من خلال متابعتي لصفحة إعلامي سوري غيّبته الغربة في تركيا منذ نحو ثلاثة عشر عاماً، كنت أقرأ دائماً عن معاناة اللاجئين في الغربة. ويوماً بعد يوم، بدأت أكتشف أن المعاناة واحدة، وذلك حين أصبحت بعيدة عن الوطن وأقيم إقامةً قسرية في مصر، بعد أن حاولت أن أستغل حقي في النجاة من الحرب والموت، فخرجت مع عائلتي إلى مصر، واستقر بي الحال خالية الوفاض في شقة صغيرة مؤجرة، ولم أعد أملك سوى الحزن والذكريات.
لم أتوقف عن متابعة ما يكتبه ذلك الإعلامي، الذي تجاوز الخمسين من عمره، عن الحياة في مدينة إسطنبول، حيث يغلب عليها ارتفاع مستوى المعيشة. فغلاء الأسعار هو الشكوى الدائمة لكل المقيمين فيها، سواء من أهلها أو من النازحين من بلدانهم، وهذه أيضاً شكوى ابني الذي يكابد مرارة الحياة فيها منذ سنوات، لكنه لا يجد بديلاً عنها.
ويوماً بعد يوم، اكتشفت أيضاً أن الهاربين من بلادهم، تاركين خلفهم الدمار والركام، يعيشون في حالة من عدم الاستقرار، ولا يجدون الراحة حتى حين تنجو أجسادهم، بينما تظل أرواحهم معلّقة بمسقط رأسهم، وثرى بلادهم، والأرض التي شبّوا عليها. ومع كل هذه المشاعر، هناك أيضاً مشاكل الحياة اليومية التي يواجهونها في الغربة، وما أكثرها وما أصعبها.
وهكذا اكتشفت أن مشاكلي في هذا البلد لا تختلف كثيراً عن مشاكل رب أسرة لاجئ من سورية ومستقر في تركيا، أملاً في حياة أفضل لعائلته لا لنفسه. فأنت حين تترك كل شيء خلفك، لا تفكر بنفسك كثيراً، وإنما تفكر بالصغار، وبالشباب والفتيات، وتتأمل حالهم وضياع مستقبلهم، وتعتقد أن الهروب من الحرب يعني أن يفتح المستقبل ذراعَيه لهم.
كتب قبل أيام منشوراً طويلاً حول زيادة إيجارات الشقق في إسطنبول، وأن اللاجئ الغريب هو ضحية لصاحب العقار، الذي يقرر رفع الإيجار بزيادة سنوية غير محسوبة أو مقررة من الحكومة، وإنما وفقاً لما تمليه عليه أطماعه. لذلك كتب عن الزيادة الكبيرة وغير المعقولة التي فرضها عليه صاحب شقته الصغيرة، الواقعة في منطقة مكتظة بالسكان تميل إلى أن تكون حياً شعبياً يجمع أطيافاً مختلفة من العرب والعجم.
ورغم مساوئ المكان من حيث الموقع، فإن ذلك لم يمنع أن تكون هذه الزيادة هي التهديد الأول الذي أصبح يواجهه ذلك الأب في الأيام الأخيرة. وبات لديه خيار آخر، لكنه محفوف بالمشكلات، وهو العودة إلى «الشام»، حسب تعبيره، ما يعني مغادرة بلد أمضى فيه أولاده جزءاً مهماً من حياتهم. فقد وُلد أحدهم في إسطنبول، والتحق الثاني بالمدرسة، ثم أصبح على أعتاب الجامعة، وكوّن علاقات صداقة ودراسة، واعتاد كل فرد من أفراد أسرته على نمط الحياة هناك، رغم سرعتها وقسوتها.
لكن أصبح من الصعب أن تترك كل هذا وتبدأ من جديد في بلد لا يزال يعاني آثار الحرب، وما تركته من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية. وهكذا أصبحت مشكلة التأقلم المشكلة الأكبر، لتأتي بعدها مشكلة عدم توفر فرصة عمل. إلا أن العودة ستحل مشكلة مهمة، وهي أنه كان يمتلك بيتاً خاصاً به في مدينة حلب، ما يعني انتهاء مشكلة تهديد صاحب العقار التركي.
كان هذا الأب حائراً إلى درجة لا توصف، ويشكو من صعوبة الحياة هنا وهناك، وكيف يمكن أن يبدأ من جديد في عمره، وقد أصبح في منتصف عقده الخامس. لكن كل شيء قد ينتهي فجأة، الحيرة، والألم، والمعاناة، والتفكير المفرط، والخيارات الصعبة متشابهة النتائج، حين يختار الموت أن يضع بصمته، وأن يقول كلمته في النهاية.
وهكذا، في فجر يوم الإثنين، تستيقظ على خبر مفجع، وهو وفاة هذا الرجل بعد مضاعفات عملية جراحية في أحد مستشفيات إسطنبول. هكذا تتوقف الحيرة التي كان يكتب عنها كل يوم، وهكذا يرحل الرجل، ويتركك حائراً، تفكر طيلة الوقت في خيارات كلها مريرة، وهكذا يمضي، بينما لا تزال أنت تعاني وتنتظر وتتساءل: كم من اللاجئين يعيشون اليوم الصراع نفسه، بين وطن لم يعد قادراً على احتضانهم، وغربة لم تمنحهم الطمأنينة التي خرجوا بحثاً عنها؟
المقالات ليس بالضرورة أن تعبر عن آخر قصّة.