أصبح الحصول على لتر ماء صالح للشرب في قطاع غزة رحلة معقدة تحفها المخاطر المشوبة بالتلوث والعجز التشغيلي. فالأزمة لم تتوقف عند حدود الشح الطبيعي للموارد، إذ يشير مختصون إلى أنّها امتدت لتشمل تدميرًا ممنهجًا لخطوط النقل، ومحطات التحلية، وشبكات الضخ، بالتوازي مع حظر إدخال المعدات وقطع الغيار والزيوت اللازمة للتشغيل.
ولتقصي أبعاد هذه الأزمة ومسبباتها الفنية والجغرافية، حلّلت "آخر قصة" بيانات رسمية صادرة عن جهات مختصة وتقارير حقوقية، أبرزها "التعطيش كسلاح إبادة جماعية" الصادر عن مركز الميزان لحقوق الإنسان، في يونيو المنصرم، وربطتها بشهادات ميدانية وثّقتها من مخيمات النازحين، للوقوف على الفجوة بين ما يحتاجه المواطنون وما يصلهم بالفعل من مياه صالحة للاستخدام.
الاستهداف الميداني وانكماش حصة الفرد
وللتحقق من حجم الفجوة بين الاحتياج الأدنى الموصى به دوليًا وما يصل فعليًا للسكان، قارنت "آخر قصة" شهادات العائلات النازحة بالبيانات التشغيلية لمصلحة مياه بلديات الساحل.
وأظهرت المقارنة أن الكمية المتاحة كليًا تراجعت إلى نحو 123,000 متر مكعب يوميًا مقارنة بـ 300,000 متر مكعب يوميًا قبل الأحداث، جراء تدمير شامل أو جزئي طال حوالي 80% من المرافق والشبكات.
إلا أن البيانات التي حللناها تشير إلى أن هذه الأرقام المتاحة قد لا تصل بكاملها للمواطنين؛ إذ يتسرب منها ما يصل إلى 70% في الطريق بسبب تهالك الشبكات. ونتيجة لذلك، انخفضت حصة الفرد اليومية الفعلية من 84.6 لترًا إلى نحو 22 لترًا يوميًا، لا يتجاوز الصالح منها للشرب والتطهير سوى (6-7) ليترات.
وتتقاطع هذه البيانات الرقمية مع تفاصيل الحياة اليومية داخل خيام النزوح؛ حيث يصف المواطن ياسر أنور أبو حبل (38 عامًا)، وهو رب أسرة مكونة من 6 أفراد غرب مخيم النصيرات، صعوبة الحصول على المياه وتوزيعها الميداني.
ويقول أبو حبل: "يعتمد نحو 720 فردًا في المخيم على صهاريج نقل المياه، لكن الكمية المتاحة تعادل نحو 10 ليترات للفرد يوميًا بعد احتساب الفاقد. هذه الكمية لا تكفي الشرب والنظافة الشخصية، مما يسبب مشادات وضغوطًا نفسية، ويضطرنا للاستحمام بماء البحر المالح الذي تسبب في ظهور بقع جلدية على أجساد الأطفال".
ويؤكد نائب المدير التنفيذي لمصلحة المياه، عمر شتات، أن ما يتوفر فعليًا للفرد ينخفض في كثير من المناطق إلى مستويات أدنى بكثير من الحد الأدنى المعياري الموصى به دوليًا في حالات الكوارث (15 لترًا يوميًا وفق معايير اسفير العالمي)، مضيفًا أن الجزء الأكبر من المياه المتاحة أضحى عالي الملوحة.
قيود الصيانة وشلل المولدات
ولفهم أسباب هذا التراجع التشغيلي في مضخات المياه، تتبعت "آخر قصة" مسار دخول المستلزمات وقطع الغيار اللازمة للصيانة.
وكشف التتبع عن حظر متواصل لإدخال زيوت المحركات، وقطع الغيار، ومضخات الكلورة والتعقيم، وسيارات الشفط. وتُظهر البيانات التشغيلية الخاصة بالمولدات أن هناك نحو 220 مولد كهرباء في الخدمة، إلا أن 70% منها يعمل خارج نطاق عمره الافتراضي والمعدلات المسموح بها فنيًا نتيجة نقص الصيانة. وأصبح نحو 160 مولدًا بحاجة ماسة لتغيير الزيت بعد تجاوزها 300 ساعة عمل تشغيلية، فيما تعمل بعض المولدات لفترات تصل بين (500-700) ساعة دون توفر زيوت جديدة.
وفي سياق متصل، تبين بعد تحليلنا للبيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هناك نحو 200 منشأة مياه وصرف صحي تعتمد على مولدات احتياطية تعمل منذ أكثر من عامين ونصف باستخدام زيوت معادة التدوير، مما يضاعف مخاوف الأعطال الميكانيكية المفاجئة وتوقف الخدمة كليًا.
وتعكس شهادة أحد الفنيين في محطة ضخ وسط القطاع التبعات الميدانية لهذا الاستنزاف؛ إذ يروي المهندس الميداني محمود عبد الهادي (42 عامًا): "نعمل منذ أشهر بمولدات تجاوزت عمرها التشغيلي بأضعاف، ونضطر لاستخدام زيوت محركات معادة التدوير ومفلترة يدوياً لعدم سماح الاحتلال بدخول الزيوت الأصلية وقطع الغيار. هذا الحل البدائي يتسبب في توقف المولد فجأة كل بضعة أيام، مما يحرم ألت العائلات في المنطقة من المياه لعدة أيام متواصلة بانتظار عملية صيانة ترقيعية أخرى".
تلوث المياه وتبعاته الصحية
ولتقييم الأثر الصحي المباشر لانقطاع أدوات التعقيم، قارننا الفحوصات المخبرية الشهرية ببيانات الانتشار الوبائي الصادرة عن وزارة الصحة.
وأظهرت المقارنة أن نحو 95% من المياه التي تصل إلى المواطنين غير مكلورة ومناسبة لتكاثر البكتيريا، تزامنًا مع تسرب نحو 40,000 متر مكعب من مياه الصرف الصحي إلى البحر، و15,000 متر مكعب إلى الحفر الامتصاصية والخزان الجوفي نتيجة شلل محطات الضخ.
ويربط رئيس قسم الأوبئة في دائرة الطب الوقائي، الطبيب نضال غنيم، بين هذه الأرقام والخريطة المرضية الميدانية؛ مؤكدًا استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، كالإسهال المدمى، والتهاب الكبد الوبائي (أ)، والتهابات الجلد لا سيما بين الأطفال والحوامل.
وتُجسد شهادة المواطن حسن نوح أبو العمرين (46 عامًا) هذا التقاطع بين انعدام الخدمات والاعتلال الصحي، يقول: "نضطر لنقل المياه يدوياً في أوانٍ وجالونات عبر درجات السلم للوصول إلى الطابق السادس، ما يسبب آلامًا غضروفية حادة في الظهر والركبة. والأدهى أن المياه المتاحة صفيراء وذات رائحة كريهة، وأدت لإصابات معوية متكررة بين أبناء الحي جراء تلوث أدوات النقل والتعبئة".
اقتطاع المساحات وتخريب خطوط ميكروت
ولمعرفة نطاق الحرمان الجغرافي، تقصّينا خرائط السيطرة الميدانية ومواقع آبار المياه الرئيسية. فيما كشفت المراجعة الميدانية أن توسيع قوات الاحتلال الإسرائيلي لنطاق "الخط الأصفر والبرتقالي"، وهي مناطق عسكرية عازلة فرضها الجيش الإسرائيلي ميدانيًا وبدأ بتوسيعها تدريجيًا منذ الاجتياح البري للقطاع، أدى إلى اقتطاع أكثر من 64% من المساحة الكلية لقطاع غزة بحلول عام 2026.
وتسبب هذا التمدد العسكري في إخراج نحو 90 بئر مياه تقع شرق هذه الخطوط عن الخدمة كليًا وحرمان الطواقم من الوصول إليها، رغم أن المياه الجوفية في تلك المناطق الشرقية تعد الأقل تلوثًا مقارنة بالآبار الغربية.
كما تسبب هذا الاقتطاع في تعطيل 22 محطة ضخ و20 محطة تحلية صغيرة، إضافة إلى وقوع أو تضرر 62 محطة ضخ صرف صحي من أصل 78 محطة ضمن مناطق النفوذ والسيطرة العسكرية.
وعلى صعيد مياه الشراء المباشر، أظهرت البيانات انخفاض التدفقات الواردة عبر خطوط شركة "ميكروت" الإسرائيلية (خطوط المنطار، بني سهيلا، وخان يونس التي تزود القطاع بالمياه) إلى نحو 29,000 متر مكعب يوميًا مقارنة بـ 52,000 متر مكعب يوميًا.
وتبيّن لـ "آخر قصة" أن اشتراط السلطات الإسرائيلية التعاقد مع مقاول إسرائيلي خاص كشرط لإصلاح هذه الخطوط القريبة من الجدار، تسبب في استمرار انقطاع خطوط رئيسية تعتمد عليها آلاف العائلات لمدة زادت عن 10 أشهر متواصلة دون صيانة.
وامتدت المخاطر لتستهدف الطواقم الإغاثية الميدانية بشكل مباشر؛ حيث سُجّلت حادثة قصف جوي بتاريخ 17 أبريل 2026 طالت سائقي صهاريج مياه متعاقدين مع "اليونيسيف" في حي المنصورة بالشجاعية شرق مدينة غزة، ما أدى لوفاة وإصابة 4 منهم وتوقف عمليات توزيع المياه الإغاثية مؤقتًا.
أزمة أواني النقل والتأصيل القانوني
ولتقصي الأسباب غير المباشرة لتلوث المياه داخل المنازل والخيام، فحصنا أسعار ومستلزمات التخزين المحلي. إذ تبين أن منع دخول المواد الخام والأنابيب البلاستيكية (المصنفة مواد مزدوجة الاستخدام) رفع أسعار الأنابيب بقطر (1/2 بوصة) إلى نحو 2 دولار للمتر، مما جعل شراء الخزانات والأواني الجديدة أمرًا مستحيلًا على العائلات، ودفعها لاستخدام جالونات قديمة ومتهالكة.
ويوضح المواطن فخري إبراهيم الغول (50 عامًا) من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة نتائج هذه الفجوة: "نستخدم أواني وجالونات بلاستيكية قديمة تم استخدامها مئات المرات. ونلاحظ تلوث المياه واختلاطها بالرمال نتيجة ملامسة الخراطيم للأرض أثناء التعبئة في الشوارع، وشخّص الأطباء أصابة معظم أبناء الحي بجرثومة المعدة جراء هذه الأواني والمياه الملوثة".
ومن واقع تقاطع البيانات التتبعية مع القانون الدولي، يخلص مركز الميزان لحقوق الإنسان إلى أن سياسة التعطيش واستهداف مرافق المياه وحظر مواد التعقيم تشكل انتهاكًا صريحًا للمادة (23) من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة (8) من نظام روما الأساسي، وتندرج كجزء من فرض ظروف معيشية تهدف للإهلاك الفعلي للسكان.
خلف كل رقم موثق في هذا التقرير، تقف عائلة تخوض رحلة يومية مضنية لتأمين أدنى احتياجاتها من المياه. تضافرت عوامل تدمير Bنية التحتية، وشلل المولدات، ومصادرة مستلزمات الصيانة لترسخ أزمة عطش ممتدة في كافة المخيمات. وبينما تتواصل النداءات الأممية لتدارك الكارثة، يواصل الأهالي التكيف مع حصص مائية شحيحة ومياه عالية الملوحة، محاطين بتحديات صحية ونفسية تتضاعف يومًا بعد يوم.