في مشهد يتكرر بسرعة في أروقة العمل الرقمي في قطاع غزة، وجدت إيناس أبو ندى، المهندسة الشابة ذات الخمسة والعشرين عامًا، نفسها فجأة خارج المعادلة التي صنعتها بجهد عامين من العمل المتواصل عبر منصات مثل Upwork وFiverr. رسالة واتساب موجزة كانت كافية لتطوي مسيرتها: "تحياتي م. إيناس، لم نعد بحاجة لمصمم في الوقت الحالي". ولم يكن السبب تقصيراً منها، بل زحفاً صامتاً للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي بدأ يلتهم أدواراً كانت حكراً على البشر.

إيناس التي اعتمدت في عملها على تصميم مخططات بسيطة وأفكار بصرية للشركات الناشئة والأفراد، تلخص واقعها الجديد قائلة: "توقف عملي بالفعل عندما استبدلني عملائي بأدوات الذكاء الاصطناعي، التي تنتج تصاميم في دقائق وبتكلفة تكاد تكون مجانية". 

وتضيف بنبرة تدمج بين الصدمة والواقعية: "أخبرني العملاء الذين كانوا يعتمدون عليّ باستمرار أنهم لم يعودوا بحاجة لمصمم، لأن أدوات مثل Midjourney وCanva AI تعطيهم النتائج ذاتها، ولكن أسرع وأرخص". 

هذا التحول البنيوي أدى إلى شلل مشاريعها بالكامل، لتخرج قسرًا من سوق العمل الحر الذي شكَّل نافذة نجاتها الاقتصادية الوحيدة في وقت كانت فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025) قد دمّرت مكاتب العمل في مختلف القطاعات."

المهندسة أبو ندى ليست وحدها التي واجهت هذا الإقصاء الرقمي المفاجئ كما أنّ الأمر لم يقتصر على هندسة الديكور؛ فعند تتبع القطاعات الرقمية الأخرى، يتضح أن موجة الأتمتة تضرب بشكل منهجي المهن القائمة على المهارة اللغوية والبصرية.

يزن عزام (30 عامًا)، لم يتوقع هو الآخر أن تنتهي سنواته الطويلة في كتابة المحتوى والترجمة إلى هذا الأفق المسدود. بعد أن بنى خبرته عبر عقد عمل دام خمس سنوات، ومشاريع حرة مع جهات متعددة داخل غزة وخارجها، تحول هذا المجال إلى مصدر دخله الحصري. 

يقول عزام: "إن الأمور بدأت تتغير مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة، لتحلّ محل خدماتي البشريّة. لاحظت تراجع الطلب بوضوح، ثم بدأ بعض العملاء ينجزون الأعمال بأنفسهم عبر تلك الأدوات، أو يعتذرون عن الاستمرار معي". فقد عزام نتيجة هذا التغير الجذري معظم مشاريعه، ويتوقف دخله الأساسي بشكل شبه كامل، مما دفعه مرغمًا للبحث عن مهنة بديلة في بيئة منعدمة الخيارات.

ذات التراجع التدريجي والمؤلم واجهته آية الأطبش (30 عامًا) في واقع عملها ككاتبة محتوى. تفيد آية بأنّ "تراجع الطلب على خدماتها بدأ شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى شبه توقف، وذلك كلما زاد عدد العملاء الذين يعتمدون على نماذج اللغات الضخمة مثل ChatGPT بدلاً من الخدمات البشرية". 

وتوضح فجوة التنافسية بالقول: "لاحظت أن الطلب يقل يوماً بعد يوم، وأصبح بعض العملاء يفضلون الذكاء الاصطناعي لأنه أسرع وأقل تكلفة". هذا التآكل المتسارع في حصتها السوقية انعكس بشكل قاسٍ على استقرارها المعيشي، وأجبرها على محاولة الخروج من المجال الذي أتقنته لسنوات بعد تهاوي أسعار المقالات والخدمات بنسب تجاوزت الـ 70%.

ولم تكن الفنون البصرية الرقمية بمعزل عن هذا الاجتياح؛ إذ واجه مصمم الجرافيك أحمد المصري (33 عامًا) تحديات مماثلة عقب الطفرة المفاجئة لأدوات إنتاج الصور والتصاميم الرقمية. 

من واقع تجربته يحلل المصري مشهد السوق، قائلاً: "أصبح الحصول على تصميم جاهز عبر برمجيات مثل Adobe Firefly لا يستغرق سوى دقائق وبتكلفة تكاد تكون صفرًا، وهذا غيّر شكل السوق بالكامل وأثر على الطلب لخدماتنا بشكل مباشر". مؤكدًا أن حجم أعماله تآكل مؤخرًا بفعل تراجع تفضيل "التصميم البشري" لصالح الفوريّة الرقمية.

 

عند تفنيد المعطيات الاقتصادية بالتعاون مع الخبراء، تبدو الصورة أكثر خطورة عند إسقاطها على سياق قطاع غزة تحديدًا. يرى الخبير في سوق العمل، المهندس أحمد محيسن، أن تأثير الذكاء الاصطناعي في غزة يتخذ أبعادًا كارثية تفوق أي مكان آخر في العالم؛ والعلة هنا تكمن في "هشاشة البنية التحتية للسوق أصلاً، والارتفاع القياسي في معدلات البطالة المركبة". 

من خلال مراجعة وثائق قطاع تكنولوجيا المعلومات والعمل الحر، عثرنا على مؤشرات تكشف أن الاقتصاد الرقمي كان يُمثل "عصب النجاة" الخفي للقطاع؛ حيث كان قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطيني يُشغّل نحو9,000 عامل ومستقل.

ووفقًا لبيانات تقديرية، فإن ما يزيد عن  90% من الأسر الفلسـطينية في غزة كانت تمتلك اتصالاً بالإنترنت قبل الحرب، مما دفع آلاف الخريجين ذوي المهارات التقنية العالية -خاصة في الشريحة العمرية (19-29 عامًا) التي بلغت نسبة البطالة بين خريجيها نحو73%  قبل انهيار السوق المحلي- إلى الهجرة الافتراضية عبر منصات العمل الحر العالمية كبديل مستدام وحيد عن السوق المحلي المشلول.

ويوضح محيسن أن اعتماد الشركات والأفراد على هذه الأدوات الخوارزمية ساهم في تقليص وتجفيف فرص العمل في المجالات الرقمية، والتي كانت تُمثل طوال العقد الماضي "المتنفس الاقتصادي والوحيد" للشباب المحاصرين.

هذه التحولات التكنولوجية العنيفة تأتي في وقت تعاني فيه غزة من أزمة وجودية غير مسبوقة. فبالنظر إلى المشهد الإحصائي، وتحديدًا عند مراجعة البيانات المشتركة الصادرة عن منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نجد أرقامًا صادمة تكشف حجم الانسداد، حيث قفز معدل البطالة العام إلى 79.1% منذ اندلاع الحرب، كما سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشًا مرعبًا بنسبة 83.5%.

تعكس هذه الأرقام حجم الضغوط المركبة التي يواجهها العاملون في القطاعات الرقمية، حيث تزامنت خسارة العقود الافتراضية مع انهيار الاقتصاد الحقيقي على الأرض نتيجة الدمار الشامل للمنشآت والمكاتب التجارية.

من الناحية الاقتصادية التخصصية، يوضح المختص أحمد أبو قمر أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بالكامل من الناحية النظرية، لكن خطورته الحالية تكمن في "تقليص الحاجة الهيكلية لأعداد كبيرة من العاملين"؛ حيث باتت المهام المعقدة تُنجز بعدد أقل من الموظفين وفي وقت قياسي.

ويشير أبو قمر إلى أن هذا التدفق للأدوات الرخيصة أسفر عن هبوط حاد في أسعار الخدمات الرقمية المعروضة، وتراجع حاد في أجور العاملين في مجالات التصميم، كتابة المحتوى، والترجمة، لا سيما أولئك الذين يعملون عن بُعد.

من خلال مراجعة واقع العمل الرقمي، نجد تعقيدًا بنيويًا يصفه أبو قمر بـ "مفارقة الحصار التكنولوجي"؛ ففي الوقت الذي يزاحم فيه الذكاء الاصطناعي شباب غزة على أرزاقهم، يواجه هؤلاء الشباب إقصاءً مزدوجًا يتمثل في حرمانهم من استخدام النسخ المدفوعة والمتقدمة من هذه الأدوات (مثل ChatGPT Plus أو غوغل Gemini Advanced). 

ويعود ذلك للحظر الجغرافي المفروض على فلسطين من قِبل بعض الشركات الأم، إلى جانب الانعدام شبه الكامل لوسائل الدفع الدولي وسلاسل الخدمات المصرفية نتيجة الحصار المالي وتداعيات الحرب. هذا الواقع يجعل قدرة الشاب الغزي على "تطوير مهاراته والتكيف" والتنافس مع المستقلين (Freelancers) في العالم أضعف بمرتين.

ويؤكد أبو قمر أن هذا التأثير يتضاعف كسهم مسموم في خاصرة غزة، نظراً لأن العمل الحر والقطاع الرقمي كانا طوال السنوات الماضية بمثابة "مضخة الأكسجين" الاقتصادية الوحيدة لآلاف الخريجين في ظل الانعدام الكامل للوظائف 

تأخذ هذه التحولات المتسارعة، وإن كانت تُصنف عالميًا كجزء من "مستقبل العمل الحتمي" -حيث تشير تقارير صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي يهدد أو يغير هيكليًا نحو 40% من الوظائف عالميًا- إلا أنها في قطاع غزة تأخذ منحى تراجيديًا شديد القسوة. 

ففي حيز جغرافي يعاني من ركام الدمار، وتبعات الحصار الخانق، واقتصاد محطم بالكامل، لم يعد الذكاء الاصطناعي يُمثل ترفًا تكنولوجيًا أو أداة لتحسين الإنتاجية، بل تحول إلى عامل ضغط وجودي إضافي يطارد شبابًا استثمروا سنوات عمرهم في ترويض "العالم الافتراضي" ليتجاوزوا واقعهم المرير.

ويبقى السؤال الأكثر تعقيدًا ملقى في فضاء المساءلة وصناع السياسات والمؤسسات الدولية: كيف يمكن لشاب في غزة، محاصر بين آلة حرب عسكرية تهدم بيته على الأرض، وآلة تكنولوجية افتراضية في السحاب تتعلم وتتطور أسرع مما يمكنه التكيف مهنياً، أن يعيد بناء مستقبله المهني من نقطة الصفر في ظل انعدام شبكات الأمان الاجتماعي الرقمي؟