مع كل صيف جديد ترتفع درجات الحرارة عالميًا إلى مستويات قياسية، وتتحول موجات الحر إلى تهديد متزايد للفئات الأكثر هشاشة. وتشير تقديرات دولية إلى أن متوسط حرارة الأرض ارتفع بنحو 1.1 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية نتيجة الاحترار العالمي. 

وفي قطاع غزة، حيث يعيش نحو 1.9 مليون نازح داخليًا منذ الحرب، يجد مئات آلاف الأشخاص أنفسهم داخل خيام مؤقتة مصنوعة من البلاستيك والنايلون، بعد فقدان منازلهم أو تضررها. وبينما تتزايد آثار التغير المناخي عالميًا، يواجه النازحون في القطاع ظروفًا تجعلهم أكثر عرضة لتداعيات الحرارة الشديدة من غيرهم.

ومع دخول فصل الصيف، تتحول الخيام إلى بيئات خانقة تحتجز الحرارة لساعات طويلة، في ظل اكتظاظ المخيمات وضعف التهوية وغياب العزل الحراري. وتتفاقم المعاناة بسبب شح المياه وانقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد، خاصة لدى العائلات التي تضم أطفالًا ورضعًا وكبار سن ومرضى مزمنين، إذ يتعرض هؤلاء لساعات طويلة من الحر والرطوبة والتعرق داخل مساحات ضيقة تفتقر إلى أبسط وسائل الحماية من درجات الحرارة المرتفعة.

في هذه الظروف تبدو موجات الحر خطرًا يوميًا ينعكس على صحة الأطفال الجسدية والنفسية. فبين الجفاف والطفح الجلدي والإرهاق واضطرابات النوم، تتقاطع آثار التغير المناخي مع واقع النزوح الطويل، لتجعل أطفال غزة، الذين يشكلون نحو 47% من سكان القطاع، من أكثر الفئات تضررًا في مواجهة الحرارة الشديدة داخل مساحات هشة وضيقة للغاية. وتظهر آثار ذلك بوضوح في حياة آلاف العائلات التي تحاول حماية أطفالها من الحر داخل الخيام.

في ساعات الظهيرة داخل خيمة نزوح غرب مدينة غزة، كانت آلاء عباس تحاول تهدئة طفلها البالغ من العمر خمس سنوات بعدما غطت الحبوب الحمراء جسده الصغير. كان يبكي مرددًا: "حر يا ماما... تعبان"، بينما لم تجد والدته وسيلة لتخفيف معاناته سوى سكب الماء على رأسه، رغم أن حرارة الشمس كانت قد وصلت إلى الخزان والمياه معًا.

في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب، كانت العائلة تقضي الصيف في منزل بسيط يضم مكيّفين هوائيين ومروحة؛ لكنه على بساطته يعتبر ترف لم تعد العائلة تملكه اليوم حيث يعيش أطفالها داخل خيمة ترتفع حرارتها مع كل ساعة شمس. أبناء آلاء الأكبر سنًا ما زالوا يتذكرون صوت المراوح، أما أصغرهم فقد نشأ في زمن الخيام ولم يعرف أن هناك وسائل يمكنها أن تجعل الصيف أقلّ قسوة.

على أجساد أطفالها الثلاثة تظهر آثار الحر بوضوح؛ طفح جلدي، تغير في لون البشرة، وخمول يرافقهم طوال النهار. محاولة تشغيل مروحة على بطارية لم تغيّر شيئًا، فالهواء الذي حرّكته هو ساخن أيضًا.

هذه المشاهد تتكرر في عشرات مخيمات النزوح، حيث تتحوّل الخيام خلال النهار إلى فراغات خانقة تمتص حرارة الشمس وتحتفظ بها. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتزايد بين الأطفال أعراض مرتبطة بالإجهاد الحراري، تشمل الطفح الجلدي والجفاف والإرهاق وصعوبات النوم.

في إحدى الخيام التي تتراص وسط مدينة غزة، يرفض الطفل عمر (12 عامًا) البقاء في الداخل خلال ساعات النهار. يصف المكان بكلمة واحدة: "فرن". يمضي معظم وقته خارج الخيمة تحت شادر بلاستيكي، ويعود بعد غروب الشمس فقطـ فالحرارة تستنزف طاقته إلى درجة تجعله عاجزًا عن الدراسة أو ممارسة أي نشاط يومي.

والدته إسلام تلجأ أحيانًا إلى منزل عائلتها المتضرر لتمنح أبناءها فرصة للهروب من الحر، فيما تتحول قوالب الثلج التي تشتريها إلى ماء خلال بضع دقائق فقط.

وفي خيمة أخرى جنوب القطاع، تراقب سمية زيد رضيعها البالغ ثمانية أشهر وهو يبكي لساعات طويلة. احتاج الأمر وقتًا حتى تربط بين بكائه المستمر وحرارة الخيمة. حين يمضي الليل في منزل شقيقها ينام بهدوء، بينما تعود المعاناة فور الرجوع إلى المخيم؛ حرارة مرتفعة، بعوض، تسلخات جلدية، وصعوبة في الرضاعة.

ضمن هذه الظروف، يصبح الأطفال الفئة الأكثر تعرضًا للمخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة. أجسامهم تفقد السوائل بسرعة أكبر، وقدرتهم على تنظيم حرارة الجسم أقل كفاءة مقارنة بالبالغين، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للجفاف والإرهاق الحراري وضربات الشمس.

طبيب الأطفال عدي دبور يلفت الانتباه إلى أنّ خطورة الوضع تزداد لدى الرضع والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية أو الأمراض المزمنة، خاصة في بيئة النزوح التي تفتقر إلى التهوية والعزل عن أشعة الشمس المباشرة.

وتشمل المشكلات الصحية المرتبطة بحر الصيف داخل الخيام حالات الجفاف، وضربات الشمس، والطفح الجلدي، والحساسية الناتجة عن التعرق المفرط، إضافة إلى الإسهال الحاد والالتهابات الجلدية المرتبطة بضعف الوصول إلى المياه النظيفة. كما تساهم الحرارة المرتفعة والاكتظاظ وسوء التهوية في تسريع انتشار التهابات الجهاز التنفسي والأمراض المعدية.

بالنسبة للرضع قد تظهر مؤشرات خطيرة وفقًا للطبيب دبور، مثل الخمول، وضعف الرضاعة، وفقدان الشهية، وجفاف الفم والجلد، وقلة التبول أو تغير لون البول إلى الداكن، فيما يعد البكاء دون دموع من العلامات التي تستوجب تدخلاً سريعًا.

تركز توصيات الأطباء على إبقاء الأطفال بعيدًا عن أشعة الشمس المباشرة، وتخفيف الملابس، وتحسين التهوية قدر الإمكان، وتوفير السوائل بصورة مستمرة، مع الاعتماد على الأغذية الغنيّة بالمياه مثل الخضار والفواكه.

الأثر لا يتوقف عند حدود الجسد، يُمسِك العم عبد الهادي سعيد (63 عامًا) بخرطوم مياه يرش فيه أسقف الخيمة من الخارج، أحفاده اثنين رضع مواليد جدد يعانون طفح جلدي ولا يكفون عن البكاء طوال ساعات النهار من شدّة الحرارة. لكن الأزمة تشتدّ عند أمهاتهم اللواتي يعانين اكتئاب وعصبية على إثر ذلك.

أما محمد أبو نصر (44 عامًا) يجلس في خيمته محاطًا بأطفاله الأربعة، تتحول ساعات النهار إلى تحدي يومي لقدرتهم على الاحتمال. يسكب الصغار الماء على أجسادهم مرارًا طلبًا للبرودة، فيما يخصص لهم مساحة صغيرة بين خيمته وخيمة جيرانه لأنها أقلّ حرارة من الداخل. بينما يرافق الإرهاق والخمول أطفاله طوال الصيف، إلى جانب توتر دائم ومظاهر غضب وعصبية تتصاعد مع اشتداد الحرارة.

المختصة النفسية نورا أبو عيطة تربط بين الحرارة المرتفعة وتزايد الضغوط النفسية لدى الأطفال. البكاء المتكرر، اضطرابات النوم، التوتر، وصعوبات التركيز تعد من أكثر المظاهر شيوعًا. الإرهاق الجسدي الناتج عن الحر ينعكس مباشرة على الحالة النفسية، فيما تصبح الأنشطة اليومية البسيطة أكثر صعوبة.

وفي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول وقائية، تبقى تساؤلات عديدة مطروحة: هل توجد خطط لإدخال خيام أكثر ملاءمة لفصل الصيف؟ هل هناك برامج لحماية الأطفال من موجات الحر؟ هل يمكن توفير مراوح أو مصادر طاقة تساعد على التخفيف من درجات الحرارة داخل المخيمات؟ مراسلة "آخر قصة" توجهت بهذه الأسئلة إلى وزارة التنمية الاجتماعية دون أن تتلقى ردًا.

المختص البيئي نزار الوحيدي يضع هذه المعاناة ضمن سياق أوسع. فالعالم يشهد ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة نتيجة الاحترار العالمي، فيما تشير تقارير الأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى ارتفاع متوسط حرارة الأرض بنحو 1.1 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، وسُجل عام 2024 بين أكثر الأعوام حرارة في التاريخ الحديث.

منطقة الشرق الأوسط تُصنف بين أكثر مناطق العالم تعرضًا لآثار التغير المناخي، ويشير الوحيدي إلى أنّ فلسطين شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات حر متكررة تجاوزت فيها درجات الحرارة أربعين درجة مئوية في بعض المناطق.

داخل مخيمات النزوح تتفاقم الأزمة بفعل طبيعة المواد المستخدمة في صناعة الخيام. فالنايلون والبلاستيك يحتفظان بالحرارة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيمة بمعدل يتراوح بين خمس وعشر درجات مئوية فوق الحرارة الخارجية عند التعرض المباشر للشمس، خاصة مع ضعف التهوية.

هذا الواقع يفسر الزيادة في حالات الإرهاق الحراري والجفاف بين الأطفال وكبار السن. كما أن تعرض المواد البلاستيكية لأشعة الشمس لفترات طويلة يؤدي إلى تحللها وإطلاق جزيئات دقيقة ومواد كيميائية تؤثر على جودة الهواء داخل أماكن النزوح.

في غزة، تتقاطع آثار الحرب والنزوح والتغير المناخي في مساحة واحدة هي الخيمة. وهناك، لا تواجه أجساد الأطفال حرارة الصيف فحسب، وإنما تواجه بيئة كاملة تجعل من موجات الحر خطرًا صحيًا يوميًا يتكرر مع كل شروق شمس.