لسنوات طويلة، كانت الصورة النمطية الغالبة عن الإعاقة إما أنها حالة لضحية عاجزة تستحقّ الشفقة والإحسان، أو النقيض تمامًا فيُنظر إلى الشخص ذي الإعاقة على أنه بطل خارق، لمجرد قيامه بأبسط مهام الحياة اليومية، أو لامتلاكه هواية، أو تحقيقه إنجازًا ما. لكن في الحقيقة، هذه الثنائية المغلوطة بين العجز المطلق والقدرة الخارقة هي إسقاطات لموروث ثقافي قاصر، يحول دون رؤية الإنسان الحقيقي الذي يقف خلف تلك الصور والتسميات، وإدراك شعوره واحتياجه.

ورغم التطور الحقوقي العالمي في قضايا الإعاقة وتبنّي النماذج الاجتماعية الحديثة التي تؤكد أن العجز الحقيقي يكمن في الحواجز البيئية والمجتمعية لا في الأجساد، إلا أن الفجوة لا تزال عميقة بين النصوص القانونية والممارسات اليومية التي يحكمها الموروث الاجتماعي والصورة النمطية. وفي هذا السياق، تبرز خطورة الصور والأفكار والسلوكيات التي يغذيها ويصدّرها الإعلام، بأشكاله التقليدي والحديث وحتى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فبدلًا من أن يكون الإعلام شريكًا ومساهمًا أساسيًا في التغيير، نجده في كثير من الأحيان سببًا رئيسيًا في تكريس تلك الصور النمطية، وهنا نجد من الأهمية بمكان، الحديث عن "المواءمة المفاهيمية والاتجاهاتية" في قضايا الإعاقة، باعتبارها مطلبًا أساسيًا لتفكيك الإرث الثقافي الملوّث بالإقصاء والتنميط والمفاهيم والتسميات المغلوطة، نحو بناء مجتمعات دامجة تؤمن بالاختلاف كقيمة إنسانية أصيلة.

ما المقصوء بالمواءمة؟

يقول ممثل الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للأشخاص ذوي الإعاقة، ناجي ناجي، إن المواءمة في قضايا الإعاقة، تعني عملية تعديل أو تهيئة البيئة المحيطة، أو الأدوات، أو السياسات، لضمان تمكين الشخص ذي الإعاقة من ممارسة حقوقه وأنشطته مع غيره من الأشخاص غير ذوي الإعاقة. وبمعنى آخر؛ إزالة الحواجز والعوائق الخارجية التي تفرضها البيئة المصممة أصلًا لنمط بشري واحد (الأشخاص بدون إعاقة). والمواءمة تنقل عبء التكيّف من كاهل الشخص ذي الإعاقة إلى كاهل المجتمع ومؤسساته.

ويُقرّب ناجي المعنى خلال حديثه مع "آخر قصّة" بمثال واقعي، عن توفير منحدر (رامب) ومصعد كهربائي وممرات واسعة في مبنى حكومي أو جامعة، وهو ما يمثل مواءمةً بيئيةً تتيح لمستخدم الكرسي المتحرك، كي تتيح لمستخدم الكرسي المتحرك الوصول إلى الخدمة أو المكان، بنفس الكفاءة والاستقلالية التي يدخل بها أي شخص آخر، فالمشكلة لم تكن في قدرة الشخص على الحركة، بل في عجز المبنى عن استقباله.

المواءمة المفاهيمية في قضايا الإعاقة

ولفهم المقصود بالمواءمة المفاهيمية، يستعرض الناشط بقضايا الإعاقة، الاختلاف في الدلالات التي تعكسها في الأذهان تسمية "مُعاق" وتسمية "شخص ذو إعاقة"، مبينًا أن المفهوم الأول يوحي بأن الشخص يُختزَل في إعاقته، دون اعترافٍ بكيانه، وتقديمُ الإعاقة على إنسانيته، بينما في المفهوم الثاني "شخص ذو إعاقة" وهو المفهوم الحقوقي المستحدَث، يُركّز على الشخص نفسه، لتصبح الإعاقة صفة طارئة وليست هوية مطلقة له.

وعليه، يُعرّف ناجي ناجي المواءمة المفاهيمية بأنها عملية فكرية تستهدف تفكيك المفاهيم النمطية والموروثات المغلوطة، لإعادة صياغة الفِهم المجتمعي للإعاقة وفق مقاربة حقوقية خالصة. وهي تكريس لفهم الإعاقة بوصفها جزءًا طبيعيًا من التنوع البشري، وتأكيد أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ ولا تتأثر بالقدرة الجسدية أو الحسية. وتظهر بوضوح في اللغة والمسميات. 

ويضيف: من هنا تبرز أهمية مراجعة الخطاب اليومي المتداول بين الناس، والخطاب الرسمي، وتخليصهما من مفردات الاستعطاف، والإلغاء، والعجز المطلق، هو الخطوة التأسيسية الأولى للتحول الحقيقي في إطار تعزيز المواءمة المفاهيمية. وبالتدريج يتحول هذا الإدراك إلى ممارسات يومية ومواقف مجتمعية عادلة وشمولية.

مزيد من الأمثلة على مواءمة المفاهيم والتسميات، وفق ما يوضحه ناجي، يتمثل في استبدال مصطلحات الاستعطاف مثل "حالات إنسانية/ معاقين/ ذوي الاحتياجات الخاصة"، وكذلك التسميات الاستعراضية مثل "أصحاب الهمم"، بالتسمية الحقوقية "الأشخاص ذوي الإعاقة".

المواءمة الاتجاهاتية في قضايا الإعاقة

ويلفت ناجي، في حديثه لـ"آخر قصة" إلى وجود فرق بين أن ننظر إلى الشخص ذي الإعاقة كمُتلقٍ سلبيّ للرعاية والشفقة، وبين أن ننظر إليه كشريك فاعل ومُكافئ في الحقوق والواجبات. وهذا هو المقصود بالاتجاهات؛ أي زاوية التفكير والنظرة إلى الشخص ذي الإعاقة، والنظرة للشخص ذي الإعاقة، بمعنى أنها الأفكار والمشاعر والأحكام المسبقة الراسخة في العقول والتي تُترجم تلقائيًا إلى سلوكيات وممارسات على أرض الواقع. 

ويضيف مقرّبًا الفكرة، عن الاتجاهات التقليدية السائدة، كأن يُعامَل الشخص ذي الإعاقة من منظور استعطافي يحدّ من طاقاته ويقيد حضوره، لكن في الاتجاهات المواءَمة حقوقيًا، يتم التعامل مع الإنسان- أي إنسان، بغض النظر عن وجود إعاقة لديه- وفق كفاءته، وقدرته المستقلة، وحقه الكامل في تقرير مصيره دون وصاية من أي نوع.

وعليه، فالمواءمة الاتجاهاتية هي عملية تغيير جذري في السلوكيات والأنماط التفاعلية الفردية والمؤسسية، لتنتقل من دائرة الإقصاء، والتجهيل بقدرات الأشخاص، إلى الإدماج والتمكين. وهي اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على التخلص من الأفكار المسبقة وتحويل هذا الكلام النظري إلى قناعات راسخة وممارسات يومية عادلة تعترف بالآخر وتتقبل التنوع المجتمعي.

ولاستعراض أمثلة على المواءمة الاتجاهاتية في الواقع، يُدلّل ناجي خلال حديثه على استبدال السلوك الإداري الذي يرفض توظيف شخص ذي إعاقة بحجة "عدم توفر التسهيلات"، بسلوك مؤسساتي مبادر، يوفر بيئة عمل دامجة وشمولية، تستند في التوظيف على معايير الكفاءة والإنتاجية.

كذلك التحوّل في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة من دافع الاستعطاف والتدخّل للمساعدة دون إذن، إلى سلوك يحترم كيان واستقلالية الشخص. فبدلًا من أن يبادر الشخص من تلقاء نفسه وبدون إذن ليدفع الكرسي المتحرك للشخص ذي الإعاقة الحركية، يفترض أن يطلب الإذن منه أو يسأله إن كان بحاجة أصلًا للمساعدة، وهكذا يكون السلوك مواءَمًا اتجاهاتيًا.

حين تغيب المواءمة المفاهيمية والاتجاهاتية

​كل ما سبق من صور نمطية ومفاهيم قاصرة واتجاهات استعطافية نجده على أرض الواقع، كما يُوضّح ناجي، على شكل عوائق ملموسة، تُقصي الإنسان وتعيق اندماجه. فعندما تغيب المواءمة المفاهيمية والاتجاهاتية عن عقلية صانع القرار أو مدير المؤسسة أو صاحب العمل، تصبح البيئة المحيطة مصممة وكأن الأشخاص ذوي الإعاقة غير موجودين من الأساس، لا تعترف بهم، وتستبعدهم من الحياة والتفاعلات المجتمعية.

ويُبيّن أن هذه الفجوة تظهر بوضوح في المباني والشوارع الخالية من التسهيلات، والمرافق والمؤسسات التي لا تتوافر فيها الممرات المنحدرة "الرامبات" أو الإشارات المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومثلها الجامعات وأماكن العمل غير المهيأة أو غير المواءمة حقوقيًا؛ كلها مظاهر لثقافة مجتمعية تتعامل مع الإعاقة كمشكلة شخصية تخص الفرد وحده، بينما هي مسؤولية مجتمعية تتطلب تهيئة البيئة لتحقيق المساواة وشمول جميع أفراد المجتمع وتمكينهم جميعًا من الوصول إلى مختلف المرافق والخدمات بكل سهولة ويسر.

في المحصلة، لا تقتصر المواءمة المفاهيمية والاتجاهاتية على تصحيح المصطلحات أو تعديل السلوكيات، بل تمثل أساسًا لضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف جوانب الحياة باستقلالية وكرامة. فالفجوة الحقيقية لا تكمن في الإعاقة ذاتها، وإنما في استمرار الصور النمطية، وقصور الوعي، وعجز البيئة والمجتمع عن استيعاب التنوع البشري، بما يحول دون تحقيق المساواة والاندماج الكامل للجميع.