قبل أن تغادر عائلة السمري منزلهم في حي الشجاعية شرق مدينة غزة مضطرين، في خريف العام الماضي، كانوا يعرفون أن الحرب ستعني الخسارة. لكن ما لم يتوقعه أحمد السمري، الأب لـ 4 أطفال، هو أن يصبح شاطئ البحر الذي لجأوا إليه سجناً من القاذورات.

"نحن على بعد 5 أمتار فقط من مجرى الصرف الصحي الرئيس لمدينة دير البلح"، يقول السمري (44 عامًا) وهو جالس أمام خيمته، بينما يحاول طرده للذباب الذي يغطي كل شيء. "طوال الليل لا نعرف النوم بسبب قرص البعوض، وفي النهار، نراقب أطفالنا خشية أن يسقطوا في المجرى."

هذه ليست مجرد حكاية عائلة واحدة. فوفقًا للعديد من الإفادات، فإن قطاع غزة يشهد كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة، هي نتاج مباشر لنزاع مستمر منذ 32 شهرًا، وما زال يدمر ما تبقى من مقومات الحياة رغم إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

منذ الأيام الأولى للحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقول وثائق وأقوال مسؤولين محليين، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي منعت البلديات من الوصول إلى المكبات الرئيسية للنفايات. ويوضح المهندس طارق الهباش، المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشتركة لإدارة النفايات الصلبة في المحافظات الجنوبية، أن مكب "الفخاري" الذي كان يستقبل 650 طنًا يوميًا من 17 بلدية، أصبح محظورًا.

"حاولنا اللجوء إلى مكبات مؤقتة، لكن المنع طال أمده"، يقول الهباش، وأضاف "فقدنا نحو 1000 حاوية خلال الحرب، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفّر 100 فقط، وحتى قطع الغيار والزيوت والوقود ممنوعة."

نتيجة لذلك، أصبح أكثر من 140 موقعًا عشوائيًا للتخلص من النفايات منتشرة، ومعظمها بجوار الخيام والتجمعات السكانية. 

في مدينة غزة على سبيل المثال، اضطرت البلدية إلى استخدام مكب مؤقت في "سوق فراس" على مساحة 33 دونمًا، حيث تكدس 370 ألف متر مكعب من النفايات الصلبة، قبل أن يتمكنوا مؤخرًا من نقل 170 ألفًا منها إلى موقع آخر لا يزال مؤقتًا أيضًا.

أما شبكات الصرف الصحي، فتقول بلدية غزة إن 220 ألف متر طولي دُمرت، بالإضافة إلى 8 مضخات رئيسية. يحاول العمال إصلاحها بشكل مؤقت، لكن نقص الكهرباء والوقود، ومنع إدخال البطاريات والزيوت، يجعل هذه الإصلاحات أشبه بوضع لاصق على جرح نازف.

سعيد فارس (54 عامًا)، الذي ينزح في مركز إيواء غير منظم غرب غزة مع زوجته و7 أطفال ووالديه المسنين، يصف الواقع بجملة قصيرة: "بالقرب من خيمتي يتم إلقاء النفايات يوميًا، لا ننام ليلاً من الرائحة، والقوارض تأكل طعامنا، والحشرات تلدغ أجسادنا ليل نهار."

في مدرسة مدمرة بحي الرمال، تحاول إسراء شعبان (53 عامًا) رتق خيمتها الممزقة بخيط وإبرة. تقول: “نقلنا الخيمة عدة مرات بأوامر النزوح حتى تمزقت، الفئران تدخل من الثغور  ليلاً، وها قد أكلت الدقيق، وأتلفت ملابس ابنتي التي اشترتها لزواجها الشهر القادم. حياتنا هنا جحيم”.

هذه الظروف، كما يشرح الدكتور رائد أبو سرية، أخصائي الأمراض الجلدية، تنعكس صحيا على الأشخاص: "حالات الحكة الشديدة والطفح الجلدي والتهابات البكتيرية الناتجة عن لسعات الحشرات ارتفعت بشكل لافت، خاصة بين الأطفال وكبار السن".  

وأوضح أبو سرية، أن الحشرات الماصة للدماء – البعوض، البق، البراغيث – تزدهر في برك المياه العادمة وأكوام القمامة، وبالتالي تؤثر مباشرة على حياة النازحين، عدا عن القمل الذي ينتشر بين الصغار.

محمد أبو هربيد (42 عامًا)، أب لـ 5 أطفال أصغرهم يبلغ عامين، قال بمرارة: "القوارض تتلف الدقيق والطعام القليل، ونضطر أحيانًا لاستخدام طعام تالف لأن البديل هو أن ينام أطفالنا جائعين، كل أطفالي مصابون بأمراض جلدية وتنفسية."

ورغم أن الحرب توقفت رسميًا قبل عدة أشهر، إلا أن أكثر من مليوني فلسطيني لا يزالون محصورين في 30% فقط من مساحة القطاع، وفق وثائق أممية وبلدية. وبحسب مسؤولون محليون فإن مواد البناء، الأسمنت، آليات إزالة الركام، الوقود، مبيدات الحشرات، وقطع الغيار ، جميعها أشياء تندرج ضمن قائمة الحظر التي تفرضها إسرائيل.

يقول المهندس الهباش "إن مؤسسات أممية عدة توسطت لدى الجانب الإسرائيلي للسماح بترحيل النفايات إلى المكبات الرئيسية، لكن طلباتهم رُفضت. ولم يتسنَّ الحصول على تعقيب فوري من السلطات الإسرائيلية حول هذه التفاصيل حتى ساعة نشر هذا التقرير".

ما يجري في غزة الآن، كما يصفه المراقبون الدوليون، هو تحويل متعمد للبيئة إلى بيئة طاردة. فمع تدمير محطة معالجة النفايات الطبية في مواصي خانيونس، وانعدام أي برامج منظمة لمكافحة القوارض، يقول الدكتور أبو سرية إن "التدخل المطلوب ليس طبيًا فقط، بل بيئيًا شاملاً".

على شاطئ دير البلح، لا يفكر أحمد السمري كثيرًا في الاحتياجات المعقدة. سؤله أبسط: "أريد فقط أن لا يغرق أطفالي في مياه الصرف الصحي، وأن يأكلوا طعامًا لم تأكله الفئران من قبلهم."

يقف سعيد فارس بجانب كومة قمامة تتضخم خلف خيمته مباشرة، تحت سماء غزة الرمادية، ويقول: "لقد تركونا في ساحة حرب، كل شيء يقتل ببطء."