بينما تقضي نساء كثر في العالم وقتهن بين صالونات التجميل وتصفيف الشعر، تتشقق أظافر نساء فلسطينيات وتجف شفاههن تحت وقدة شمس تموز/يوليو، وهنّ يمارسن حقهن في الزراعة على أرضٍ دمّر أكثر من 94%  منها داخل قطاع غزة.  

تلك المشقة لم تكن يوماً تطوير موهبة، ولا صناعة إطلالة لأشتال الزينة، بل عمل قسري تفرضه الظروف، بعد أن أصبحت الزراعة أمل البقاء الوحيد لعائلات تترنح تحت وطأة الحصار والحرب للعام الثالث.

تبدأ المزارعات -لا يوجد رقم دقيق حول اعداهن- عملهن منذ ساعات الفجر الأولى، رغم التحليق المكثف للطيران وانعدام الأمن، وهن إما معيلات أسرٍ فقدن عائلها، أو شريكات لأزواجهن في زراعة وقطف المحاصيل. يوزعن أدوارهن بين الحقل والخيمة: نهارٌ في الأرض، وليلٌ في طهي الطعام على مواقد الحطب، مع شحّ غاز الطهي الذي يفاقم معاناتهن.

قبل اندلع الحرب في أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يساهم بثلث ناتجه المحلي من الزراعة، وتشكّل الصادرات الزراعية 55% من إجمالي الصادرات. أما اليوم، وبعد خسائر بلغت 2.8 مليار دولار في القطاع الزراعي وحده، فإن المشهد مختلف تماماً:

ورغم هذا الدمار، تقول مريم عبد السلام (50 عاماً)، التي تسكن خيمة على أنقاض منزلها المدمر شمال غرب بيت لاهيا: "نحن نحاول على قدر ما نستطيع إعادة الحياة لهذه الأرض". وتضيف: "النساء المعيلات ليس بإمكانهن الركون للمساعدات التي تأتي بين حين وآخر، لأنهن سيمتن جوعاً".

تستفيق مريم قبل شروق الشمس، وتنتقل بين خيمتها والحقل تحت تحليق الطيران، وتصف خوفها اليومي من الطلقات الطائشة وطائرات الاستطلاع، لكنها تُتم: "ليس بالإمكان التوقف عن الزراعة، فهي الأمل الوحيد للبقاء صامدين في وجه الفقر وانعدام الدخل".

ختام أحمد (43 عاماً)، أرملة فقدت زوجها في العام الثاني للحرب، تعيل ستة أفراد داخل خيمة من النايلون، تكابد القوارض والحشرات ليلاً، وتذهب إلى الحقل نهاراً بأمعاء خاوية تحت وطأة الجوع وشح المساعدات. تقول بمرارة: "بالكاد تسعفنا أقدامنا بالانتقال للأرض لزراعة الأشتال أو قطف الثمار، لكن ليس باليد حيلة، مجبر أخاك لا بطل". ورغم كل شيء، تمسك بالأمل: "في الغالب سيأتي الفرج".

هاتان المرأتان ليستا وحيدتين؛ فهنّ نموذج لعشرات النساء اللواتي يحملن على أكتافهن مسؤولية البقاء، في وقتٍ تتراجع فيه المشاركة الرسمية للنساء في سوق العمل، وتتجه أغلبية العاملات إلى القطاع غير المنظم – الزراعة والعمل المنزلي – دون حماية قانونية أو اجتماعية.

على مشارف اكتمال عشرة أشهر على وقف إطلاق النار، يواصل مزارعات ومزارعو غزة إحلال المزروعات بدلا من الدمار الذي يخيم على الأرجاء، وذلك بإسناد من منظمات مدنية، من بينها الجمعية العربية لحماية الطبيعة .(APN) تقول رئيسة الهيئة، المهندسة رزان زعيتر، إن الجمعية أطلقت مشروعاً لغرس 30 ألف شجرة في غزة، تشمل الحمضيات والجوافة، بالتشاور مع المزارعين.

ومنذ مارس الماضي، تمكّن المزارعون والمزارعات – بفضل دعم الجمعية – من إنتاج: 11 مليون كيلوغرام من الخضراوات والفواكه (بطاطس، طماطم، خيار، باذنجان، ملفوف، بصل، ثوم)، تم توزيع جزء منها على التكيات والعائلات المحاصرة.

كما زرعوا 70 دونماً (7 هكتارات) من القمح، من المتوقع أن تنتج 160 ألف رغيف خبز هذا الموسم، وهو رقم يبدو متواضعاً أمام الاحتياج، لكنه انتصار رمزي يعيد للحياة بريقها.

لكن التحديات لا تقتصر على الدمار؛ فثمة أرض ملوثة بمواد سامة ناتجة عن صواريخ الحرب. تقول زعيتر إن الجهود تشمل غسل التربة بالماء لتصريف السموم، وإجراء أبحاث علمية بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت لمحاكاة تجارب مشابهة في جنوب لبنان، حيث دُمّرت آلاف الأشجار جراء القصف الأخير.

ورغم أن تقييم "الفاو" يؤكد أن أكثر من 81% من البيوت المحمية ما زالت خارج الخدمة، إلا أن الإرادة أقوى. تقول زعيتر: "الغزاويون يمتلكون إرادة الحياة، ونحن بجانبهم قدر المستطاع". وتؤكد أن الأراضي غير المسمومة ما زالت صالحة، وأن المزارعات والمزارعين يعملون بلا كلل لاستعادة ما تبقى.

في غزة، حيث يغيب الأمان وتنعدم الموارد، تواصل النساء المزارعات صناعة الحياة بأظافر متشققة، وحلق جافة، وقلوب ملؤها الخوف. تلك حكاية الإرادة التي ترويها مزارعات غزة كل صباح، في حقولٍ تنمو بعد موت، وتحت سماءٍ تعجّ بالطائرات، وبأقدامٍ بالكاد تسعفها، لكنها تواصل المشي.. حتى آخر نفس.