تحت وقدة الشمس الحارقة في خيمة نزوحٍ مقفرة في قرية الزوايدة وسط قطاع غزة، تصارع الأرملة سلوى مجدي (37 عاماً) قسوة النزوح والمسؤولية الثقيلة بمفردها. فبعدما قضى زوجها نحبه وتدمر بيتهما، أصبحت مسؤولة عن أربعة أطفال يكابدون ضنك الحياة في خيام النزوح.
وتقضي الأم يومها في تدبير شؤون أطفالها الذين يتوزعون ما بين طابور المياه وجمع الحطب لإشعال نار الطهو، في حين تعاني طفلتها تالا (6 سنوات) من نوبات فزع مستمرة منذ لحظة قصفهم قبل نحو عامٍ ونصف. وبجسد أنهكه سوء التغذية، تواجه سلوى ضغوطًا نفسية خانقة، تلخصها بقولها: "الموت كان أسهل من هذا العذاب اليومي؛ أنا حية لكنني ميتة من الداخل".
سلوى واحدة من آلاف النساء في قطاع غزة اللواتي يواجهن هذا المصير؛ إذ تشير أحدث البيانات والتقارير الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في منتصف عام 2026، إلى أن العدد الإجمالي الحالي للأرامل في قطاع غزة ارتفع ليصل إلى 28,224 أرملة.
ويتضح من تفكيك الأرقام أن الحرب الإسرائيلية الحالية خلّفت وحدها ما لا يقل عن 5,628 أرملة جديدة كزيادة صافية موثقة رسميًا لدى سجلات الوزارة حتى شهر يونيو/يوليو 2026، حيث كان العدد قبل اندلاع النزاع في أكتوبر 2023، يبلغ 22,596 أرملة.
وفي مقابل هذه الإحصاءات الرسمية، تشير تقديرات ميدانية أخرى لجهات حقوقية ودولية إلى أن عدد النساء اللواتي فقدن أزواجهن وتتحمل أغلبهن الآن إعالة أسرهن بمفردهن يتجاوز هذا الرقم بكثير، ليصل إلى ما يقارب 21-22 ألف امرأة معيلة جديدة جراء الحرب.
تمعنا أكثر في قائمة البيانات التي جمعناها حول الأرامل؛ تبين أنّ النسبة الأكبر منهن تتركز في محافظة غزة بنسبة 40.8%، تليها محافظة شمال غزة بنسبة 22.5%. ومن الناحية العمرية، تنتمي حوالي 64% منهن (ما يقارب 16,877 أرملة) إلى فئة سن العمل والإنتاج التي تتراوح بين 18 و45 عامًا، في حين تُشكِّل القاصرات دون سن 18 عامًا نسبة 0.4% من الإجمالي العام للأرامل.
فقد الزوج والبيت
صابرين محسن (34 عامًا)، أرملة نازحة في دير البلح وسط القطاع، تلخص هذا الشعور بقولها: "حين يقصف بيتك، تفقد الأمان النفسي قبل الجدران. تكرار النزوح يجعلنا نركض في حلقة مفرغة من الفقد والذعر المستمر".
نزحت محسن مع أطفالها الخمسة، تسع مرات منذ بداية العنف، وتعيش اليوم في خيمة نزوح تفتقر إلى أدنى مقومات الخصوصية. وبين متابعة شؤون أطفالها اليومية والسعي لتوفير احتياجاتهم المتزايدة، لا تجد متسعًا حتى لتعيش حزنها على زوجها الذي قُتل في غارة جوية.
تتطابق شهادة محسن مع المعطيات الميدانية التي تثبت وجود رابط مباشر بين حجم التدمير المادي للمحيط العمراني، ومستويات الخطورة الطبية للاضطرابات النفسية التي تلاحق النساء؛ إذ يظهر البحث الميداني كيف يتحول فقدان الاستقرار المكاني مباشرة إلى أزمات نفسية حادة ومستمرة.
لم يقتصر فقدان الزوج على حرمان آلاف النساء من شريك الحياة، بل ترافق مع فقدان البيت أيضًا. فمنذ أكتوبر 2023، دمرت الحرب أكثر من 371 ألف وحدة سكنية في قطاع غزة، وهو ما انعكس بوضوح على نتائج دراسة بحثية صدرت عن المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات في مايو 2026، اعتمدت على 729 استبانة كمية مع مقابلات معمّقة ومجموعات بؤرية.
واتضح من خلال نتائج الدراسة أنّ 97.39% من الأرامل فقدت مساكنهن الأصلية، بينها 88.61% دُمرت منازلهن بالكامل، فيما تعرضت منازل 8.78% لأضرار جزئية. ومع اختفاء البيت، تحول النزوح إلى واقع دائم، إذ اضطرت 94.79% من الأرامل إلى النزوح المتكرر، ووصل عدد مرات النزوح لدى بعضهن إلى أكثر من 15 مرة.
ومع تكرار عمليات النزوح، تحول الانتقال القسري من حالة طارئة ومؤقتة إلى نمطًا للحياة اليومية مفروض على آلاف النساء. إذ تعيش 62.69% من الأرامل في خيام ومخيمات النزوح، بينما تقيم 12.89% في مراكز إيواء مثل المدارس والمباني الحكومية. وفي بيئات تفتقر إلى الخصوصية والاستقرار، تغيب القدرة على بناء أي روتين أسري أو توفير الحد الأدنى من الشعور بالأمان.
منال ناهض (28 عامًا) فقدَت زوجها خلال بحثه عن الطحين في ذروة المجاعة التي عصفت بشمال قطاع غزة عام 2024. تروي أختها أن فقدان منال لزوجها غيّر تفاصيل حياتها اليومية؛ إذ أصبحت تنسى كثيرًا وتتردد طويلًا قبل اتخاذ القرارات وتعيش حالة ترقب دائم لما قد يواجه أطفالها.
تقول شقيقتها إن منال تحاول إخفاء تعبها أمام أطفالها، لكنها في لحظات الهدوء تستعيد تفاصيل ذلك اليوم، فتدخل في حالة من الصمت والشرود. وتضيف أنّ أكثر ما يرهقها شعورها بأنها تتحمل مسؤوليات الأسرة بمفردها، بينما تحاول التعايش مع فقدان زوجها وآثاره النفسية المتراكمة.
اضطرابات نفسية خطيرة
وقد يبدو ظاهريا أن المشكلة تكمن في الأثر العام الذي يمكن أن تطويه الأيام كلما اشتد عود الأبناء، لكن الولوج في عمق التفاصيل يعطينا مؤشرا قويًا على أن الأرامل يخسرنا صحتهن النفسية بشكل عميق وبطيء. إذ توضح نتائج الدراسة التي حصلنا على نسخة منها، أن 83.3% من الأرامل تجاوزن العتبة التي يشير إليها مقياس الصحة النفسية العامة (GHQ-12) باعتبارها مؤشرًا على اضطراب نفسي يستدعي تدخلًا سريريًا، فيما بلغ المتوسط العام لدرجات المشاركات 20.98 من أصل 36، وهو مستوى يعكس ضائقة نفسية مرتفعة.
في غزة التي لم يتبقى من مساحتها سوى ثلاثين بالمئة، يتقاسم الناس فيها أوجه المعاناة، تبدو مستويات الضائقة النفسية واحدة من محافظة إلى أخرى، فالأزمة ذات طابع شمولي، وليست مرتبطة بمنطقة جغرافية بعينها.
ومع ذلك، فقد سجلت محافظة غزة أعلى متوسط لدرجات الاضطراب النفسي بلغ 21.33، مع تجاوز 85.27% من الأرامل عتبة الخطر، تلتها دير البلح بمتوسط 21.02 ونسبة 85.25%، فيما بلغ المتوسط في شمال غزة 20.15 مع تجاوز 77.42% من المشاركات عتبة الخطر.
وتبين أيضاً خلال البحث الميداني، أن الشعور بالضغط النفسي المستمر بلغت نسبته 86.8%، تلاه الشعور بالتعاسة والاكتئاب بنسبة 80.9%. مع العلم أن هذا التدهور لم يكن مرتبطا بفقدان الزوج فحسب، بل يتفاقم مع الخسائر العائلية المتراكمة؛ إذ فقدت 65.98% من الأرامل أفرادًا آخرين من أسرهن خلال الحرب، بينما عاشت 12.48% منهن مأساة فقدان خمسة أفراد أو أكثر من أقاربهن.

وتفسر المعالجة النفسية سماهر أبو عصر هذه النتائج بالقول: "إن المتوسط العام الحاد الذي سجلته النساء على مقياس الصحة النفسية (20.98 من أصل 36)، وتجاوز 83.3% منهن عتبة الخطر، لا يعبر عن ضعف ذاتي أو هشاشة شخصية لدى الأرامل، بل هو استجابة جسدية وعقلية طبيعية لبيئة تعرضت لتدمير منهجي طال كل مقومات الاستقرار.
فالحرب والنزوح المتكرر وفقدان المأوى، كما تقول المعالجة سماهر، تضع الأجهزة العصبية للنساء في حالة طوارئ واستنفار مستمر للبقاء. ويتفاقم هذا الوضع وفقًا للمعالجة النفسية بفعل "الضغط متعدد الطبقات"؛ إذ تُجبر الأرملة على كتمان حزنها الطبيعي على شريكها لتلعب دورًا صلبًا ومنفردًا في حماية أطفالها ورعايتهم وسط غياب الدعم الاجتماعي، مما يحول الحزن العادي إلى "حزن معقد واضطراب صدمي ممتد" يتطلب تدخلاً علاجياً عاجلاً لإنقاذ بنيتها النفسية من الانهيار التام.
وتضيف أبو عصر: "تتسع الفجوة بين حاجة الأرامل للدعم النفسي وبين المستفيدات منه فعليًا بسبب النظر إلى العلاج النفسي كـ "رفاهية مؤجلة" مقارنة بلقمة العيش، فضلاً عن صعوبة تتبع النساء النازحات وتصميم برامج تناسب حركتهن".
لذلك، فإنّ التدخل الأكثر فاعلية حاليًا يتجاوز جلسات التفريغ الانفعالي والعلاج الجماعي التقليدي؛ إذ يكمن العلاج الحقيقي في دمج الدعم النفسي بالتمكين الاقتصادي والمأوى الكريم. فعندما تتخلص الأرملة من القلق الوجودي المرتبط بـتأمين طعام أطفالها وسد ديونها المتراكمة، تنخفض مستويات التوتر تلقائياً وتُخلق المساحة الفعلية لبدء رحلة التعافي.
أعباء جديدة
بعد فقدان أزواجهن وتشتت دوائر الإسناد العائلية بفعل النزوح، وجدت آلاف الأرامل أنفسهن أمام أعباء مضاعفة فرضتها الحرب، فأصبحن يتحملن مسؤولية إدارة تفاصيل الحياة اليومية واتخاذ القرارات المتعلقة بأسرهن في ظروف قاسية.
وأظهر التحليل الذي أجريناه لنتائج الدراسة أن 57.20% من الأرامل يعشن حاليًا مع أطفالهن دون شريك أو دعم عائلي مباشر، في وقت أدى فيه النزوح إلى فقدان 74.62% منهن شبكاتهن الاجتماعية الأصلية التي كانت توفر لهن أشكالًا مختلفة من المساندة. ومع هذا التراجع في دوائر الدعم، اضطرت 91.63% من الأرامل إلى اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بأسرهن بأنفسهن، بينما تتحمل 89.57% منهن مسؤولية تربية الأطفال بشكل منفرد.
هذا الاستقلال لم يكن خيارًا شخصيًا، وإنما فرضته خسارة الزوج وتغير الظروف المحيطة بهن. تقول أم أحمد (42 عامًا)، التي فقدت زوجها في شمال غزة: "لم أختر يومًا قيادة المركب بمفردي وسط العاصفة، لكن غياب الجميع أجبرني على اتخاذ قرارات مصيرية يوميًا لحماية أولادي. انها مسؤولية بطعم العجز والضغط الثقيل".
تعقيدات قانونية
وتتجاوز آثار فقدان الزوج الجانب الاجتماعي والنفسي إلى جوانب قانونية وإدارية تعيد تشكيل حياة الأطفال والأرامل. فبسبب صعوبة انتشال الجثامين من المناطق المدمرة، وعدم توفر المعدات اللوجستية الكافية، لا تزال نحو 8,000 جثة عالقة تحت الركام وفق المعطيات الواردة في الدراسة البحثية.
ويؤدي هذا الواقع إلى تعقيدات قانونية تواجه أسر المفقودين، إذ يحرم أطفال بعض الشهداء الذين لم تُستخرج جثامينهم بعد من الحصول على شهادات وفاة رسمية لآبائهم؛ ما يؤثر في قدرتهم على الوصول إلى الكفالات والمساعدات المرتبطة بالإثباتات الرسمية.
المحامي يونس الطهراوي يؤكد أن غياب جثامين الشهداء تحت الركام يعيق استخراج شهادات الوفاة الرسمية، مما يتسبب في تجميد كامل للحياة المدنية والمالية للأسر وتحويل الأطفال إلى "يتامى حكماً" محرومين من الكفالات وحقوقهم في الإرث والوصاية المعطلة. ويعد هذا الوضع انتهاكًا مباشرًا للمادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحمي الكيان القانوني للأسرة، والمادة (7) من اتفاقية حقوق الطفل التي تقر بحق الطفل في الهوية والانتساب المدني دون إبطاء.
ولتجاوز هذه العقبة القانونية، يقترح الطهراوي تفعيل تدابير استثنائية استناداً إلى قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني وقانون تسجيل الأحوال المدنية، وذلك عبر توسيع صلاحيات "لجان الحصر الإدارية" بالتنسيق مع الجهات الطبية والدفاع المدني لاعتماد شهادات الشهود والقرائن القاطعة كبينة كافية لإثبات الوفاة قانونياً وتسهيل معاملات حصر الإرث.
ولا تتوقف التحديات عند غياب الوثائق الرسمية، إذ تواجه الأرامل أيضًا صعوبات في الوصول إلى حقوقهن المالية والقانونية، وفي مقدمتها الميراث. وتظهر نتائج الدراسة أن 43.62% من الأرامل يعانين فجوة في المعرفة بحقوقهن القانونية، في ظل تعطل جزء كبير من عمل المؤسسات القضائية خلال الحرب.
وقد أدى هذا النقص في المعلومات، إلى جانب ضعف الوصول إلى القضاء، إلى فقدان 31.82% من الأرامل السيطرة على حقوقهن في الميراث، (بواقع 119 أرملة في العينة)، حيث تمكنت عائلات الأزواج في بعض الحالات من التحكم بالميراث وتجريدهن من ممتلكاتهن.

حقوق مُهدَّدة
وعن سلب حقوق الأرامل المالية، يوضح الطهراوي أن تعطل المحاكم الشرعية والنظامية غيّب الرقابة القضائية الرسمية، مما دفع القضاء العشائري ولجان الوساطة القانونية للتدخل لملء هذا الفراغ الكبير، حيث نجحت مجالس الصلح والوجهاء في تسوية مئات النزاعات الأسرية وحماية حصص الأرامل ومستحقاتهن بطرق ودية مبنية على التراضي العائلي.
ومع ذلك، يرى الطهراوي أنه رغم الدور الاستثنائي والإيجابي الذي لعبته الوساطة العشائرية لحل المشكلات في ظل الحرب، إلا أن غياب المظلة القضائية الرسمية والتوثيق القانوني ترك الباب مواربًا في بعض الحالات لتجاوزات فردية؛ حيث خضعت بعض الأرامل لأعراف مجحفة تساومهن على التنازل عن حصصهن الإرثية مقابل الاحتفاظ بحضانة أطفالهن. وهو ما يخالف صراحة القانون الأساسي الفلسطيني المعدل الذي يضمن المساواة وحماية الملكية الخاصة، والمادة (15) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).
لذا، يطالب الطهراوي بإنشاء عيادات قانونية متنقلة بالمخيمات لتوعية النساء، وتقنين دور اللجان العشائرية بربط مخرجاتها قانونياً بغرف قضائية شرعية طارئة، لتفعيل قرارات النفقة والوصاية وحماية النساء والأطفال من سلب الحقوق وتوثيق التسويات الودية رسميًا.
وتواجه عائلات المدنيين المفقودين تحت الأنقاض جدارًا قانونيًا معقدًا لاستخراج شهادات الوفاة؛ إذ يوضح رئيس المحكمة الشرعية، محمد فروخ، أن القضاء يضطر للاعتماد على حلول مؤقتة مثل وثيقة "المشروحات" لإثبات الفقد، أو اشتراط إحضار شاهدين يَقسمان يمينًا مغلظة على رؤية الجثمان تحت الركام دون القدرة على انتشاله، أو الاستعانة بقرائن تؤكد وجود الشخص في المنزل وقت استهدافه.
ورغم تقديم العائلات لأكثر من 16 ألف محضر إثبات وفاة لمدنيين قضوا في القصف أو دُفنوا في مقابر عشوائية، فإن تضارب الشهادات وغياب فحوصات الحمض النووي (DNA) تسببا في رفض نحو 10% من هذه المعاملات؛ مما يُبقي آلاف الأرامل والأطفال معلّقين قانونيًا دون حصر إرث أو وصاية، ويحرم الأيتام من حقوقهم المدنية وكفالاتهم الإغاثية العاجلة.
انعدام الكفاية المعيشية
ويبين تحليل “آخر قصة” للأرقام البحثية أن اعتماد الأرامل على المساعدات يرتبط بتراجع فرص العمل ومحدودية مصادر الدخل في ظلّ الحرب، رغم وجود رغبة واسعة لديهن في التعلم والعمل. وتظهر فجوة بين استعداد النساء للمشاركة الاقتصادية وبين واقع السوق والبرامج المتاحة لهن.
وتشير النتائج إلى أن 73.11% من الأرامل لا يمتلكن أي مصدر دخل خاص، فيما تعاني 97.53% منهن من عدم كفاية معيشية. كما تظهر البيانات أن 86.28% منهن لم يدخلن سوق العمل قبل فقدان أزواجهن. ومع محدودية المساعدات الإغاثية مقارنة بالاحتياجات اليومية، لجأت نسبة كبيرة منهن إلى الاقتراض لتغطية النفقات الأساسية؛ إذ تحمل 59.67% من الأرامل، بواقع 277 سيدة ضمن العينة، ديونًا متراكمة أثقلت أوضاعهن المعيشية.
تقول الأرملة هدى محمدين (29 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال: "السلة الإغاثية الشحيحة لا تطعم أطفالي؛ أستدين ثمن الحليب والعلاج شهريًا، والدين يتراكم حتى صرت مهددة بطردي من خيمتي الإيجارية".
وتظهر الدراسة استعدادًا واضحًا لدى الأرامل للانخراط في سوق العمل؛ إذ أعربت 82.44% منهن عن رغبتهن في الالتحاق بالتدريب المهني، فيما أكدت 66.94% عدم وجود عوائق شخصية أو اجتماعية تمنعهن من العمل.
يرى المختص الاجتماعي عرفات حلس أن هذه المعطيات تعكس فجوة بين رغبة الأرامل في اكتساب مهارات ومصادر دخل، وبين طبيعة التدخلات المقدمة لهن، إذ تتركز غالبية البرامج على المساعدات الطارئة قصيرة الأمد، بينما تقل المبادرات التي توفر فرص التدريب والعمل وأدوات الإنتاج.
وفي بعض الحالات، ترافق توزيع المساعدات مع ممارسات تمس كرامة المستفيدات، مثل اشتراط التصوير أثناء التوزيع، بدل توفير مسارات اقتصادية تساعد النساء على بناء مصادر دخل أكثر استقرارًا.
فجوة الخدمات
تكشف المقارنات بين البيانات المتعلقة باحتياجات الأرامل ومستويات الاستفادة الفعلية من الخدمات عن فجوة واسعة، إذ تتركز الاستجابات الحالية على المساعدات الطارئة، بينما تبقى خدمات الدعم النفسي والتدريب المهني والمساندة القانونية محدودة مقارنة بحجم الحاجة إليها.
وتبيّن البيانات إلى أن 88.06% من الأرامل يحتجن إلى دعم نفسي، في حين لم تتجاوز نسبة المستفيدات فعليًا 7.27%، بفجوة بلغت 80.79 نقطة مئوية بين الاحتياج والخدمة المقدمة.
ويمتد هذا التفاوت إلى مجال التدريب المهني؛ إذ أعربت 82.44% من الأرامل عن حاجتهن إلى اكتساب مهارات مهنية، بينما لم تتجاوز نسبة من حصلن على هذه الخدمات نحو 5%، بفارق يصل إلى 77.44 نقطة مئوية.
وفي مجال المساعدة القانونية، بلغت الفجوة بين الحاجة إلى الخدمة والاستفادة الفعلية منها 29.22 نقطة مئوية، في ظلّ صعوبات مرتبطة بتعطل المؤسسات القضائية وتقييد الوصول إلى الخدمات القانونية خلال الحرب.
تقر التقارير والتقييمات الإنسانية الصادرة عن الهيئات الأممية والدولية الشريكة بوجود هذه الفجوة الهيكلية؛ حيث تشير البيانات إلى الارتفاع الحاد في عدد الأسر التي باتت تعيلها نساء بقطاع غزة، مع وجود حاجة ماسة للانتقال من الإغاثة الطارئة البسيطة إلى برامج التمكين الاقتصادي التي تحمي النساء من العوز والاستغلال.
تعكس البيانات حجم احتياجات الأرامل الذي يتطلب تغيير طريقة التعامل مع الأزمة، بحيث لا تقتصر الاستجابة على تقديم المساعدات العاجلة، بل تمتد إلى تذليل العقبات التي تمنع النساء من استعادة قدرتهم على إدارة حياتهن وأسرهن.
فالمساعدات الغذائية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتخفيف الأعباء التي تواجهها الأرامل. ويبدأ التعامل مع هذه الأزمة بتسهيل الاعتراف القانوني بأطفال الشهداء الذين ما زالت جثامين آبائهم مفقودة تحت الركام، وتوفير معلومات واضحة للنساء حول حقوقهن، وفتح مسارات للتدريب والعمل تساعدهن على امتلاك مصادر دخل مستقرة والحفاظ على كرامتهن.