في شقة صغيرة شمال مدينة غزة، يجلس محمود عطية (27 عاماً) أمام شاشة حاسوبه المحمول، يراقب بطاقة الشحن المتبقية في بطاريته لحظة بلحظة. يعمل محمود مصمم جرافيك عبر الإنترنت، ويعتمد على عملائه في الخارج لتأمين لقمة عيشه. لكن مع كل ساعة تنقطع فيها الكهرباء التجارية، يتراجع أمله في إكمال مهامه.
قال عطية، الذي يدير فريقاً من المصممين، لمراسلة «آخر قصة»: "توقف عمل المولدات لأكثر من ثماني ساعات يعيق العمل بشكل كامل، في وقت أحوج ما نكون فيه كشباب إلى مصدر الدخل". وأضاف أن تكرار انقطاع الكهرباء التجارية، التي يتراوح ثمن الكيلو واط الواحد بين 25 و32 شيكلاً، يجعله عرضة لفقدانه ورفاقه مصدر رزقهم الوحيد.
تمكن عطية بشق الأنفس من توفير خط كهرباء تجاري بقيمة فاتورة شهرية تتراوح بين 120 و180 دولاراً، من أجل مواصلة عمله مع عملائه في الخارج. غير أنه قال: "التحديدات لا تزال كبيرة أمامي.. كل ساعة انقطاع تعني تأخير تسليم عمل، وكل تأخير قد يكلفني عميلاً".
أما نهى عبد السلام، فقصتها تحمل وجهاً آخر من المعاناة، فهي فقدت زوجها خلال الحرب، وأصبحت العائل الوحيد لأطفالها الستة. تعمل نهى في حرفة الخياطة، وتعتمد على ماكينة كهربائية قديمة لتوفير لقمة العيش لهم.
قالت، والغضب بادٍ على وجهها: "كلما انقطعت الكهرباء، تتوقف ماكينتي، وتتوقف مصالح الزبائن، وتتوقف حياتي". وأضافت: "أطفالي الستة ينتظرونني، لا أحد يسأل عنهم غيري، لا مساعدات ولا غيرها، وانقطاع المولدات يعني أنني قد أعود إلى الصفر، وقد لا أستطيع شراء رغيف خبز لأطفالي مع نهاية اليوم".
ويعتمد سكان غزة على المولدات التجارية في تشغيل مصالحهم-بما في ذلك محال شحن الهواتف والبطاريات- بعدما أجهزت الحرب (منذ أكتوبر 2023) بشكل كامل على شبكة الكهرباء، والتي كانت من الأصل تعاني تردياً ومحدودية في إنتاج الطاقة بفعل الحصار.
أزمة وشيكة تهدد بإغراق غزة في الظلام
وأوقف أصحاب المولدات والطاقة البديلة في قطاع غزة، اليوم الخميس، الخدمة بشكل جزئي احتجاجاً على استمرار منع إدخال زيوت المحركات وقطع غيار المولدات، في تطور يهدد بشلل كامل للخدمات الحيوية التي تعتمد منذ أشهر على هذه المولدات كمصدر وحيد للكهرباء.
وقالت الجمعية في رسالة صحفية تلقت «آخر قصة» نسخة منها، إن الخدمة ستتوقف من الساعة العاشرة صباحاً حتى السادسة مساءً، محذرة من أن استمرار نقص هذه المستلزمات خلال الأسابيع القادمة قد يؤدي إلى توقف عمل المولدات بشكل كامل في جميع مناطق القطاع، ودعت المواطنين إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة.

الأمم المتحدة: تأخيرات يومية تعيق وصول الوقود
وفي المؤتمر الصحفي اليومي للأمم المتحدة في نيويورك، قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، إن القوافل الإنسانية المتجهة إلى معبر كرم أبو سالم لا تزال تواجه تأخيرات كبيرة، على الرغم من إنشاء نقطة تفتيش إسرائيلية جديدة في جنوب غزة.
وأضاف دوجاريك، نقلاً عن الزملاء في المجال الإنساني، أن التأخيرات التي شهدها المعبر نهاية الأسبوع حالت دون وصول ست شاحنات وقود إلى كرم أبو سالم، مما أدى إلى انخفاض كبير في كمية الوقود التي تم استلامها. وشدد على أن "التدفق المنتظم للوقود يعد أمراً حيوياً لضمان استمرار عمل المستشفيات ومحطات تحلية المياه وغيرها من الخدمات الضرورية لاستمرار الحياة، وذلك في ظل غياب شبكة كهرباء عاملة".
وأفاد دوجاريك بأن الشركاء في قطاع المياه قالوا إن إجمالي إنتاج المياه في غزة انخفض بنحو 20% خلال شهر مايو مقارنة بما كان عليه قبل شهرين، وهو ما يُعزى في المقام الأول إلى النقص في المواد الكيميائية وقطع الغيار الخاصة بالمضخات.
وكان قد حذر أصحاب المولدات في تصريحات منفصلة من أن المولدات الكهربائية تمثل البديل الوحيد للكهرباء في القطاع منذ أن قطع الاحتلال الإسرائيلي التيار الكهربائي بالكامل في 8 أكتوبر 2023، وقام بتدمير الشبكات الكهربائية في مختلف المناطق.
وأكدت جمعية أصحاب المولدات أن الاحتلال لا يزال يمنع حتى اللحظة وصول الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء، وذلك على الرغم من أن اتفاقي وقف إطلاق النار الموقعين في يناير 2025 وأكتوبر 2025 نصا على عودتها إلى العمل ضمن البروتوكول الإنساني المبرم.
ومع تصاعد أزمة الزيوت وقطع الغيار التي وصفتها الجمعية بـ"عصب التشغيل"، دعا أصحاب المولدات إلى تدخل دولي عاجل لإدخال هذه المستلزمات الأساسية قبل فوات الأوان، محذرين من أن القطاعات الحيوية في غزة دخلت مرحلة الانهيار التدريجي التي قد تصبح وشيكة خلال أسابيع.
في غضون ذلك، يبقى محمود ونهى وآلاف الغزيين الآخرين يرقبون لحظة عودة التيار، على أمل ألا يكون الغد أشد ظلاماً من اليوم.