في دير البلح وسط قطاع غزة، يبدأ يوم أم أحمد الغندور بالدفاتر قبل الماء والغاز. تجلس مع أبنائها تراجع ما تعلّموه، ثم تنتقل إلى ما تحتاجه الخيمة والبيت من مياه وغاز ومستلزمات. منذ مقتل زوجها خلال الحرب الإسرائيلية الحالية، صارت تعيل سبعة أفراد وحدها، وتقول: "أبوهم انقتل في الحرب، وأنا ماخدة دور الأم ودور الأب".
ما تحمله أم أحمد يتكرر في آلاف البيوت. تقدّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في تقرير نُشر في سبتمبر 2026، أن 86,290 أسرة في قطاع غزة ترأسها نساء، أي نحو ربع عائلات القطاع، بعدما تضاعفت نسبتها تقريبًا مقارنة بما قبل أكتوبر 2023. ويشير التقرير إلى أن ثلثي هذه الأسر بحاجة إلى مساعدة نقدية عاجلة.
ويشمل هذا التقدير، إلى جانب الأرامل، نساءً أزواجهن مفقودون أو معتقلون أو مصابون إصابات بالغة أو مختفون قسرًا. واستُخرج العدد بتطبيق نسبة 23%، سجّلها مسحٌ للاحتياجات في نهاية 2025، على العدد التقديري للأسر، بحسب منهجية التقرير.
وخلف الرقم وجوهٌ تتفاوت حكاياتها وتتشابه أثقالها. في المدينة نفسها، فقدت أم أنس الصعيدي زوجها، ثم ابنها الأكبر الذي تولى إعالة الأسرة بعد والده، ثم ابنها الأصغر. وبقي معها ابن من ذوي الإعاقة يحتاج إلى من يرافقه إلى المستشفيات والعيادات. تصف حالها بقولها: "أنا اللي بطلع بوفّر الأكل والطعام للمنزل، بوفّر لابني العلاج أنا اللي بروح أشتري". وتتنقل بين التكية وشراء ربطة الخبز وصرف الدواء، في أسرة تقول إنها بلا مصدر دخل.
وفي النصيرات وسط القطاع، تبلغ لارا زقوت من العمر 14 عامًا، وتتولى وحدها رعاية أفراد أسرتها. تقول: "فقدت أمي وأبوي وجدّي وأختي بسبب قصف الاحتلال في قطاع غزة". يتوزع يومها بين الغسيل وجلي الأواني وإعداد الفطور وإشعال النار للطهي، ثم تجلس مع إخوتها لتسألهم عمّا تعلّموه في المدرسة. وتقول: "بدرّسهم".
وتكشف البيانات أن الأعباء تتراكم على هذه الأسر أكثر من غيرها. فقد أفادت 68% من الأسر التي ترأسها نساء بعدم تلبية احتياجاتها من المأوى، مقابل 55% لدى الأسر التي يرأسها رجال. وكانت منازلها أكثر تعرضًا للضرر أو التدمير، ونزحت ثماني مرات في المتوسط منذ أكتوبر 2023، مقابل سبع مرات لدى أسر الرجال.
ويربط صندوق الأمم المتحدة للسكان بين فقد مقدمي الرعاية وانقطاع التعليم والفقر والنزوح، وبين زيادة المخاطر على الفتيات المراهقات وصعوبة وصولهن إلى خدمات الصحة والحماية المناسبة لأعمارهن. ويحذر من مخاطر العنف والتحرش في المآوي وعند نقاط المياه والمرافق الصحية وتوزيع المساعدات، مع الاكتظاظ وغياب الخصوصية.

استجابة تبدأ من الجمعيات المحلية
أمام هذا الواقع، تقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة إنها تعمل مع منظمات محلية لتقديم مساعدات وخدمات حماية في القطاع، وتطالب بأن تراعي الاستجابة الإنسانية مسؤوليات النساء اللواتي يرأسن أسرهن واحتياجاتهن.
ومن بين هذه الاستجابات تجربة جمعية عايشة لحماية المرأة والطفل في منطقة المواصي جنوب القطاع، التي قدّمت، بحسب الهيئة، دعمًا نفسيًا وإحالات طبية وأجهزة مساعدة ومساعدات نقدية وعينية لسيدة من ذوي الإعاقة ترعى طفلها وحدها. وتعاني السيدة ضعفًا في السمع والبصر، ما يجعل الوقوف في الطوابير وسماع الإعلانات والتنقل وسط ازدحام التوزيع مهمة شاقة. وتوضح هذه الحالة أن الاستجابة جمعت بين المال والصحة والنفس والتجهيزات المساندة بدل الاكتفاء بنوع واحد من الدعم، وأنها انطلقت من عائق محدد في حياة المرأة نفسها.
وتضع هيئة الأمم المتحدة للمرأة هذه الحالة ضمن استجابة أوسع؛ إذ تقول إن الهيئة وشركاءها وصلوا بين أكتوبر 2023 و31 ديسمبر 2025 إلى نحو 196 ألف شخص في غزة بخدمات الحماية والمساعدات النقدية وسبل العيش والمواد الأساسية، بينهم نحو 165 ألف امرأة وفتاة ونحو 8 آلاف شخص من ذوي الإعاقة. لكن هذه الأرقام الإجمالية لا تفصّل عدد الأسر التي ترأسها نساء، ولا عدد من استفدن من المساعدات النقدية أو الأجهزة المساعدة أو الإحالات الطبية.
وهنا تبرز الحاجة إلى معرفة حجم ما يصل فعليًا إلى الأسر التي ترأسها نساء: كم أسرة من أصل 86,290 أسرة وصلت إليها برامج الاستجابة؟ وكم منها تلقت دعمًا نقديًا أو نفسيًا أو طبيًا أو أجهزة مساعدة؟ وما حجم الفجوة بين عدد الأسر المحتاجة والقدرة الفعلية للمنظمات على الوصول إليها؟ وهذه أسئلة يمكن توجيهها إلى جمعية عايشة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة والمنظمات الشريكة.
وعلى المستوى الأوسع، يفيد تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) المؤرخ في 11 سبتمبر بأن الشركاء في غزة يقدمون مساعدات نقدية وقسائم للنساء والفتيات، إلى جانب الدعم النفسي ومتابعة الحالات. وتشمل الخدمات أيضًا دعم مقدمي الرعاية وأطفال من ذوي الإعاقة أو الأمراض المزمنة.
وتتجه المقاربة الأممية كذلك إلى الإصغاء. ففي تقرير نشره صندوق الأمم المتحدة للسكان في 17 سبتمبر، عرض تجارب 230 امرأة في مواقع نزوح بمدينة غزة وخان يونس، استنادًا إلى مناقشات أُجريت بين ديسمبر 2025 ويناير 2026. وبيّن التقرير كيف تزيد الحرب والنزوح عوائق وصول النساء إلى الأمان والمساعدة، داعيًا إلى الاستفادة من تجاربهن في تحسين الاستجابة الإنسانية.
وتوضح المختصة النفسية نورا أبو عيطة أن: "التحول المفاجئ من دور مقدمة الرعاية إلى دور المعيلة يضع المرأة تحت ضغط نفسي متواصل، لأنها تصبح مسؤولة عن قرارات أساسية تمس بقاء الأسرة، في وقت قد تكون هي نفسها مستنزفة بسبب الفقد أو النزوح أو الإصابة. وقد يظهر ذلك في صورة قلق مزمن، إنهاك، اضطرابات النوم، شعور بالعجز أو الذنب، وصعوبة في تنظيم المشاعر."
وتضيف أبو عيطة: “المساعدات النقدية والعينية تخفف جزءًا مهمًا من الضغوط المعيشية، لكنها لا تعالج وحدها الآثار النفسية المتراكمة. لذلك تحتاج النساء، بالتوازي مع الدعم المادي، إلى خدمات نفسية واجتماعية مستمرة وميسّرة، تراعي ظروفهن وتساعدهن على استعادة الإحساس بالأمان والقدرة على اتخاذ القرار والتعامل مع آثار التجارب الصادمة”.

ما لم تحلّه الاستجابة بعد
غير أنّ الصورة تظل أضيق من الحاجة. فتقرير أوتشا لا يفصّل عدد الأسر التي ترأسها نساء واستفادت من هذه الخدمات، ولا يتيح معرفة مدى تغطيتها لاحتياجات تلك الأسر. وبذلك يبقى حجم ما وصل إلى بيوت مثل بيت أم أحمد وأم أنس خارج الحساب المعلن.
وتتأثر استمرارية الخدمات بالنزوح والقيود على الإدخال. فقد أشار أوتشا إلى إغلاق أو نقل نقاط لتقديم خدمات الحماية بسبب أوامر النزوح. وذكر أن السلطات الإسرائيلية رفضت تنسيق إدخال شحنة أخشاب ومستلزمات إيواء، لأسباب أمنية بحسب ما أورده المكتب، بعدما سبق رفضها مرتين. وحذّر من أن ذلك يحدّ من القدرة على تحسين جودة المأوى وإصلاح المساكن المتضررة قبل حلول الشتاء، وهو الاحتياج الذي تعلن 68% من الأسر التي تعيلها نساء أنه غير ملبّى.
ويتزامن ذلك مع تراجع بعض المساعدات المالية. ففي الأول من سبتمبر، قال برنامج الأغذية العالمي إنه خفّض بنسبة 40% قيمة مساعداته النقدية المقدمة في شهر يوليو إلى 375 ألف شخص في غزة، بسبب نقص التمويل، محذرًا من تخفيضات إضافية. وتشمل هذه المساعدات فئات مختلفة من السكان، ولا تقتصر على الأسر التي تُعيلها نساء.
وبين تجربة تنجح في إسناد سيدة واحدة وفجوة تتسع حول عشرات الآلاف، يبقى السؤال معلقًا: هل يكفي نموذج الدعم المركّب إذا ظلت الموارد تتراجع والوصول يتقلص؟
وفي دير البلح، ما زالت أم أحمد تفتح يومها بالدفاتر، وفي النصيرات تشعل لارا النار قبل أن تسأل إخوتها عمّا تعلّموه. وحين تُعاد صياغة الاستجابة بحيث تبدأ من تفاصيل يوم هؤلاء النساء، تصبح المساعدة أقرب إلى ما يحتجن إليه فعلًا.