مع اقتراب الانتهاء من العام الثالث للحرب على قطاع غزة، يتبين أن بيئة العمل الانساني فيه ذات خصوصية استثنائية، تمثل تحدياً فريداً من نوعه للوكالات الدولية والمحلية، حيث تدمج بين تعقيدات النزاع المسلح الشديد، والحصار المشدد، والأزمات المركبة (الصحية، الغذائية، البنيوية).

لقد اتصفت خصوصية غزة كبيئة عمل انساني بمنتهى التعقيدات، من خلال فرض الاحتلال لسياسة اغلاق المعابر والقيود الصارمة على دخول الوقود، المواد الطبية، والمعدات الأساسية (مثل المولدات وقطع الغيار)، مما أدى إلى انهيار قطاعات الصحة، المياه، والخدمات الإنسانية

حيث التحكم بالمعابر من قبل قوات الاحتلال، واغلاقها وعدم السماح بمرور شاحنات المساعدات أدى لحرمان اكثر من 2 مليون انسان فلسطيني من تلقى المساعدات، وبلغت الأوضاع ذروتها، حينما اعتمدت إسرائيل الية لإيصال المساعدات للنازحين من الغزيين عبر نقاط محددة مثل زكيم وكوسوفيم إلى ارتفاع كبير في أعداد الشهداء بين منتظري المساعدات،

بناءً على التقارير المتاحة حتى منتصف عام 2025، أدت الآلية الجديدة لإدخال المساعدات عبر نقاط محددة (مثل زكيم وكوسوفيم) إلى ارتفاع كبير في أعداد الشهداء بين منتظري المساعدات. أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الإنسانية منذ بداية الحرب، مع تصاعد كبير في الأعداد بعد اعتماد الآلية الجديدة في نهاية مايو 2025. والتي اطلق عليهم حينها بشهداء لقمة العيش.

لقد تحولت أزمة الغذاء إلى مجاعة حقيقية في بعض المناطق نتيجة منع دخول المساعدات واستخدام التجويع، حيث توقفت مراكز التغذية عن العمل في بعض الفترات. وفي اطار التعقيدات والمخاطر الميدانية، تستهدف قوات الاحتلال الإسرائيلي الطواقم والمنشآت، حيث تعمل الطواقم الإنسانية في بيئة شديدة الخطورة، وتشير تقارير OCHA عن مقتل مئات من العاملين في المجال الإنساني، بما في ذلك طواقم UNRWA، مما يجعلها من أخطر أماكن العمل الإنساني في العالم.

لقد طالت الازمات المركبة بيئة العمل الإنساني في اكثر الظروف تعقيداً، فانهيار البنية التحتية والنزوح أدى الى تدمير أكثر من 90% من مرافق المياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى استمرار العمليات العسكرية التي تعيق الحركة وتجعل إيصال المساعدات شبه مستحيل في بعض المناطق.

لقد أدى شح المياه الصالحة للشرب الى تدافع النازحين على سيارات نقل المياه للتزود بكميات قليلة، وحدوث مشاكل بين العائلات الغزية النازحة بسبب طوابير المياه، وصلت الى حد الشجارات العنيفة بين الأهالي وقتل عدد منهم.

وفي ظل تنامي الاحتياجات الحياتية للنازحين من حيث المأوى وتوفير الخيام للنازحين، وعدم توفر الحد الأدنى من الرعاية الصحية بسبب استهداف المستشفيات والمراكز الصحية وطواقم الأطباء والمسعفين، الى جانب حرمان الالاف من الطلاب من التعليم وتوقف المنظومة التعليمية بالكامل عن عملها، واستخدام المقرات التعليمية لإيواء النازحين، الى جانب عدم توفر المرافق الصحية من الحمامات ودورات المياه، وخطوط الصرف الصحي، وانعدام الخدمات الخاصة بنقل القمامة الى تزايد انتشار الامراض بين النازحين.

وفي ظل تزايد احتياجات النازحين والبيئة المعيشية والحياتية الصعبة، واستمرار العدوان على سكان قطاع غزة، والسيطرة على معظم مساحة قطاع غزة، تتزايد المعاناة يوماً بعد يوم، مع ترافق الصمت الدولي عما يجري في قطاع غزة، والتركيز على الحرب على ايران وتداعياتها الاقتصادية، تتزايد الفجوة وتتسع احياناً بين مكاتب التخطيط في (العواصم الكبرى) وبين حياة الناس في ازقة الشوارع والخيام التي تحميهم حر الصيف وبرد الشتاء القارص.

وفيما يلي تحليل لخصوصية بيئة العمل هذه بناءً على المعطيات المحدثة لعام 2026:

1.سياسة "المنطقة العازلة": أكثر من 126 منشأة إنسانية تقع داخل مناطق عسكرية أو مناطق يخضع الوصول إليها لموافقة إسرائيلية، مما يعقد الحركة والوصول.

2. حصار خانق وقيود إدارية

تقييد حركة الموظفين الدوليين: عدم منح تأشيرات أو تصاريح دخول للموظفين الدوليين، مما يفرض اعتماداً كلياً على الطواقم المحلية التي تواجه ظروف نزوح وأزمات شخصية.

القيود على المنظمات الدولية: أصدرت سلطات الاحتلال لوائح تقيد عمليات العشرات من المنظمات الدولية، مما يهدد بوقف الخدمات الحيوية، وفقاً لتقارير UN experts.

3. أزمات مركبة (شح الموارد ونقص الخدمات)

انعدام الأمن الغذائي والمجاعة: تحولت أزمة الغذاء إلى مجاعة حقيقية في بعض المناطق نتيجة منع دخول المساعدات واستخدام التجويع، حيث توقفت مراكز التغذية عن العمل في بعض الفترات.

انهيار القطاع الصحي: النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات، وتدمير المستشفيات، وارتفاع أعداد الجرحى (أكثر من 172 ألف جريح حتى مايو 2026)، مع انتشار الأمراض والأوبئة.

انهيار الخدمات المالية: تدمير غالبية المؤسسات المصرفية، مما يعيق قدرة المؤسسات الإنسانية على توفير التمويل النقدي أو صرف المرتبات.

4. تحول آليات العمل الإنساني

• الاعتماد على المساعدات المحلية: في ظل القيود، تزايد الاعتماد على المبادرات المحلية والمؤسسات الفلسطينية، لكنها تواجه نفس المخاطر والقيود.

• البحث عن بدائل: شهدت الفترة السابقة محاولات فاشلة لتفعيل "مؤسسات بديلة" (مثل مؤسسة غزة الإنسانية) التي فشلت ميدانياً وساهمت في تعقيد توزيع المعونات.

خلاصة:

إن بيئة غزة الإنسانية لا تُعد منطقة صراع تقليدي، بل "بيئة عقاب جماعي" تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع السياسية والإدارية، مما يتطلب استجابة إنسانية استثنائية تتجاوز البروتوكولات التقليدية.