يمسك محمود الشنباري بـ"المهدّة" كما لو أنها امتداد لذراعه. يتسلق بنايةً مقصوفة وآيلة للسقوط، متشبثًا بقطع الخرسانة البارزة بين الحجارة، باحثًا عن موضع يثبت فيه قدميه. يرفع رأسه لثوانٍ، يمسح بعينيه السطح المدمر الذي يقف عليه بأعجوبة، ثم يهوِي بأول ضربة. 

خلال ثوانٍ يتردد في المكان صوت ارتطام الحجارة وانهيارها، لكن الضجيج هذه المرة لا ينتهي عند الركام؛ يسقط أحد زملائه فجأة، وينهال عليه السقف المتداعي الذي كانوا يعملون على تفكيكه. تتجمد الحركة لوهلة، قبل أن يتحول الجميع إلى رجال إنقاذ. يُنقل المصاب إلى المستشفى، حيث يتبين أنه يعاني كسرًا في الحوض.

ذلك المشهد ليس استثناءً في يوم عمل الشنباري، بل أحد الاحتمالات التي ترافقه كل صباح. فعلى مدى سنوات، كانت "المهدّة" رفيقته الدائمة. امتهن إزالة الركام لأكثر من عشرة أعوام، معتمدًا عليها لإعالة أطفاله الثمانية. اعتاد أصوات الحجارة المتكسرة، واعتاد أن يعمل بلا تأمين على حياته أو ضمان إذا أُصيب، لكنه يقول إن ما يواجهه اليوم يختلف عن كل ما سبقه؛ فالدمار أوسع، والخطر أقرب، والمهمة أكثر قسوة.

يرفع قبعته إلى الخلف، ويضع "المهدّة" إلى جواره، ثم يقول: "أواجه الخطر يوميًا وأنا متسلق في الهواء أكسر الحجارة والكتل الكبيرة، لكنني أواصل العمل لتأمين مصدر دخل لي، مع أنني معرض للموت في أي لحظة سهو مني. هذا العمل يتطلب تركيزًا ودقة في الحركة على قطع الحديد الرفيعة التي نقف عليها، وأي حركة خاطئة تعني الإصابة أو الموت."

يعمل الشنباري ضمن فرقة تضم 12 عاملًا، يتولون إزالة الكتل الخرسانية المهددة بالسقوط والأعمدة المتدلية التي خلفتها الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة. ولا يحمل أفراد الفريق سوى عدد محدود من الشواكيش، فيما يمتلك كل منهم "مهدّة" خاصة يستخدمها في تكسير الكتل الخرسانية الكبيرة.

ومؤخرًا، تعاقدت معهم اللجنة القطرية للإعمار ضمن مشروع لإزالة الكتل الخرسانية الخطيرة والمتدلية في نحو 200 مبنى، تضم قرابة 750 وحدة سكنية متضررة، ولا يزال العمل مستمرًا منذ أبريل الماضي.

لكن عمل الفريق لا يقتصر على المشاريع التي تنفذها المؤسسات؛ فكثيرًا ما يتلقى أفراده طلبات مباشرة من أصحاب المنازل لإزالة الخطر عن بيوتهم المتضررة أو رفع الركام بالكامل، في ظل غياب حلول أخرى.

ولا تتوقف المشكلة عند حدود تلك المباني، إذ لا تزال الأنقاض واحدة من أكبر العقبات التي تعترض حياة السكان في قطاع غزة. فهي تغلق مساحات واسعة وتعطل الحركة، فيما تمكن بعض أصحاب المنازل، بعد السماح لهم بالوصول إلى بيوتهم، من إزالة أجزاء محدودة منها ونصب خيام أمامها، لكن ما تبقى منها يظل حاجزًا يحول دون استعادة أي شكل طبيعي للحياة، في ظل غياب الإمكانات اللازمة لرفعها والتخلص منها نهائيًا.

وتزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار منع إدخال المعدات الثقيلة اللازمة للتعامل مع هذا الحجم من الدمار، ما يعرقل جهود إزالة الأنقاض وفتح الطرق. وتحاول البلديات وبعض المؤسسات الخاصة، بإمكانات محدودة، فتح الشوارع الرئيسية وتأمين الحد الأدنى من الحركة، لكنها تواجه حجمًا من الركام يفوق قدراتها بكثير.

وبحسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن نحو 92% من المنازل في قطاع غزة تعرضت للدمار، ما أجبر السكان على العيش في الخيام أو مراكز الإيواء، أو أمام ركام منازلهم بالنسبة لمن تمكنوا أصلًا من الوصول إليها، فيما يحتاج أكثر من مليون شخص، من أصل 2.4 مليون نسمة، إلى مستلزمات إيواء لا تزال غير متوفرة.

ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقريره بشأن إدارة الركام في غزة لعام 2025، أن القطاع يحتوي على نحو 57.5 مليون طن من الأنقاض، بينما تُقدر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.

أما تحليلات صور الأقمار الصناعية التي أجراها مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، فتشير إلى أن حجم الركام قد يتجاوز 61 مليون طن.

بعيدًا عن الأرقام، يجلس محمد الكفارنة إلى جوار كومة من الحجارة، يغسل وجهه بماء سخن تحت شمس الظهيرة. يحاول أن يزيل عن جلده غبارًا علق بملابسه وشعره وأنفاسه، ثم يلتقط نفسًا طويلًا قبل أن يقول: "أنا أعمل هذا العمل منذ العام 2006، لكنني لم أر في حياتي مثل هذا التدمير. طريقة التدمير غريبة، فهي لا تُسقط البناية كاملة، بل تترك أجزاءً خطرة معلقة. عملنا صعب جدًا وخطير وبه مخاطرة."

بعد دقائق، يستعد لتسلق بناية مكونة من أربعة طوابق لإزالة أعمدتها المتدلية، ويضيف: "منذ أن صرت أبًا أخاف أكثر على نفسي. أنا أب لأربعة أطفال. حاولت عائلتي أن تجعلني أترك هذا العمل، لكن انعدام الخيارات أبقاني هنا. حاولت تغيير العمل والدخول إلى التجارة، لكنني فشلت، فعُدت إلى إزالة الأنقاض."

ولا تختلف حكاية عمر حامد كثيرًا عن زميليه. يلاحقه صوت الحجارة المتكسرة، ورائحة الغبار التي تتغلغل في رئتيه، وضجيج جهاز اللحام وهو يقطع الأعمدة الحديدية.

يشير إلى كتلة خرسانية معلقة فوق أحد الممرات، ويقول: "نحاول قدر المستطاع إزالة المباني الآيلة للسقوط والكتل المهددة بالانهيار. نعمل بناءً على طلب الأهالي أو المؤسسات، لكن ما يرهقنا هو عدم وجود أدوات مساعدة. كل شيء نفعله بأيدينا حتى تشققت من العمل. لا نرتدي قفازات، ولا ملابس تحمينا، وهذا أكثر ما يزعجنا."

ثم يستعيد الحادثة التي ما زالت حاضرة في أذهانهم: "نجونا بأعجوبة، بينما أُصيب زميل لنا بكسر في الحوض بعد سقوطه من علو وتساقط الركام فوقه. هنا، الإصابة كارثية، عدا عن الأمراض التنفسية التي يسببها غبار الأنقاض."

وفي هذه المهنة، لا توجد شبكة أمان. لا تأمين على الحياة، ولا ضمان يحمي العامل إذا أُصيب. يتحمل العامل وحده مسؤولية حياته وسلامته. وقد يساهم المقاول بجزء من تكاليف العلاج أو التعويض، لكن المؤسسات التي تبرم العقود مع الفريق لا تلتزم بأي مسؤولية إذا تعرض أحد العمال للإصابة أو حتى الموت، لتبقى تبعات المخاطر محصورة بين العامل والمقاول.

ومن الناحية القانونية، فإن منع إدخال المعدات والمساعدات الإنسانية اللازمة لإزالة الركام وإعادة الإعمار يندرج ضمن "العقاب الجماعي"، وهو إجراء محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يكفل حماية المدنيين وضمان حقوقهم.

بين أصوات الحجارة المتساقطة وسحب الغبار، يواصل هؤلاء العمال عملهم لا بحثًا عن البطولة، بل عن لقمة العيش. يقفون كل يوم على حافة الموت، يتسلقون كتلًا خرسانية متداعية بأدوات بسيطة ومن دون وسائل حماية، ويغادرون منازلهم كل صباح من غير يقين بأنهم سيعودون إليها مع حلول المساء.