تجلس نداء تايه على ركبتيها فوق سطح المنزل، تنحني وهي تفرغ الحبوب في صحن بلاستيكي تتزاحم حوله الدجاجات. تتداخل النقنقات، وتتسابق المناقير الصغيرة على الحب، فتقف نداء تتأمل الحركة قليلًا، ثم تمد يدها إلى إحداها وتربت على ظهرها برفق. يقفز الأرنب بخفة قرب بوابة السطح، فتلحق به وتمسك به وتعانقه وتحدثه كما تحدث طفلًا صغيرًا، ثم تضعه في قفصه الصغير. وبعدها تنحني وتفتح كفها أمام الكتكوت الأشقر، فيستقر في راحة يدها.
لا تشبه هذه المزرعة الصغيرة ما أطلقته نداء في العام 2016 باسم "مزرعة الكرم"، في منطقة "جيزان النجار" بخان يونس جنوب القطاع، على مساحة تقارب 150 مترًا مربعًا. بدأ المشروع بسيطًا، ثم توسع مع السنوات حتى ضم الدجاج اللاحم والبلدي والإسرائيلي، والأرانب والبط والحمام والزغاليل، إلى جانب إنتاج البيض البلدي وتفريخه. وفي إحدى مراحل تطوره وصل عدد العاملين فيه إلى ثلاثة أشخاص غيرها.
مزرعة الكرم
درست تايه (35 عامًا) تخصص التعليم الأساسي في جامعة الأقصى، وحصلت على شهادة مزاولة مهنة التعليم، غير أن هواية تربية الحيوانات كبرت معها منذ الطفولة، ورثتها عن والدتها التي كانت تحب تربيتها على سطح المنزل. ومع الوقت صارت الابنة تفكر: "لمَ لا أحول الهواية إلى مشروع يجلب لي مصدر رزق أنا وعائلتي؟"، فانطلقت في مشروع "الكرم". هكذا صارت هواية السطح مهنة.
تقول وهي تحتضن الأرنب الصغير: "كي لا أستسلم حولت مزرعتي التي كانت مكتملة الأركان إلى مزرعة على سطح المنزل، المهم ألا أفقد عملي. قبل الحرب كان المكان واسعًا ويضم الزرع والأشجار ومساحات مناسبة لتربية الحيوانات والطيور، وكان لدي قسم خاص بالحمام لإنتاج الزغاليل، وقسم خاص بالأرانب، وقسم لإنتاج وتفريخ البيض."
لكن اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023 هدم كل شيء، وصارت المزرعة خلف الخط الأصفر الذي يسيطر عليه الاحتلال. أنقذت نداء بعضًا من الحيوانات والمعدات: بعض الدجاج والبيض البلدي والأقفاص، وفقدت الحمام والبط والأرانب وكل ما تبقى. وهكذا لم يبقَ من المزرعة الواسعة سوى ما حملته الأقفاص.
وما جرى لمزرعة تايه تكرر في أنحاء القطاع. فبحسب تقديرات وزارة الزراعة في غزة، دُمر أكثر من 99% من مزارع الدجاج اللاحم، ودُمرت مصانع الأعلاف بالكامل، وخرج معظم فقاسات البيض عن الخدمة. وأحصى تقرير لوزارة الزراعة الفلسطينية تدمير أكثر من 2300 مزرعة دواجن وتجاوز الأضرار في الإنتاج الحيواني 85%. وتبقى من الأراضي الصالحة للزراعة 3% فقط سليمة ومتاحة للمزارعين، بحسب تقييم لمنظمة الأغذية والزراعة ومركز يونوسات استند إلى بيانات أواخر يونيو 2026. وفي هذا الواقع صارت الأسطح مساحات بديلة لتربية الدواجن.
تضيف وهي تمسك حبات البيض البلدي: "خلال فترة النزوح لم تكن لدي أرانب أو حمام أو بط، وكنت أعتمد بشكل أساسي على ما تمكنت من الاحتفاظ به من الدجاج والبيض البلدي، اعتمدت على بيع البيض البلدي وتفقيس جزء منه، وكان ذلك مصدر دخل بسيطًا ساعدني على الاستمرار."
قررت تايه إعادة تشغيل المشروع بالكامل فوق سطح المنزل لتطلق "الكرم" من جديد. كانت الإمكانات محدودة وتعتمد على الأقفاص الصغيرة، لكنها انطلقت. ومع ذلك طالت شظايا الصواريخ الإسرائيلية مزرعتها من قصف المنازل المجاورة إبان الحرب الحالية على قطاع غزة.

كانت الأيام مثقلة بهواجس قصف محتمل تطاردها يوميًا، وهي التي جربت معنى أن تنتشل دجاجاتها من منتصف النار. تقول وكأنها تشتم رائحة البارود ثانية: "في مرة وصل اتصال لأحد جيراننا أُبلغ فيه بوجود أمر بقصف مربع سكني كامل مقابلنا، وأُعطينا خمس دقائق فقط للإخلاء، لبسنا بسرعة وخرجنا نجري أنا وأهلي وجيراننا، وبعد دقائق تعرض المربع للقصف. بعد أن هدأ الوضع قليلًا، عدت أنا وأخي باتجاه المكان وسط الغبار والركام والشظايا لأطمئن على الدجاج."
وتتابع: "كان لدي قفص جانبي فيه دجاجة حاضنة لكتاكيت جديدة، وقد سقط بلوك كبير وجزء من بيت الدرج والركام على طرف القفص، ووصلت إليه الشظايا، كنت خائفة أن أكون قد فقدتهم، لكن عندما اقتربت سمعت الدجاجة وهي تكاكي وسمعت الكتاكيت معها، وقتها قلت: 'الحمد لله، لسه عايشين'. بدأت أزيح الركام عن القفص وأتفقدهم. رغم أنني فقدت جزءًا من الدواجن، كانت نجاة هذه الدجاجة وكتاكيتها بالنسبة إليّ لحظة أمل، لأنهم لم يكونوا مجرد دجاجة وكتاكيت، بل كانوا بداية جديدة لمشروعي."
تجلس على حجر صغير بجانب الأقفاص، وتضيف: “حاليًا لدي الدجاج والأرانب والبيض، إضافة إلى ثلاث بطات أحتفظ بها كبداية لإعادة إنتاج البط من جديد. أطمح إلى زيادة أعداد البط والأرانب تدريجيًا، والعودة إلى إنتاج الحمام والزغاليل، لتستعيد المزرعة تدريجيًا التنوع الذي كانت تتميز به قبل الحرب، وأحاول الحفاظ على دورة الإنتاج من خلال التربية والتفريخ والبيع، وإعادة استثمار جزء من الدخل في شراء الاحتياجات الأساسية للمشروع والعمل على توسعته”.
كلفة الاستمرار
وبينما يقترب الشتاء، والمكان الجديد يحتاج إلى تأهيل وتجهيز، تواجه نداء أيضًا صعوبة في توفير الأعلاف والمياه ومستلزمات التربية والرعاية البيطرية التي زاد سعرها أضعافًا مضاعفة.
وتتحدث عن المعيقات التي تعترضها وهي تنمو بمشروعها: "حاليًا لا يتوفر العلف المناسب للأرانب، فأضطر إلى استخدام كميات محدودة من علف الخراف كبديل حتى أتمكن من استمرار الإنتاج. كما أن أسعار الأعلاف وباقي مستلزمات الإنتاج ارتفعت بشكل كبير، وارتفعت معها تكلفة تربية الدجاج والأرانب، فالكتكوت بعمر أسبوع يصل حاليًا إلى نحو 70–80 شيكلًا، وهذا السعر مرتبط بارتفاع تكاليف إنتاجه من الأعلاف والرعاية والمستلزمات. في مقابل ذلك أحاول بيع منتجاتي بسعر جيد على الرغم من ارتفاع التكلفة عليّ."
اليوم، تتولى نداء مصاريفها الشخصية وتساهم في مساعدة عائلتها، وتوفر لشقيقها عملًا جديدًا مساعدًا في التربية. أما قبل الحرب فكان المشروع يدر دخلًا على ثلاثة عمال وهي رابعهم، واليوم عادت المزرعة لكنها لا تستطيع توظيف أحد جديد.
ونداء واحدة من نساء كثيرات معيلات لأسرهن. فبحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تعتمد نحو 86 ألف أسرة في غزة على امرأة معيلة رئيسية، أي قرابة ربع الأسر وما يقارب ضعف المستوى قبل النزاع، وتقول إحصاءات أممية إن 67% من هذه الأسر بحاجة إلى دعم إنساني في ظلّ تدمير مئات المشاريع النسوية من المأكولات المنزلية إلى الخياطة والتطريز. فيما تقدر نسبة الأسر التي تعيلها نساء بنحو 18% في أواخر 2025 مقابل 12% قبل الحرب، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.
وعادت صاحبة "الكرم" من البداية بسبع دجاجات وديك. وضعتهم في قفص وحملتهم معها أثناء النزوح إلى الخيمة، وخصصت لهم مكانًا صغيرًا حاولت من خلاله الحفاظ عليهم. ومن هذا العدد البسيط بدأت من جديد.
وتردف: "كنت أبيع جزءًا من البيض، وأترك جزءًا للتفريخ، وأبيع أحيانًا الكتاكيت لمن يريد تربيتها. وفي مخيم الإقليمي جنوب القطاع ثم مخيم البريج في المحافظة الوسطى، أصبح الناس يعرفون أن لدي بيضًا ودجاجًا، فكانوا يشترون البيض، خاصة لكبار السن والمرضى، أو يأخذونه للتفريخ. وهكذا استطعت أن أحافظ على مشروعي."
وتختم حديثها مبتسمة: "فخورة بنفسي أنني استطعت العودة، وأعيد تنويع الطيور، وأستعيد الحمام والزغاليل والبط كما كانت جزءًا من المزرعة قبل الحرب. كما أحلم بأن يكبر المشروع من جديد ويوفر فرص عمل للآخرين كما كان في السابق. هنا بالنسبة لي، كل دجاجة أربيها، وكل أرنب أعتني به، وكل بيضة أنتجها، وحتى البطات الثلاث التي أحتفظ بها اليوم، ليست مجرد إنتاج، إنها دليل على أنني ما زلت أحاول."
وبين قفص حملته إلى الخيمة وسطح أعادت إليه المزرعة، تبقى أعلاف مرتفعة الثمن وشتاء يقترب. فهل تجد المزرعة ما يلزمها من علف ومأوى قبل أن يحل؟