وقف المزارع أحمد خضير في أرضه الزراعية بمنطقة التوام شمالي مدينة غزة، ممسكًا بنبتة فلفل أخضر اقتلعها بيديه بعدما ذبلت وأصابها المرض. راقب جذورها المغطاة بطبقة من التراب، ثم هزّها بخفة قبل أن يحدّق في النباتات اليابسة الممتدة أمامه. الأرض التي اعتنى بها لسنوات طويلة لم تعد تستجيب لمحاولات إنقاذها، فيما تحوّلت الزراعة بالنسبة إليه إلى تحدٍ قاسٍ مع تربة أنهكتها الحرب والملوحة والتلوث.
اقتلع خضير محصوله مرتين خلال الأشهر الأخيرة؛ مرة للباذنجان وأخرى للفلفل، بعدما ماتت النباتات سريعًا. ومع ذلك لم يتوقف عن الزراعة، رغم ما يصفه بعجز التربة عن التعافي من آثار المتفجرات والمياه المالحة.
يقف الرجل داخل أرضه الزراعية، ويوضح حجم الخسائر التي تكبدها خلال الموسم الحالي. زرع ست دونمات بالخيار، وخمسة دونمات بالبندورة، إلى جانب الفلفل والباذنجان، لكن النباتات أخذت تذبل وتموت بوتيرةٍ متسارعة. نقص السماد والمبيدات، واستخدام المياه المالحة في الري، جعل الإنتاج أكثر هشاشة، ودفعه إلى تقليص أنواع المحاصيل التي يستطيع زراعتها مع تراجع الإمكانات المتاحة.

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2025-2026)، تحولت أزمة تملّح التربة من مشكلة بيئية مزمنة إلى تهديد متسارع يضرب ما تبقى من القطاع الزراعي في القطاع. فالقصف الواسع وتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، إلى جانب استنزاف الخزان الجوفي وتراجع الوصول إلى المياه العذبة، دفع المزارعين إلى استخدام مياه أكثر ملوحة لري محاصيلهم، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج الزراعي وسط ظروف انهيار شبه كامل للخدمات.
هذا الواقع أدى إلى تراكم الأملاح داخل التربة الزراعية بمستويات تعيق نمو النباتات وتضعف قدرتها على امتصاص المياه والعناصر الغذائية، لتتحول مساحات واسعة من الأراضي إلى بيئة طاردة للزراعة. ومع الاستخدام المتكرر للمياه الجوفية المتأثرة بتسرب مياه البحر، أخذت النباتات تذبل بوتيرة أسرع، فيما فقدت التربة تدريجيًا قدرتها على التعافي والإنتاج.
ولا تنفصل أزمة التملح عن التداعيات الأوسع للحرب، إذ تواجه الأراضي الزراعية أيضًا تلوثًا بمخلفات المتفجرات وتجريفًا واسعًا طال الحقول والبنية الزراعية، إضافة إلى تدمير شبكات الري ومنع دخول كثير من المبيدات والمواد الزراعية الأساسية. وبين تربة منهكة ومياه غير صالحة للري، يجد المزارعون أنفسهم أمام خسائر متراكمة تهدد مصدر رزقهم والأمن الغذائي في غزة معًا.
في المحافظة الوسطى، حاول المزارع يحيى شلط العودة إلى العمل الزراعي بعد انقطاع فرضته الحرب. أرضه لم تتعرض لدمار واسع كما حدث في شمال غزة، لكنه وجد نفسه أمام مشكلات لا تقل قسوة، تبدأ من انعدام المبيدات وارتفاع أسعار المتوفر منها، وصولًا إلى تدهور جودة التربة والمياه.
يمتلك المزارع شلط ست دونمات يحاول ريّها بانتظام حتى لا تموت المزروعات بالكامل، غير أن الملوحة والحشرات تتسبب يوميًا بخسائر جديدة. كثير من النباتات تذبل أو تتلف بصورة واضحة، فيما تتراجع جودة الإنتاج عامًا بعد آخر، وسط محاولات مستمرة للحفاظ على جزء صالح من المحصول.

قبل النزاع، كان القطاع الزراعي بغزة يساهم بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة بلغت قرابة 343 مليون دولار. لكن تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة تشير إلى أن نحو 80% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت لأضرار، بينما لم يتبقَّ سوى 4.6% من الأراضي قابلة للزراعة. وحتى هذه المساحات تواجه صعوبات حادة نتيجة القيود المفروضة على دخول مستلزمات الإنتاج الزراعي، ما فاقم خسائر المزارعين وأوقف أجزاء واسعة من النشاط الزراعي.
المهندس الزراعي محمد الفرا يربط تفاقم الملوحة بانتشار حفر الآبار العشوائية دون تنظيم، الأمر الذي يؤدي إلى سحب جائر من الخزان الجوفي ويزيد من تسرب مياه البحر إليه. ارتفاع نسبة الملوحة في مياه الري ينعكس مباشرة على شبكات الري الحديثة، حيث تتراكم الترسبات الملحية داخل النقاطات وتؤدي إلى انسدادها.
في الظروف الطبيعية، يلجأ المزارعون إلى ضخ حامض الفوسفوريك داخل الشبكات لتحسين كفاءتها وتقليل الترسبات، لكن منع دخول كثير من مستلزمات الإنتاج الزراعي جعل هذا الخيار شبه مستحيل، فيما تواصل نسبة الملوحة ارتفاعها وتتراجع كميات الإنتاج تباعًا.
وتختلف حساسية المحاصيل الزراعية تجاه الملوحة من نوع إلى آخر. الفراولة والخيار من أكثر المحاصيل تأثرًا، بينما تستطيع البندورة والبطاطا تحمّل درجات ملوحة متوسطة نسبيًا. لكن ارتفاع الملوحة حول الجذور يعيق امتصاص العناصر الغذائية بسبب زيادة الضغط الأسموزي داخل التربة، ما يمنع الجذور من سحب المياه بصورة طبيعية.
كما تتحول البيئة المالحة إلى بيئة مناسبة لتكاثر "النيماتودا"، وهي ديدان خيطية تهاجم الجذور وتتسبب في تعفنها، ما يفتح الباب أمام إصابات فطرية واسعة داخل المحاصيل الزراعية.
وتظهر مؤشرات تملح التربة بوضوح على الأراضي الزراعية، من خلال تشكل طبقة بيضاء فوق سطح التربة بعد تبخر المياه، خصوصًا في الأراضي الطينية، إضافة إلى احتراق أطراف الأوراق واصفرارها وظهور بقع بيضاء عليها، إلى جانب تباطؤ نمو النباتات أو توقفه بالكامل.

المختص البيئي نزار الوحيدي يرى أن تأثير التملح يتجاوز موت النباتات إلى تفكيك النظام الحيوي داخل التربة نفسها. الكائنات الدقيقة المسؤولة عن دورة النيتروجين وتحلل المواد العضوية، والتي يصفها بـ"الجيش المجهري"، تموت تدريجيًا مع ارتفاع الملوحة، ما يحول التربة من بيئة حية إلى وسط جامد فاقد للفاعلية الحيوية.
كما يؤدي ارتفاع نسبة الصوديوم إلى طرد الكالسيوم من التربة، فتفقد الأرض مساميتها وقدرتها على امتصاص مياه الأمطار النادرة، الأمر الذي يضعف تغذية الخزان الجوفي ويعمّق أزمة المياه في القطاع.
بحسب الوحيدي، خرجت آلاف الدونمات القريبة من الساحل وفي مناطق من خان يونس ورفح فعليًا من الخدمة الزراعية، أو تراجعت إنتاجيتها بما يصل إلى 50% بسبب التملح. وفي مناطق أخرى، يضطر المزارعون لاستخدام مياه آبار شديدة الملوحة، بينما تؤدي حرارة الصيف المرتفعة إلى تبخر المياه وبقاء الأملاح على سطح التربة، ما يرفع تركيزها إلى مستويات سامة.
تبدو الزراعة اليوم في غزة معركة استنزاف طويلة ضد تربة منهكة ومياه مالحة ونقص حاد في المعدات والمواد الأساسية. ورغم الخسائر المتكررة، يتمسك مزارعون كثيرون بأراضيهم بوصفها مصدر رزقهم الأخير، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من قدرة الأرض على الإنتاج وسط مشهد زراعي يزداد هشاشة مع كل موسم جديد.