تنظر نجوى علي (38 عامًا) إلى بناتها الأربع، محاولة أن تقنع نفسها بأن الهدوء الذي يحيط بها يعني شيئًا من الأمان. لكنها سرعان ما تعود إلى السؤال الذي يطاردها منذ بداية الحرب: ماذا لو قُصفنا الآن؟ هل سيكون الحريق أول ما نراه في الخيمة؟ أم سنختفي تحت الركام؟ ماذا لو فقدت بناتي كما حدث مع جارتي؟ وهل سأبقى قادرة على التماسك؟

بعد تفكير طويل يرهقها، تجلس على الأرض واضعة يدها على قلبها محاولة تهدئته. تضيق أنفاسها، ويرتجف جسدها، قبل أن تستيقظ ابنتها الكبرى على صوت أمها وهي تحاول كبح دموعها، فتحتضنها حتى تهدأ.

قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعامين، كانت نجوى تتحمل وحدها مسؤولية تربية بناتها الأربع، أكبرهن تبلغ 13 عامًا، بعدما اضطر زوجها إلى السفر خارج غزة بحثًا عن العمل. عاشت حينها حالة نفسية صعبة، لكن الأحداث ضاعفت مخاوفها، حتى أصبحت تشعر أحيانًا بأنها غير قادرة على رعاية بناتها كما تريد.

تقول: "يأكلني الخوف والقلق من حالة الأمان المزيف الذي نعيشه. يقال إن العنف انتهى، لكنني ما زلت أحزم الضروريات في حقائب. اشتريت خزانة صغيرة حتى أشعر أننا لن ننزح من خيمتنا بعد 15 مرة نزوح، لكنني ما زلت قلقة".

وتضيف: "فقدت الأمل في كل شيء. أصبت بالقولون، إضافة إلى الصداع الدائم، وأنا أعلم أن ذلك بسبب الضغط النفسي وكثرة التفكير. لجأت إلى مختصة نفسية حتى أرتاح، لكنني لم أتخلص من الخوف من صاروخ أتخيله يسقط علينا، ولا من مشاهد الدماء التي جعلتني أكره رؤية اللون الأحمر".

ولا تبدو نجوى ليست حالة منفردة في مجتمع يعيش تحت أثر صدمات متكررة. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 حول الصحة النفسية لدى بالغين في غزة بعد عام من النزاع، أن 83.5% من المشاركين ظهرت لديهم مؤشرات محتملة لاضطراب ما بعد الصدمة، فيما سجل 72.7% أعراض اكتئاب متوسطة إلى شديدة، و65% مستويات متوسطة إلى شديدة من القلق.

بعد أعوام من استمرار الحرب، لم يعد الخوف مرتبطًا فقط بلحظة القصف، إذ امتد إلى اللحظات التي يفترض أن تمنح الناس شعورًا بالراحة. أصبح الهدوء نفسه موضع شك، وكأن غياب الانفجارات ليس نهاية للخطر، بل انتظارًا لاحتمال عودته.

هذا الشعور يرافق نغم كراجة في كل مرة تغادر فيها منزلها. تخرج وهي تلتفت حولها بريبة، وتسأل نفسها: "من أي اتجاه سيأتي الاستهداف؟".

تقول: "ما إن أغادر المنزل حتى أبدأ بلوم نفسي: لماذا خرجت؟ ماذا لو تعرضت للقصف وأنا في الطريق؟ أو ماذا لو استُهدف المنزل وأنا بعيدة عن أسرتي؟ يرافقني خوف دائم من أن أفقد أهلي، أو أن يفقدوني هم، من دون أن تتاح لنا حتى فرصة الوداع".

تضيف: "تغيرت تفاصيل الحياة اليومية. أصبحت أتردد في شراء أي شيء جديد، ليس لأنني لا أحتاج إليه، وإنما لأنني أخشى أن نُجبر على النزوح مرة أخرى. من كثرة ما نزحنا، اعتدنا أن نترك خلفنا مقتنياتنا في كل مرة، وأصبحنا نعيش بعقلية مؤقتة، وكأن الاستقرار لم يعد حقًا يمكننا التمسك به".

هذا الاستعداد الدائم لا يقتصر على النساء، بل يعيشه عبد الرحمن جرادة الذي يبقى عالقًا بين هدوء لا يثق به، وخطر يتوقع عودته في أي لحظة.

أكثر ما يؤرقه احتمال صدور أمر إخلاء مفاجئ يجبره على ترك كل شيء خلال دقائق، خصوصًا مع وجود زوجته الحامل وأطفاله.

يروي وهو يسير نحو مكان عمله: "بحكم عملي كصحافي، كانت عائلتي تنزح إلى الجنوب وحدها، بينما أبقى أنا وبعض أفراد الأسرة هنا. هذا التفرق يزعجني ويخيفني، فماذا لو حدث مكروه لأحدنا؟".

ويضيف: "أعيش خوفًا يوميًا وأنا أسير إلى العمل، فمن الممكن أن تُستهدف خيمة أو بيت أو سيارة في أي لحظة، وهذا جعلني في حالة تأهب مستمرة، وعقلي لا يتوقف عن رسم السيناريوهات المخيفة".

أما آلاء إبراهيم، فتحمل إلى جانب خوفها الشخصي أثر القصف على طفلتها الصغرى التي لم تستطع تجاوز الخوف بسهولة.

بعد انتهاء مرحلة القصف الأولى، بدأت الطفلة ترفض الابتعاد عن والدتها، حتى في الذهاب إلى البقالة القريبة أو اللعب أمام الخيمة. وكانت تستيقظ ليلًا مذعورة وهي تصرخ: "الصاروخ قادم".

تحسنت حالتها بعد أشهر، لكن مع عودة الاستهدافات العشوائية عاد الخوف مجددًا. بقيت ترفض تفريغ حقيبتها أو إخراج ألعابها منها، وتقول لوالدتها: "بدي أكون مستعدة لو إجا إخلاء".

تقول آلاء: "حتى أنا أخاف من النزوح وتجدد الحرب. تأتيني في المنام أحلام باستهدافي وأولادي معًا، فأستيقظ وأنا أصرخ. لكنني أحاول أن أبدو متماسكة أمام أطفالي، وأطمئنهم بأن الغد سيحمل الخير لنا".

ولا يقتصر أثر الخوف على البالغين. فقد أظهرت تقييمات حماية الطفل في غزة أن 79% من الأطفال الذين شملهم التقييم عانوا اضطرابات في النوم، فيما ظهرت لدى 86% منهم مشاعر حزن وانسحاب، و93% سلوكيات عدوانية مرتبطة بتجارب الحرب المتواصلة.

من ناحية أخرى، تحمل مصممة الأزياء ولاء أبو ضباع، خوفًا مختلفًا؛ الخوف من إعادة بناء حياتها ثم فقدانها من جديد. توقفت عن العمل لفترة خلال الأحداث، بسبب خشيتها من تجهيز مكان ومعدات ثم خسارة كل شيء بقصف أو نزوح جديد.

تقول وهي تصمم قطعة ملابس: "قُصفنا مرة، واستشهد أخ زوجي وابنه وبناته. ومن بعدها وأنا طوال الوقت خائفة من استهداف جديد قد يقتل أحدًا منا. ما زالت تداهمني نوبات الأرق، ويهبط قلبي كلما سمعت صوتًا، حتى أصوات السيارات أصبحت تخيفني".

وتضيف: "أنا أم لخمسة أبناء، وكلما خرج زوجي أو ابني أبقى خائفة من احتمال ألا يعودوا. أظل أفكر: ماذا لو حدث لأولادي شيء؟ كيف سأعيش؟ لقد فقدت أملي من شدة خوفي من هذا الأمان المزيف".

المختصة النفسية أسيل صالح أن ما يحدث ليس مجرد خوف عابر. انّه نتيجة طبيعية لتعرض الإنسان لتهديدات متكررة.

تقول: "الدماغ يتعلم من التجارب التي يمر بها الإنسان، وعندما يتعرض لتهديدات متكررة، قد يبدأ بربط الخطر بالبيئة المحيطة كلها، وليس بالحدث الذي سببه فقط".

وتضيف أن اللوزة الدماغية، وهي الجزء المسؤول عن معالجة الخوف، تصبح أكثر حساسية مع تكرار الصدمات، فتستمر في إطلاق إشارات الإنذار حتى عندما لا يكون هناك خطر مباشر.

ومن وجهة نظرها، فإن سكان غزة يعيشون حالة يمكن وصفها بـ"غموض التهديد المزمن"، إذ لا توجد نهاية واضحة للخطر، ما يجعل الدماغ غير قادر على تلقي إشارة ثابتة بأن المرحلة الخطرة انتهت. تقول: "هذه الحالة من أكثر الحالات استنزافًا نفسيًا، لأن الدماغ يبقى في حالة استعداد دائم، منتظرًا حدوث شيء ما".

كما توضح أن الأطفال يتأثرون بدرجة كبيرة بطريقة تعامل المحيطين بهم مع الخوف، مشيرة إلى أنّ الأطفال يلتقطون إشارات الطمأنينة من الأشخاص الذين يعتمدون عليهم، لذلك من المهم التحلي بالصبر والهدوء. حتى الروتين اليومي البسيط والحديث المنظم عن المخاوف والدعم العاطفي بين أفراد الأسرة، كلها عوامل تساعد في خفض مستويات التوتر.

قد يحدث فقدان الإحساس بالأمان، وفقًا لصالح، عندما ترتبط الأماكن اليومية، مثل المنزل أو الشارع أو الخيمة، بتجارب الخطر المتكررة: "قد يجلس الشخص في منزله، لكن جهازه العصبي يتصرف وكأنه مستعد للهرب في أي لحظة".

وتضيف أن استمرار حالة الإنذار يرتبط بما يسمى "الاستثارة الزائدة المستمرة"، وهي من الأعراض المرتبطة باضطرابات ما بعد الصدمة، حيث يستمر الجسم في إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، بينما تصبح قدرة الدماغ على تهدئة استجابة الخوف أقل. مشيرة إلى أن التوتر المتراكم قد يؤثر في قدرة الإنسان على تنظيم مشاعره، وصورته عن نفسه، وثقته بالآخرين، وإحساسه بالأمل.

وتواجه الاستجابة النفسية تحديًا كبيرًا بسبب حجم الحاجة؛ إذ تقدر اليونيسف أن نحو 1.1 مليون طفل في غزة يحتاجون إلى خدمات حماية الطفل والدعم النفسي والاجتماعي بعد أكثر من عامين من الحرب.

من جانبه، يوضح المختص الاجتماعي عرفات حلس أن تكرار الأخبار المرتبطة باحتمال عودة الحرب يزيد مشاعر الخوف، ويدفع بعض الأسر إلى تأجيل خططها وقراراتها الحياتية بسبب التفكير المستمر في احتمالات النزوح أو الموت.

ويلفت إلى أن الأطفال من أكثر الفئات تأثرًا بهذه الأجواء، داعيًا إلى تقليل التعرض للأخبار السلبية، وتعزيز الحوار داخل الأسرة، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية والأنشطة اليومية التي تمنح شعورًا بالتوازن.

من ناحية طبية، يرى أخصائي أمراض الدماغ والأعصاب والطب النفسي، الطبيب عايش سمور أن الخوف استجابة طبيعية تساعد الإنسان على التعامل مع الخطر، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى حالة مستمرة تمنع الشخص من ممارسة حياته الطبيعية.

ويفيد بأنّ اضطرابات النوم، وسرعة الغضب، ونوبات الهلع قد تكون مؤشرات تستدعي طلب المساعدة النفسية ووضع خطة علاج مناسبة.

لا يتوقف أثر الخوف المزمن عند الجانب النفسي، إذ يؤكد طبيب الصحة العامة براء بركة أن القلق والتوتر المستمرين قد ينعكسان على الجسد عبر ارتفاع ضغط الدم، وإجهاد عضلة القلب، واضطرابات الجهاز الهضمي والقولون العصبي، ومشكلات المعدة، وضعف المناعة.

لذلك؛ ينصح بركة بتقليل متابعة الأخبار السلبية، وممارسة أي نشاط حركي ممكن، حتى لو كان المشي، والتعبير عن المشاعر مع أشخاص داعمين.

وبالعودة إلى المختصة صالح التي تشير إلى أن هناك وسائل تساعد الجهاز العصبي على تخفيف أثر الخوف، رغم عدم القدرة على إزالة التهديد الخارجي.

تقول: "يمكن ممارسة التنفس الحجابي لأنه يساعد على تخفيف استجابة الطوارئ، كما أن ملاحظة لحظات الأمان الصغيرة خلال اليوم، مثل شرب كوب شاي أو سماع ضحكة طفل، تساعد الدماغ على إدراك أن الخطر ليس مستمرًا في كل ثانية".

وتؤكد أن ما يعيشه سكان غزة ليس دليلًا على ضعف نفسي، بل استجابة طبيعية لظروف إنسانية استثنائية. وتبين أن الصحة النفسية في مثل هذه الظروف لا تعني غياب الخوف، بل القدرة على مواصلة الحياة رغم وجوده، والحفاظ على الروابط الإنسانية، والتعامل مع النفس بقدر أكبر من الرحمة والتفهم.

على الرغم من تقديم الأونروا أكثر من 340 ألف جلسة دعم نفسي واجتماعي لنحو 730 ألف نازح، بينهم أكثر من 520 ألف طفل، منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023 وحتى ديسمبر 2025، فإن حجم التدخلات لا يزال أقل من الاحتياج المتزايد. وتقول بيانات الأمم المتحدة إن الحرب والنزوح المتكرر وتدمير الخدمات الأساسية أدت إلى تآكل شعور الأطفال بالاستقرار والأمان، فيما يحتاج التعافي النفسي إلى جهود طويلة الأمد تتجاوز توقف القتال نفسه.

في غزة، لم يعد السؤال فقط: هل انتهت الحرب؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يصدق انتهاء الخطر؟ فبين هدوء لا يطمئن، وذكريات لم تغادر الأجساد والعقول، يعيش كثيرون في انتظار دائم لما قد يأتي. لم يعد الخوف مرتبطًا بما يحدث فقط، بل بما قد يحدث، وبذلك الاحتمال المفتوح الذي يرافق الناس في بيوتهم وطرقهم وخيامهم.

حين يصبح الأمان موضع شك، لا ينتهي الخطر بخروج الطائرات من السماء، بل يبدأ تحدٍ آخر: كيف يستعيد الإنسان قدرته على الشعور بالطمأنينة؟