تشكِّل قضايا الطلاق في المجتمعات العربية واحدة من القضايا الحساسة التي يُرفض الإفصاح عنها في أغلب الأحيان، إلى الحد الذي يجعل بعض النساء يُخفين وقوع الطلاق، ويُطِلْنَ كتمانه لفترة طويلة عن الآخرين، ويتعاملن معه كما لو كان سرّاً.
وينظر في الكثير من الأحيان إلى الطلاق من منظور شرعي على أنه "أبغض الحلال"، لا سيما في ضوء وجود أطفال بين الزوجين؛ لذلك فإن وقوعه ليس مدعاة للاحتفاء، إذ يعتبره البعض انهياراً للأسرة وتشتيتاً لها.
غير أن السيدة أماني (*) – وهي فلسطينية تعيش في قطاع غزة، حديثة عهد بالطلاق – قالت إن الظروف التي تعيشها داخل القطاع، وبخاصة حالة الفقر المدقع الذي تعانيه، تحرمها من الاحتفال بالطلاق، وليس القواعد الاجتماعية.
وتعتبر أماني، وهي أم لطفلين، أن حصولها بعد وقت طويل على حكم قضائي يقضي بطلاقها من زوجها، بعدما كانت في عداد المعلقات لمدة تزيد عن ثلاث سنوات دون إعالة، يُعَدّ مدعاةً للفرح؛ نتيجة الخلاص من شخص "مستهتر".
وفي ثقافتنا العربية، وبخاصة في المجتمع الفلسطيني، تُقام الأفراح للزواج، وتُقرع الطبول للبدايات، لكن في الغالب لا يُحتفى بالنهايات، رغم أنها قد تعني ولادة جديدة.
وهنا تقول أماني: "ليس من الضرورة أن تكون النهاية محزنةً، وسبباً في تردي الحالة النفسية والانطواء والاكتئاب، كما تفعل الكثير من النساء، وإنما قد تكون انطلاقة نحو حياة جديدة خالية من المسؤوليات".
طرحنا السؤال التالي: هل يصح أن نحتفل بطلاق امرأة ظلت معلَّقة تسع سنوات بين جدار الزواج وجدار الفراق؟، على المحامي شادي عبد الله، فقال: "ليس بالضرورة أن يكون احتفالاً بالمعنى الحقيقي، ولكن ربما هو تعبير عن فرحة الخلاص بعد صمت طويل استمر لسنوات من المعاناة".
وأشار المحامي إلى أن بعض حالات الطلاق كانت تشهد (أهازيج وزغاريد) من ذوي كلا الطرفين، كناية عن فرحة الخلاص، رغم أنه قد ينطوي على انهيار أسرة كاملة.
المحامية أميرة فارس تكتب:
وانطلاقاً من تجارب أخرى مماثلة، تمكنت المحامية أميرة فارس من إسدال الستار على ما أسمته "واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تأثيراً في مسيرتنا المهنية".
وقالت المحامية فارس: "موكلتنا عاشت تسع سنوات كاملة بين السماء والأرض، لا هي زوجة تنعم بحقوقها، ولا هي مطلقة تستطيع أن تبدأ حياة جديدة. سنوات طويلة من الانتظار، ومحاولات الإصلاح الودي، والصبر على أمل أن تنتهي معاناتها دون اللجوء إلى القضاء، لكن دون جدوى".

وأوضحت أنه في ديسمبر الماضي قصدت مكتبها سيدة تحمل في قلبها كثيراً من الإحباط واليأس، بعدما ظنت أن قضيتها مستحيلة الحل، غير أنها تمكنت من رفع الدعوى، وخلال ثلاثة أشهر فقط صدر الحكم بالتفريق لصالحها مع كامل حقوقها الشرعية والقانونية. وبعد مضي المدد القانونية للطعن، أصبح الحكم نهائياً، وصدر نهاية يونيو الماضي حكماً قطعياً وباتاً.
وأشارت إلى أن أكثر ما ترك أثراً في نفسها، أن موكلتها عندما تلقت الحكم، بقيت صامتة لبعض الوقت، وهي تعيش الصدمة والفرح في آن واحد، حيث أصبحت أخيراً حرة بعد تسع سنوات من التعليق والانتظار. ومن الواضح أن السيدة اكتفت بالصمت، تعبيراً عن حصولها على حقها في الطلاق والخلاص الذي لا رجعة فيه.
الرأي الشرعي:
ومن الناحية الشرعية، فإن الاحتفال بالطلاق كظاهرة أو عادة اجتماعية لإظهار الفرح بحد ذاته غير مشروع في الإسلام، إذ يُعَدّ الطلاق أبغض الحلال إلى الله تعالى، ويُشرع في مثل هذه الحالات حمد الله وشكره سرّاً، دون إقامة الحفلات أو إظهار الشماتة والأشر التي قد تفتح باب المحرمات، وفقاً لفتوى شرعية.
ويجيب الدكتور عقيل بن محمد زيد المقطري، على سؤال: ما حكم الاحتفال بالطلاق؟، فيقول: "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان على المبعوث رحمةً للعالمين، وبعد:
فإن الزواج نعمة من الله عز وجل امتن بها على عباده، فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
والطلاق أمر مبغض عند الله عز وجل، وقد يكون واجباً أحياناً، وحراماً أحياناً أخرى. والله عز وجل إنما شرعه للخروج من الإشكالات الواقعة بين الزوجين إذا صارت الحياة لا تُطاق، وذلك بعد محاولة الإصلاح بينهما؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]. فإن لم يستطع التوفيق بينهما، فالطلاق هو الحل، وهذا ما يسميه بعض المتأخرين بالطلاق الناجح؛ يقول الله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ} [النساء: 130].
ومن الطلاق الواجب: ما إذا كانت المرأة سيئة الأخلاق، ومن المحرم: ما إذا كان بدون سبب، وكان ذلك ينزل الضرر بالمرأة، كأن يعزف الرجال عنها بعد الطلاق.
وعلى كل حال، فإن المرأة تحزن حزناً شديداً بحدوث الطلاق، خصوصاً إذا كان الزوج متعنتاً، أو كان لديها أطفال ولا يوجد سبب وجيه للطلاق، أو كانت صابرة على زوجها، أو كانت مظلومة. وقد تفرح المرأة بالطلاق في حال إذا كان الزوج فاسداً، أو كان ينزل الضرر بهذه المرأة لدرجة أنها لا تستطيع التحمل ولا الصبر.
وفي كلا الحالتين، فإن المرأة هي التي ستتضرر، خاصة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة – للأسف – حيث يُنظر إلى المرأة المطلقة نظرة استنقاص وريبة، وهذا من الأخطاء الشائعة في المجتمع.
فإن كانت هذه المرأة طُلِّقت أو طلبت الطلاق لعدم قدرتها على تحمل ما يحل بها من زوجها، وفرحت بالتخلص من هذا الزوج، فإن هذه الفرحة لا يُعبر عنها بالأشر والبطر وإقامة الحفلات التي قد يخالطها بعض المحرمات؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوتان ملعونان: صوت عند نعمة، وصوت عند مصيبة) [صحيح الجامع الصغير وزياداته 2/708].
بل الفرحة يُعبر عنها بالسجود لله شكراً، وبعمل الطاعات والقربات، كالإنفاق في سبيل الله وغير ذلك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، والله أعلم."