تقف آلاء حسنين داخل محل صغير يكاد الضوء يتسلل إليه بصعوبة. رفوفه مكتظة ببضع ألعاب متفرقة، لا تشبه تلك التي كانت تملأ المكان قبل الحرب. تتفقد الرفوف بحثًا عن ألعاب تعليمية، أو قطع تركيب "بازل" تُنمّي مهارات الأطفال، لكن ما يظهر أمامها لا يتجاوز دمى حشو صغيرة.
تقف طفلتها تالا على رؤوس أصابعها تتناول بصعوبة إحدى الدمى المعلّقة في الأعلى، وتشير إليها. تقول بصوت رقيق وإلحاح بريء: "ماما.. أريد هذا".
تتقدم الأم خطوة، ترفع يدها نحو اللعبة وتسأل عن السعر. يأتي الرد صادمًا: "ستين شيكلًا". تتجمد لحظة، وهي تنقل نظرها بين طفلتها المتمسكة بالدمية، والبائع الذي يطلب ثمنًا يفوق بكثير سعرها المعتاد الذي لا يتجاوز العشرين شيكلًا.
حسنين، أم لثلاثة أطفال، أكبرهم في العاشرة، يتذكر أبناءها مكعبات أبناء عمومتهم وألعابهم التي انتُشلت من تحت الركام. وفي كل مرة يعودون إلى خيمتهم، يطالبونها بألعاب. تكرر لهم الإجابة ذاتها: لا ألعاب في الأسواق، وما يتوفر منها بأسعار تفوق القدرة الشرائية. ومع إصرارهم المتكرر، بدأت بالبحث بنفسها، لكنها لم تجد سوى دمى قليلة وبأسعار مرتفعة.
توضح: "لم أجد ألعابًا تعليمية ولا حتى ترفيهية، والموجود بضع سيارات صغيرة بأسعار مهولة، ودمى صغيرة، لكن سعرها يفوق قدرتنا الشرائية، أعرف أهمية الألعاب عند الأطفال لكن نحن بالكاد نوفر الطعام، وإن اشتريت لعبة لواحد منهم سأشتري للبقية، لذلك أرى أن الطعام أولى".

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، فُرضت قيود مشددة على دخول السلع إلى قطاع غزة، طالت حتى احتياجات الأطفال الأساسية، وفي مقدمتها ألعاب الأطفال التعليمية والترفيهية، التي مُنع دخولها بشكل شبه كامل، بعدما توقفت الشاحنات المحمّلة بالدمى والألعاب عن الوصول كما كان الحال قبل الحرب.
ولم يقتصر الأمر على تقليص الكميات، بل تحوّل إلى حظر فعلي ضمن سياسة تضييق أوسع، حرمت الأطفال من واحدة من أبسط وسائل الفرح والتفريغ النفسي. ويأتي ذلك في قطاع يقدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد أطفاله بنحو 1.09 مليون طفل حتى نهاية عام 2025، ما يعني أن الأطفال يشكلون قرابة نصف سكان غزة، في وقت باتت فيه الألعاب ترفًا مؤجلًا أمام أولوية تأمين الطعام والبقاء.
على نحوٍ مشابه، يجلس الطفل براء (9 أعوام) على هاتف والده، يلعب لعبة قيادة السيارات، ثم ينهيها سريعًا ويركض نحو والدته. يطلب منها أن تشتري له سيارة تعمل بالتحكم عن بعد "الريموت"، مثل تلك التي كان يملكها قبل الحرب. تستمع إليه الأم ثم تقف عاجزة بعدما تجد واحدة منها في أحد المحال بسعر تجاوز 120 شيكلًا، بعد بحث طويل.
تقول والدته منة حسان: "الألعاب ممنوعة من الدخول وأطفالي يصرون أن أشتري لهم الألعاب، ويسألون لماذا لا يتم توزيع الألعاب علينا كما الطرود الغذائية، أأمل أن تدخل الألعاب في وقت قريب ليلعب الأطفال ويشغلون أنفسهم بها".
أما عبد الرحمن عزيز، وهو أب لطفلين أكبرهما في العاشرة، فيبحث عن ألعاب تعليمية لطفله الأصغر (عامان) دون جدوى. في النهاية، يشتري دمى بلاستيكية على شكل حصان وقرد وجدها لدى بائع متجول يبيع أغراضًا مستعملة، لتُدخل فرحًا لحظيًا على الطفلين.
كان الابن الأكبر يمتلك غرفة خاصة قبل الحرب، تضم أنواعًا متعددة من الألعاب. لكن المنزل دُمّر، وضاعت معه الصور المخزنة في الهاتف الذي فُقد خلال الحرب. ومع ذلك، لا يزال الطفل الأصغر يتذكر ألعابه القديمة ويطلب من والده أن يعيد له مثلها.
يقول عزيز وهو يمسك دمية على شكل بطة: "لا أرى أي مبرر لمنع دخول ألعاب الأطفال في غزة، عندما رأى طفلي الأصغر دمية على شكل عروس مع ابنة عمه مصنعة يدويًا، صار يصرخ من شكلها، فقد خاف فهو لم يعتد رؤية الألعاب، وفرح عندما وجد مكعبات صغيرة لدى ابن الجيران نجت من الحرب، لكنها غير متاحة الآن في غزة لأجلبها له".

تعمل عدة مؤسسات على دعم الأطفال في غزة، من بينها مؤسسة تامر، التي تنفذ برامج في مختلف المناطق الممكن الوصول إليها، بما فيها الخيام ومراكز الإيواء والجمعيات. وتقدم برامج متنوعة ضمن "ثقافة الطفل"، تركز على الفنون والآداب، وتشجع الأطفال على التعبير عبر الكتابة الإبداعية، الرسم، الموسيقى، والمسرح، إضافة إلى أنشطة دعم نفسي.
يقول منسق شبكة المكتبات المجتمعية في مؤسسة تامر، محمد الزقزوق: "إن مؤسسة تامر تحرص على توفير ألعاب للأطفال، مثل الكرات وألعاب التركيز والبازل، ومع بداية الأحداث نهاية 2023، وفرت كميات كبيرة من هذه الألعاب ضمن توزيعات الحقائب التعليمية من خلال حملة "من بيت لبيت" التي تطلقها المؤسسة بشكل سنوي".
يردف: "ولكن مؤخرًا، لوحظ اختفاء جزء كبير من هذه الألعاب من الأسواق، والمتوفر أصبح بأسعار مرتفعة جدًا، مما أدى إلى تراجع القدرة على شرائها وتوفيرها للأطفال بشكل مستمر".
ويشير إلى أن قسم المشتريات في المؤسسة يواصل التواصل مع الموردين ومحاولة التنسيق لإدخال الألعاب، إلا أن الظروف الحالية تجعل ذلك بالغ الصعوبة ولا تضمن استقرار النتائج.
وتلجأ المؤسسة، بحسب الزقزوق، إلى حلول بديلة عبر إعادة تدوير مواد متوفرة في البيئة لصناعة ألعاب بسيطة، بمساعدة فنانين، باستخدام الكرتون والخشب وزجاجات البلاستيك، في محاولة لتوفير بدائل إبداعية وسط شح الموارد.

الألعاب، بحسب مختصين، ليست مجرد وسيلة ترفيه انما هي أداة أساسية لتفريغ المشاعر وتنمية الخيال والمهارات الاجتماعية والمعرفية لدى الأطفال. ومع منع دخولها أو المواد الخام اللازمة لصناعتها محليًا، تتأثر الحياة اليومية للطفل بشكل مباشر، في ظل غياب أدوات تربوية وترفيهية أساسية.
ويرى المختص الاجتماعي عرفات حلس أن اللعب ليس ترفًا، بل جزء جوهري من البناء النفسي والمعرفي للطفل، تُستخدم من خلاله أساليب التربية في التعلم والتفريغ، كما يعتمد عليه في رياض الأطفال لتنمية السلوك والذكاء.
تمثل الألعاب عنصر محوري في ضبط السلوك النفسي، بحسب حلس، فيما يفيد بأنّ غيابها يخلق خللًا في البيئة التربوية، خصوصًا في سياق الحرب، إذ تمنح الطفل شعورًا بالأمان وتخفف الضغط النفسي.
ومن منظور نفسي، يوضح حلس أن الأطفال يتفاعلون مع الألعاب بما يعكس احتياجاتهم النمائية؛ فمثلاً، لعب الدمى لدى الإناث يعزز التعاطف والتعبير العاطفي. ويشير إلى أن الألعاب مصدر أساسي للفرح والانتماء لدى الأطفال بغض النظر عن أعمارهم، وأن أي لعبة تُدخل عليهم تُحدث أثرًا مباشرًا في شعورهم بالسعادة.
ويحذر من أن غياب الألعاب يترك فراغًا نفسيًا وزمنيًا، قد يدفع الأطفال للبحث عن بدائل غير آمنة أو غير مناسبة لسد هذا الفراغ، عبر اللعب بأشياء خطرة أو سلوكيات غير ملائمة.
في الإطار يشير مختصون حقوقيون، إلى أنّ منع دخول ألعاب الأطفال إلى غزة يتنافى مع ما تنص عليه اتفاقية حقوق الطفل، التي تكفل حق الأطفال في اللعب والترفيه والمشاركة في الأنشطة المناسبة لأعمارهم، باعتبارها جزءًا أساسيًا من نموهم النفسي والمعرفي والاجتماعي.
وفي بيئة يعيش أطفالها حربًا ممتدة وصدمات متكررة، لا تبدو الألعاب وسيلة ترفيه هامشية، بل إحدى أدوات الدعم النفسي والتفريغ العاطفي والشعور بالأمان، ما يجعل حرمان الأطفال منها مساسًا بحقوقهم الأساسية وبيئتهم السليمة للنمو.
وبين محاولات متفرقة لصناعة بدائل بسيطة من الكرتون والخشب والبلاستيك، تبقى الألعاب غائبة عن رفوف غزة وذاكرة كثير من أطفالها. وفي انتظار طويل لا يفهم أسبابه الصغار، يواصل الأطفال داخل الخيام ومراكز النزوح طرح سؤالهم البسيط والثقيل معًا: "لماذا الألعاب ممنوعة من الدخول إلى غزة؟".