني هذه الأرقام آلاف الأمهات، في ستة أشهر فقط، اللواتي يضفن إلى قلقهن على أنفسهن قلقًا على مولود هش.
وتتشابه حالة أمل أحمد (*) مع سابقتها. فهي تعيش في خيمة وتعمل على فرن صغير لتخبز عليه لقاطني المخيم، وبعد أقلمن شهر على ولادتها عادت للعمل وهي تحمل في قلبها مشاعر حزن غريبة لم تشعر بها من قبل، على الرغم من أنها ولادتها الرابعة. وحين اشتكت لجارتها المعلمة، أخبرتها الجارة أن ما تعانيه ربما يكون اكتئاب ما بعد الولادة.
ترددت أمل في الحديث عن معاناتها، وتركت للمعلمة أن تروي جزءًا من الحكاية، ثم قالت: "صراحة لا أحب التحدث عن مشاعري أمام أحد وما أمر به، خصوصًا في أمرٍ كهذا فنظرات الشفقة ستلاحقني، شجعتني جارتي المعلمة بعد قرابة شهرين من ولادتي على الذهاب لطبيب نفسي لكني رفضت، فأخبرتني إن توجهتِ لمختصة نفسية ستساعدك، وبالفعل تحدثت معها عما يجري معي وأنني لا أطيق طفلتي وأعاني من بكاءٍ دائم وأرق شديد. وحينما عبرت لها شعرت براحة، تحسنت بدرجة بسيطة لكن لا زالت مشاعر عدم تقبلي للطفلة حاضرة وأرفض التدخل الدوائي".
وتضيف الوصمة همًّا آخر إلى هموم أمل؛ فنظرات الشفقة التي تخشاها جعلت الصمت أيسر عليها من الشكوى. وأنجبت بيسان علي (*) طفلتها الأولى في 7 أكتوبر 2023. كانت قد جهزت غرفة صغيرتها بعناية واشترت لها أجمل الملابس، لكن النزوح حال دون أن تنام الطفلة على سريرها وأن ترتدي ملابسها، وعانت والدتها من حزن لا يتوقف.
تقول مستذكرة تلك الفترة العصيبة: "كنت أشعر بتوتر دائم، وأحيانًا بخفقان وتسارع في ضربات القلب، ولم أكن أستطيع النوم بشكل طبيعي، حتى عندما أحاول أن أغمض عيني، كنت أفكر: ماذا لو حدث قصف؟ ماذا لو حدث شيء لطفلتي؟ في مرات عديدة لم أستطع التقاط أنفاسي من خوفي، وأبكي دون سبب، ومن واقع معرفتي فهمت أن ما أعانيه هو اكتئاب ما بعد الولادة".
وتكمل بيسان، التي وضعت طفلها الثاني قبل أيام وتأمل ألا تصيبها المشاعر ذاتها التي رافقت ولادتها الأولى: "خلال أيام النزوح فكرت فعلًا أنني بحاجة إلى شخص يساعدني نفسيًا، لأنني كنت أشعر أن ما مررت به أكبر من أن أتعامل معه وحدي، لكن في تلك الظروف كان التركيز كله على النجاة وتوفير الأساسيات، ولم يكن الوصول إلى مختص نفسي أمرًا سهلًا، لكني نجوت بأقل الأضرار بعد حالة مزرية".
وبلغة الأرقام، تُظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، المستندة إلى مسح شمل 305 نساء ونُشر في تنبيهها الجندري (سبتمبر 2024)، أن 75% من النساء يعانين الاكتئاب بصورة منتظمة، و62% لا يستطعن النوم، وتضيف الهيئة في مقال أبريل 2025 أن 65% يعانين الكوابيس والقلق. وتخص هذه النسب النساء عمومًا دون تحديد الأمهات حديثات الولادة.
وفي عام 2026 تفيد الهيئة بأن نحو مليون امرأة وفتاة نزحن، أي تقريبًا كل امرأة وفتاة في غزة، وأن أغلبهن يعشن في خيام أو بين الأنقاض بلا خصوصية، وأن 702 ألف امرأة وفتاة يُتوقع أن يواجهن مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين يوليو وديسمبر 2026، وأن 13 من أصل 14 منظمة نسوية شملها استطلاعها رصدت ازديادًا في الضائقة النفسية منذ 2025، وفق بيانها في أكتوبر 2026. ومع محدودية الوصول إلى الرعاية، تضطر معظم النساء إلى مواجهة ذلك بأنفسهن دون مساندة.

ولم تختلف تجربة صفاء، الأم لأربعة أطفال، عن سابقتيها؛ فقد عانت الأرق والخوف وانعدام الشهية، وتقول: "كانت ولادتي مختلفة تمامًا عن كل ما كنت أتخيله، كنت نازحة في جنوب القطاع في فترة كانت الأوضاع فيها شديدة الخطورة، والاتصالات مقطوعة تقريبًا، عندما بدأت علامات الولادة، لم أستطع حتى أن أخبر أهلي أنني ذاهبة إلى المستشفى في منتصف الليل وفي فصل الشتاء في شهر يناير 2024 حيث كانت ليلتها باردة جدا وماطرة بشكل كبير".
أنهكت هذه الظروف مجتمعة صفاء فأصيبت بحمى شديدة وإرهاق لا يزول وكأنها تنجب لأول مرة. ولم تعرف معنى الاكتئاب في ولاداتها السابقة بينما واجهته بوضوح في طفلها الأخير؛ فقد كانت تعي أن حزنها وأرقها غير طبيعيين وأنها بحاجة لمراجعة طبيب نفسي، غير أن الدعم النفسي في تلكالفترة كان من الرفاهيات.
وتضيف: "فكرت أنني بحاجة إلى دعم نفسي، لأن ما مررت به لم يكن مجرد ولادة صعبة، كان خوفًا مستمرًا ومرضًا وقلقًا على طفلي وغيابًا عن أهلي في أكثر لحظة كنت أحتاجهم فيها، لكن في تلك الظروف لم يكن الوصول إلى مختص نفسي سهلًا، لكن وبالصدفة وأنا في إحدى العيادات لأعالج ابنيمن سوء التغذية، سمعت أنه يوجد مختصات نفسيات في المكان فلجأت لهن، فشعرت بالطمأنينة لمجرد أنني حكيت". وبذلك ارتبط وصول صفاء إلى مختصة نفسيةبالصدفة؛ فقد سمعت بوجودهن وهي في عيادة جاءت إليها لعلاج ابنها من سوء التغذية.
التفسير الطبي
ومن الناحية الطبية، يقول الطبيب النفسي عايش سمور: "إن اكتئاب ما بعد الولادة هو عبارة عن دخول السيدة التي ولدت حديثًا في اكتئاب نفسي، بما معناه انخفاض جميع القدرات عند الإنسان عن المستوى الطبيعي، وانخفاض في المزاج عن المستوى العادي الطبيعي في التفاعل والانفعال النفسي والمزاجي".
ويضيف سمور: "يستمر الاكتئاب عادة نحو ثلاثة أشهر، وقد يمتد إلى سنتين دون علاج، أما مع العلاج السريري فقد تتعافى الأم خلال ثلاثة أسابيع، وقد تصل فترة العلاج إلى أربعة أشهر ونصف، وتتطور بعض الحالات الشديدة إلى اضطراب عقلي تشعر فيه الأم برغبة في خنق طفلها وتحمله مسؤولية مرضها، فيستدعي ذلك علاجًا عاجلًا بدواء مضاد، ومرافقًا دائمًا لها، وقد يُبعد الطفل عنها أحيانًا، ويستغرق علاج هذه الحالة نحو أسبوع". والحالةالأخيرة التي يصفها سمور تُعرف طبيًا بذهان ما بعد الولادة، وهي نادرة تُقدَّر بنحو واحدة إلى اثنتين من كل ألف ولادة، وتُعد طارئًا نفسيًا مستقلًا عن اكتئاب ما بعد الولادة الأكثر شيوعًا، وفق دراسة منشورة في MDPI.
وأوضح سمور أن أعراض اكتئاب ما بعد الولادة هي الشعور بالقلق بشكل كبير، بالإضافة إلى الشعور بالوهن والتعب والدوخة والغثيان، عدم الشعور بالراحة أو السعادة، وعدم القدرة على الاهتمام بالطفل، ولا حتى على إرضاعه، وقد يكون الشعور بالحب تجاه المولود أقل منه تجاه إخوته. ويلاحظ وفقًا لتجربته أن اكتئاب ما بعد الولادة لا يأتي مع الطفل الأول إلا نادرًا، فعلى الأغلب يأتي مع الولادات المتعددة. غير أن هذه الملاحظة تخالف قصتي روان وبيسان؛ فكلتاهما عاشت الاكتئاب بعد ولادة طفلها الأول.
ويشير إلى أن الاكتئاب لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يبدأ بقلة التركيز وعدم الارتياح وقلة الأكل والاهتمام بالطفل، وقدتزول هذه الأعراض خلال أسبوع أو أسبوعين، فإن استمرت واشتدت دخلت الأم في اكتئاب ما بعد الولادة، موضحًا أن المدرسة الأمريكية ترى أن الإصابة قد تقع خلال السنة الأولى من الرضاعة، بينما ترى مدارس أخرى أنها تقع في الأشهر الثلاثة الأولى. ويعتمد الدليل التشخيصي الأمريكي (DSM-5) توصيفًا لبدء الأعراض أثناء الحمل أو خلال الأسابيع الأربعة التي تلي الولادة، مع بقاء خطر الإصابة قائمًا لأشهر لاحقة.
أما أسباب الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، بحسب سمور، فإن بعض النظريات تعيدها إلى ردة فعل نتيجة انخفاض الهرمونات الأنثوية المرتفعة في فترة الحمل، وهو انخفاض حاد؛ إذ تشير مراجعة كوكرين إلى أن الإستراديول ينخفض نحو عشرة أضعاف بعد خروج المشيمة، وتعود الهرمونات إلىمستوياتها قبل الحمل تقريبًا خلال ساعات. والعامل البيولوجي الثاني وراثي.
ويؤكد سمور أن من واقع عمله واختلاطه مع الحالات لاحظ ارتفاعًا كبيرًا في نسب إصابة الأمهات باكتئاب ما بعد الولادة خلال الحرب، وهي ملاحظة سريرية في ظل غياب إحصائية دقيقة. إذ ظنت بعضهن أن الإنجاب سيغيّر شيئًا في نفسياتهن، فحدث العكس. وشدد سمور على أهمية الدواء وجلسات الدعم النفسي ودور المقربين من الأم، موضحًا أن الأم قد تتعافى من تلقاء نفسها خلال ثلاثة أو أربعة أشهر، لكن العلاج يختصر هذه المدة ويسرّع الشفاء.
وتنتقل الصورة من العيادة إلى البيت والمجتمع عند المختصة الاجتماعية نورا أبو عيطة، التي تقول إن من أبرز العوامل التي تفاقم اكتئاب ما بعد الولادة ضعف الدعم الأسري، كثرة المسؤوليات الملقاة على المرأة، الضغوط الاقتصادية، الخلافات الزوجية، العزلة الاجتماعية، وعدم حصول الأم على وقت كاف للراحة، فضلًا عن التوقعات الاجتماعية المرتفعة من الأم بأن تكون دائمًا قوية وقادرة على رعاية الجميع، وهي توقعات قد تزيد من الضغط النفسي عليها.
وشددت على أن الدعم الأسري والزوجي عامل أساسي في حماية المرأة نفسيًا، إذ يجب الاستماع إليها دون حكم أو لوم، ومساعدتها على التعبير عن مشاعرها واحتياجاتها، مشيرة إلى وجوب تثقيف الأزواج والأسر حول كيفية دعم الأم، وتوفير مجموعات دعم للنساء، ومنح الأم مساحة للراحة والتعبير عن احتياجاتها، إذ كل هذا يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في تعافيها.
فجوة الخدمات
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية تتضح الفجوة بين حجم الحاجة وما يتوفر من خدمات. فقد ارتفع عدد المحتاجين إلى رعاية نفسية في غزة من نحو 485 ألف شخص إلى أكثر من مليون بعد عامين من القتال، بحسب منظمة الصحة العالمية كما أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وفي المقابل دُمّرت المراكز الحكومية الستة للصحة النفسية المجتمعية التي كانت تخدم نحو 100 ألف مستفيد سنويًا، ولم يبق في القطاع سوى ثلاثة أطباء نفسيين حاصلين على شهادة البورد ويمارسون عملهم، يُتوقع انضمام اثنين آخرين إليهم خلال 2026. وقد دربت المنظمة أكثر من ألف عامل صحي منذ أكتوبر 2023 لتعزيز الدعم النفسي، لكنها أقرت بأن الخدمات ما زالت محدودة.
وتنعكس الفجوة على النساء مباشرة؛ إذ أفادت 13 من أصل 14 منظمة نسوية شملها استطلاع هيئة الأمم المتحدة للمرأة (أكتوبر 2026) بأنها لا تملك القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة، واضطر نحو ثلثيها إلى وضع النساء والفتيات على قوائم انتظار أو الاعتذار عن استقبالهن. وبذلك تتحول هذه الأرقام إلى ما روته الأمهات في هذا التقرير: صفاء التي وصلت إلى مختصة نفسية بالصدفة، وبيسان التي لم يكن الوصول إلى مختص نفسي سهلًا عليها خلال النزوح، وأمل التي لم تتلقَّ الدعم إلا بعد أن اقترحته جارتها المعلمة.
وفي غزة يبلغ اكتئاب ما بعد الولادة درجة أشد قسوة وتعقيدًا من صورته المعتادة، إذ تتداخل أعراضه مع هواجس الحرب والنزوح والخوف من الموت. وفي الوقت الذي تكون فيه الأم في أمس الحاجة إلى الدعم والاحتواء، تجد نفسها عالقة في خيمة لا تهيئ لها أبسط مقومات الحياة، وتحاول التعافي بينما لا تزال الأسباب التي تثقلها حاضرة. لكن السؤال الأهم: كيف يُطلب من امرأة أن تتجاوز اكتئابها، وأن تستمد قوتها من كلمات الدعم، فيما لا يزال الخطر يحيط بها وبطفلها من كل جانب؟ هكذا تخوض الأمهات في غزة حربًا صامتة داخل عقولهن وقلوبهن، بالتوازي مع حرب تدور في العلن، ويبقى سؤالهن: "هل سيبقى الحزن متجذرًا بنا هكذا؟".
(*) أسماء مستعارة.