في الليل حين يهدأ كل شيء، تستعيد مادلين شقليه صوتها القديم. تسمع نفسها وهي تلقي تحية الصباح على المستمعين، فتتذكر كيف كان الميكروفون مساحة أمان لا مجرد وظيفة. تفتح ألبوم إنجازاتها، تتوقف عند تسجيلاتٍ وصورٍ من سنواتٍ مضت، ثم تسقط دمعة صامتة. منذ اندلاع الحرب، لم تعد إلى الاستديو. صمت الأثير، وغاب الصوت.
بدأت مادلين عملها الإذاعي عام 2007، انقطعت مراتٍ ثم عادت، وتنقلت بين عدة محطات: من إذاعة ألوان، إلى الإيمان، فالبراق، قبل أن تستقر في إذاعة زمن، حيث حقق برنامجها الصباحي "على طاولة الصباح" حضورًا لافتًا.
داخل الإذاعة، كان العمل يشبه خلية نحل مزدحمة: الميكروفونات تُعد، والملفات تُراجع، والمحررون ينسقون الأخبار، والمذيعون يتدرّبون، والضيوف يحضرون للمقابلات، والاجتماعات تخطط للأسبوع، بينما يجلس مهندس الصوت خلف لوحة التحكم لضبط كل موجة ونغمة، لتنسج كل تفاصيل اليوم لحنًا متكاملًا يعج بالحياة رغم ضيق المكان.
أما في الفضاء العام، في الصباحات الباكرة قبل الحرب، وقبل أن تستيقظ المدينة تمامًا، كان صوت الإذاعات يسبق ضجيجها. في المركبات التي تقلّ الموظفين والطلبة، كان الراديو يحيّي، يغني، ويقدّم الأخبار، ليجمع ركابًا صامتين على نفس الطقس اليومي. واليوم، تمضي المركبات بصمتٍ أثقل، بلا تحية إذاعية ولا أغنية، فقط فراغ يذكّرهم بأن شيئًا دافئًا كان هنا… ثم غاب.

تتابع شقليه بصوتٍ متحشرج: "تدمرت كل الإذاعات التي عملت بها بلا استثناء. في الهدنة الأولى ذهبت إلى برج رؤية غرب مدينة غزة، ووجدت إذاعة زمن ما تزال قائمة، فرحت كثيرًا. لكن مع عودة الحرب تدمر البرج… وتدمرت معه ذكرياتنا. كانت صدمة".
لا تُخفي المذيعة حنينها إلى يومٍ عادي، تجلس فيه خلف الميكروفون داخل استديو صغير. تقول: "النزاع لم يدمر الإذاعات فقط، بل قطع مصدر دخلي. اضطررت للعمل في مجال لا أعرفه، تعلمت التصوير وكتبت تقارير لأوفر لقمة العيش. لكني أشتاق إلى عالمي الحقيقي".
في اليوم العالمي للإذاعة، تقول شقليه: "نعم، دُمرت الإذاعة وغابت مؤقتًا عن حياتنا. لكني مؤمنة أننا سنعود. سأجلس خلف الميكروفون الذي أحب، وألقي تحية الصباح من جديد بعد أكثر من 17 عامًا من العمل".
يُحتفى باليوم العالمي للإذاعة في 13 فبراير من كل عام. في قطاع غزة، المعروف بمساحته المحدودة وكثافته السكانية العالية، شكّلت الإذاعات المحلية لعقود مساحة يومية للأخبار والذاكرة والموسيقى والتواصل المجتمعي؛ كانت تُسمع في السيارات والبيوت والشوارع، وتنسج خيطًا خفيًا بين الناس وحياتهم اليومية. لكن الحرب غيّرت كل شيء.
بحسب توثيقات إعلامية، تعرّض القطاع الإعلامي لضربة واسعة استهدفت أكثر من 140 مؤسسة إعلامية، بينها منصات رقمية وصحف وقنوات وإذاعات، فأصابت البنية الصوتية للمدينة في عمقها وخلّفت خسائر مالية تجاوزت 400 مليون دولار. في قلب الضربة، دُمرت مقار 22 إذاعة محلية فتوقفت عن البث، وسُرّح آلاف العاملين، وفقدت استوديوهات وأبراج بث وأجهزة إرسال ومكتبات صوتية راكمت ذاكرة سمعية لعقود.
وتشير تقديرات حقوقية إلى أن معظم الإذاعات التي كانت تبث عبر موجات الراديو صمتت بسبب القصف المباشر أو انقطاع الوقود والكهرباء، ما جعل العودة إلى موجة إف إم شبه مستحيلة.
الضرر كان مركبًا، تقنيًا وإنسانيًا ومهنيًا، إذ تحوّل مئات الإعلاميين إلى عاطلين عن العمل أو نازحين، فيما تلاشى حضور الصوت اليومي الذي كان يوحّد المدينة ويمنحها إيقاعها.

المذيع في إذاعة الشعب محمد العايدي يقول بعد رحلة 14 عام قضاها في العمل الإذاعي: "انقطعنا عن الميكروفون، لكن صوتنا لم ينقطع عن الناس. رغم غياب الإذاعة قسرًا، واصلت تقديم رسالتي عبر مواقع التواصل. ومع ذلك، يبقى للجلوس خلف الميكروفون في الاستديو شعور مختلف".
خلال تلك السنوات، قدّم العايدي برامج متنوعة، رافضًا أن يُحصر في قالب واحد. يعتز بجميع تجاربه، خصوصًا برنامج "نبض البلد" الصباحي الذي استمر سنواتٍ عبر الراديو وحقق انتشارًا واسعًا.
يواصل العايدي حديثه وهو ينظر إلى صورةٍ قديمة داخل الاستديو: "الراديو كان دائمًا رفيق الناس، صوتهم وذكرياتهم؛ أغاني الصباح ونبض الشارع. مهما تطور الإعلام، لا يمكن تخيل المشهد دون حضور الإذاعة".
كان للراديو جمهور واسع، في السيارة والبيت والشارع. لم يخفت صدى صوته يومًا، لكن الحرب فرضت صمتًا ثقيلاً. حتى الآن، ما تزال الإذاعات المحلية غائبة عن البث الإذاعي.
تتذكر أم محمد سلامة جهاز الراديو الصغير الذي كان يرافق صباحاتها في المطبخ. تقول بعد تنهيدة: "فقدنا كل شيء، حتى طقوسنا اليومية. لم يمر يوم دون أن أستمع للإذاعة. الراديو ضاع تحت ركام بيتي في جباليا شمالي القطاع… ولم يعد في العمر متسع لأستعيد ذكرياتي معه".
أما المذيعة في إذاعة صوت الأسرى لينا الطويل، فقد دخلت عالم الإذاعة منذ أن كانت في العشرين من عمرها، صقلت مهاراتها في الميدان، وأصبح صوتها مألوفًا لدى أهالي الأسرى، منذ أن غاب البث، لم يصدح صوتها ثانية عبر FM، لتعاني الشوق للاستديو الصغير الذي شهد على كل مراحل حياتها العملية.
تقول وهي تستمع لتسجيل قديم يصدح فيه صوتها: "منذ عشرة أعوام لم يغب صوتي يومًا عن الإذاعة، اعتدت عليها حتى أنني إن خيروني بين عمل وآخر، سأختارها بلا شك، جربت العمل التلفزيوني لكن تربطني في الإذاعة علاقة أُلفة لا أستطيع وصفها".
تضيف: "كلما مررت بجانب برج شوا وحصري وسط مدينة غزة الذي كان يضم مقرّ إذاعة الأسرى وأراه مدمرًا بهذا الشكل، أشعر بالقهر، لم يتبق لنا أي شيء من ذكرياتنا هناك، ولم تكن المرة الأولى التي يدمر مقر الإذاعة فقد قُصف برج الجلاء بغزة الذي كانت به الإذاعة سابقاً، ولليوم ما زلت أرى مشهد البرج أمامي وهو يسقط".

في تجربةٍ مشابهة، وجد المذيع في إذاعة القدس، عماد نور، أحد الأصوات المألوفة في الشارع الغزي، نفسه صامتًا حين توقف البث خلال النزاع، لكن صوته لم يغب عن الناس. في الطرقات، كان السؤال يتكرر: متى تعود إذاعة القدس؟ حضورها الشعبي ظل حاضرًا في الذاكرة، حتى في غياب الصوت الإذاعي.
قبل اندلاع الحرب، كان نور يستمع أحيانًا لصوته من راديو السيارة في طريقه إلى العمل، يبتسم لنبرته المألوفة، ويشعر بحضور بين الناس حتى قبل أن يدخل الاستديو. صوته كان يرافق صباحات آلاف الغزيين، يتنقل معهم في المركبات والشوارع، يشارك لحظاتهم الصغيرة من أغنية إلى تحية صباحية، ومن خبر إلى فقرة ثقافية. هذا الحضور كان يملأ قلبه بالرضا ويذكّره بأن الصوت أقوى من المسافة.
يروي نور: "كنا دائمًا صوت الناس. شعرنا أن العودة واجب، فعدنا عبر الإنترنت. كثيرون تواصلوا معنا ليقولوا إنهم سعداء بسماع أصواتنا من جديد." ويضيف أن العلاقة بين المستمع والصوت أعمق من مجرد برنامج إذاعي؛ فالناس يرتبطون بالأصوات ويميزونها بسهولة، وقد وصلته رسائل تحمل حنينًا واضحًا: "عدنا إلى الزمن الجميل."
ومع ذلك، لا يخفي شعوره بالألم لغيابه الطويل عن جمهوره، لكنه يختم بنبرة تجمع الأمل والحنين: "أشعر بسعادة كلما شاهدت فيديو يستخدم مقدمة برنامجي الصباحية. سنعود يومًا كما كنا، وسنبني ما دُمر، وستظل أصواتنا تصدح."
في اليوم العالمي للإذاعة، لا تحتفل غزة بصوتها كما كانت تفعل. تقف أمام أثيرٍ غائب وذاكرةٍ لا تزال حية في قلوب المذيعين والمستمعين. صمت الإذاعة لم يكن اختيارًا، بل نتيجة حربٍ استهدفت الصوت كما استهدفت كل شيء. ومع ذلك، يبقى الإيمان حاضرًا لدى من جلسوا خلف الميكروفون يومًا: أن الإذاعة ستعود، وأن تحية الصباح ستُقال مجددًا، وأن الأصوات التي رافقت الناس لسنوات ستجد طريقها مرة أخرى إلى الأثير.