وسط دمار الحرب واستمرار القصف، تعود الحياة الموسيقية إلى قطاع غزة من خلال معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، الذي أعاد افتتاح مقره الجديد في مدينة غزة، فيما تتواصل أنشطته داخل مخيمات النزوح وسط إقبال لافت من الأطفال والشباب.

داخل مركز إيواء في مخيم النصيرات وسط القطاع، وقفت الطفلة خديجة أبو مطر (10 أعوام) أمام زميلاتها في كورال النصيرات، وبدأت تغني: "طلعنا على الضو، طلعنا على الريح، طلعنا على الشمس، طلعنا على الحرية.. يا حرية يا زهرة نارية يا طفلة وحشية". خلفها، ردّدت زميلاتها الأكبر سنًا الكلمات، على إيقاع عزف صالح جبر.

خديجة هي واحدة من عشرات الأطفال الذين التحقوا ببرامج الموسيقى التي ينظمها المعهد. تقول المدربة شيرين زيدان إن الموسيقى باتت أداة للتفريغ النفسي وتنمية المواهب، بالنسبة لأطفال عاشوا ويلات الحرب على مدار عامين كاملين.

في كلية غزة وسط المدينة، يتلقى طلبة الإيقاع الجماعي تدريبات ضمن برنامج "بدايات غزة" الذي ينظمه المعهد نفسه." تعتمد الحصص على ألعاب موسيقية تجمع بين التعلم والترفيه، ما يساعد، وفق القائمين عليها، على كسر الملل، وتعزيز التركيز، وتنمية الإحساس بالإيقاع والعمل الجماعي.

أما في مخيم الزهور للنازحين وسط غزة، فيقول المدرب سامر النواجحة، المنتدب من معهد إدوارد سعيد، إن الأطفال يواصلون التعبير عن طاقتهم وأحلامهم من خلال الموسيقى، رغم الظروف المحيطة.

هذه الأنشطة تأتي في وقت لم يكن فيه المعهد نفسه بمنأى عن الحرب. فقد تعرض مقره الأصلي للقصف والحرق في بداية الحرب، ليصبح المبنى لاحقًا مائلًا ومعرضًا للانهيار، ما استدعى البحث عن مقر بديل.

تقول مديرة المعهد، المهندسة منال عواد، إن إدارة المعهد كانت حريصة منذ البداية على الاستمرار في تقديم خدماتها رغم القصف، لكن الظروف حالت دون ترميم المقر. ومع انخفاض وتيرة القصف، جرى افتتاح مقر جديد، في خطوة تحمل، بحسب عواد، رسالة بأن المعهد جزء من نسيج الشعب الصامد.

أكبر التحديات، وفق عواد، تمثل في فقدان كل الآلات الموسيقية التي احترقت بالكامل ضمن محتويات المقر السابق، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية واستمرار سقوط الشهداء في ظل وقف إطلاق نار هش. ومع ذلك، تواصل الإدارة العمل بما هو متاح، رغم أن الإمكانات الحالية لا تقارن بما كانت عليه قبل الحرب.

وتلفت عواد إلى المفاجأة بحجم الطلب والإقبال من قبل الشباب وأهالي غزة، إذ تتواصل العشرات من المواهب الراغبة في صقل مهاراتها في العزف والغناء. وتضيف أن هذه المحاولات ليست مجرد استئناف نشاط، بل هي جزء من إعادة الأمل الثقافي والفني، والحفاظ على الهوية الوطنية في أوساط الشباب، الذين بات الفن بالنسبة لهم المتنفس الوحيد في ظل الحرب.

وتؤكد أن وجود مقر وعنوان واضح للمعهد يسهم في تسهيل الوصول إليه والتواصل معه، ليكون حاضرًا بين الخيام وفي قلب المجتمع، معتبرة أن الصمود الحقيقي يكمن في الاستمرار في العطاء رغم الصعاب.