في هدوء ما قبل الفجر، يبدأ فتحي حجي، الرجل الفلسطيني المسن، رحلة أسبوعية لا تقل قسوة عن مرضه نفسه. يستقل حجي، الذي يقبع على كرسي متحرك مثبت فوق عربة يجرها حمار، طريقه المتعرج والوعر من خيمته في منطقة المواصي إلى مستشفى ناصر الطبي في خان يونس، محاطاً بأسطوانة أكسجين ومروحة صغيرة تواجه لهيب الشمس الحارقة.

هذا المشهد يتكرر ثلاث مرات أسبوعياً، منذ أن دخل حجي (الذي يعاني من الفشل الكلوي منذ مطلع عام 2024) في دائرة العلاج الدورية. لكن التحدي الأكبر لم يعد يقتصر على الجلسات الطبية التي تمتد لساعات، بل أصبح في الوصول إلى المركز ذاته، وسط بنية تحتية مدمرة، وشلل في وسائل النقل، وأوضاع إنسانية تتفاقم يومياً.

معاناة تتضاعف على الطريق

يتحدث حجي لأخبار الأمم المتحدة، بينما ينتظر دوره للعلاج، بصوت يخنقه التعب: "منذ يناير 2024، وأنا ألتزم بثلاث جلسات غسيل أسبوعياً. المشقة الحقيقية ليست في الجهاز، بل في الطريق. أسافر على عربة حمار تحت الشمس المحرقة، والحمد لله على كل حال، فليس لدي خيار آخر".

ويضيف وهو يشير إلى جهاز الغسيل: "نجلس هنا من ثلاث إلى أربع ساعات، وأحياناً تمتد إلى خمس، وقبلها ننتظر الدور. الحرارة خانقة، لذا جلبت مروحتي الخاصة، كما أني بحاجة يومية لملء أسطوانة الأكسجين، فالجهد ينهكني قبل أن تبدأ الجلسة".

أما حفيده سيف، الذي يرافق جده في كل رحلة، فيصف الطريق بأنه "ملحمة من التحديات"؛ إذ يضطر للتوقف كل خمسين متراً تقريباً لإعادة تثبيت الكرسي المتحرك على العربة، بسبب الحفر والطرق غير المعبدة. يقول سيف: "نصل إلى المستشفى وجدي في حالة إرهاق تام، يحتاج فوراً إلى الأكسجين. المعاناة مضاعفة: حرارة الشمس، وعورة الطريق، وخوفنا الدائم من أن يتعطل شيء في العربة".

أزمة صحية طاحنة تطال المئات

قصة حجي ليست حالة فردية، بل تعكس واقعاً معيشياً لمئات مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة. فوفقاً لتقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، أدى تضرر المرافق الصحية، ونقص الأدوية والمستهلكات الطبية، وشح الوقود، إلى زيادة الضغط الهائل على مراكز غسيل الكلى المتبقية، والتي تعمل بأقصى طاقتها رغم قدم أجهزتها.

في مركز غسيل الكلى بمجمع ناصر الطبي، يتجمع المرضى في صفوف الانتظار على الكراسي، بينما يعمل الطاقم الطبي في سباق مع الزمن والإمكانيات المحدودة. يوضح حمزة أبو رية، أحد العاملين في المركز، قائلاً: "نعاني ضغطاً هائلاً على الأجهزة، كثير منها متهالك ويحتاج صيانة عاجلة. كما نعاني نقصاً حاداً في مستلزمات العلاج الأساسية، مثل مادة البيكربونات، ودواء 'إيبريكس' الذي انقطع منذ فترة طويلة، مما يفاقم معاناة المرضى ويطيل مدة بقائهم على الأجهزة".

تحذيرات أممية من انهيار وشيك

تحذر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن الخدمات الصحية في غزة تواجه تحديات حادة نتيجة نقص الوقود وقطع الغيار والإمدادات، فيما يواصل الشركاء الصحيون تشغيل المرافق بأقصى طاقة تحتملها الإمكانات. وتشير التقارير إلى استمرار خطر انتشار الأمراض المعدية، وزيادة الضغط على المرافق شبه المنهكة.

بدورها، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الهجمات والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية الصحية، إلى جانب القيود المشددة على إدخال الإمدادات، ما زالت تعرقل تقديم الرعاية المنقذة للحياة. وتشدد المنظمة على أن مرضى الأمراض المزمنة، وعلى رأسهم مرضى غسيل الكلى، بحاجة إلى علاج منتظم ومنتظم لا يحتمل أي انقطاع.

عودة إلى دورة المعاناة

مع انتهاء جلسة العلاج التي استغرقت ساعات، يُعاد فتحي حجي إلى كرسيه المتحرك، ويجلس بصبر خلف بوابة المستشفى بانتظار وصول العربة التي ستقلّه مجدداً إلى خيمته. وكأنما لم تنتهِ الرحلة، بل دخلت في دورة جديدة من الألم والأمل، تتكرر ثلاث مرات كل أسبوع، في مشهد يعيد تعريف مفهوم "الوصول إلى الرعاية الصحية" في أقسى ظروفه الإنسانية.