منذ أكتوبر 2023، لم تقتصر أزمة غزة على الدمار المرئي، بل طالت البنية التحتية الخفية التي تنظّم الحياة اليومية تحت سطح المدينة. التحذيرات الدولية تشير إلى أن أكثر من 77% من مرافق المياه والنظافة في القطاع تقع في مناطق خطرة أو معطلة تمامًا، وهو رقم يعكس انهيار منظومة كانت تدير عملية أساسية: التخلص الآمن من المخلفات العضوية. ما كان يُعالج بعيدًا عن الأحياء عبر شبكات ومحطات منظمة، بات اليوم حاضرًا في الشوارع وعلى عتبات البيوت.

في مخيمات النزوح، حيث لا بنية صرف نظامية، يعتمد السكان على مراحيض جماعية محدودة أو حفر امتصاصية عشوائية قرب الخيام. حمّام واحد قد يُستخدم من قبل عشرات أو مئات الأشخاص يوميًا، ما يضاعف الضغط الصحي والبيئي ويجعل التخلص من الفضلات عملية غير منتظمة، تتم أحيانًا في محيط أماكن السكن نفسها. ومع تعطل أنظمة الضخ والمعالجة، انقطعت الحلقة التي كانت تفصل الإنسان عن مخلفاته.

بيئيًا، يُعد تحلل المواد العضوية عملية طبيعية تقوم بها كائنات دقيقة تفكك الفضلات وبقايا الطعام والمخلفات النباتية إلى مركبات أبسط. غير أن غياب أنظمة الإدارة يحول هذه العملية إلى مصدر تلوث خطير. ففي البرك الراكدة والأنابيب المعطلة، حيث يقل الأكسجين، تنشط البكتيريا اللاهوائية وتنتج غازات مثل الميثان وكبريتيد الهيدروجين، ما يؤثر على جودة الهواء ويزيد من العبء البيئي.

من هنا تبدأ حكاية آلاف الغزيين الذين يعيشون فوق أرض لم تعد قادرة على ابتلاع مخلفاتها. من بينهم منة زقوت، التي تقيم مع أطفالها الثلاثة في غرفة خدمات أسفل عمارة سكنية متضررة، بعد أن أصبحت شقتها في الطابق الخامس غير صالحة للسكن بسبب تهدم الدرج المؤدي إليها. في تلك المساحة الضيقة، تختلط الرطوبة برائحة مياه الصرف الصحي التي لا تفارق المكان.

في أحد المساءات، وبينما كانت تُعد العشاء، انفجرت شبكة الصرف فجأة. خلال دقائق، اندفعت المياه العادمة إلى الداخل وغمرت الأرض. وجدت نفسها واقفة وسط مستنقع ملوث، تحاول إبعاد أطفالها عن المشهد.

تقول: "من أصعب ما في الحرب رائحة مياه الصرف الصحي. نزحت قسرًا خمس مرات بين محافظات القطاع، وفي كل مرة كنت أعاني منها. الأصعب رائحة الصرف المختلط بالنفايات، بطعام فاسد أو غيره".

قصة زقوت ليست معزولة، إذ تقدّر منظمات دولية أن أكثر من 80% من بنية المياه والصرف الصحي في القطاع دُمّرت أو تضررت جزئيًا أو كليًا، بما في ذلك محطات المعالجة الكبرى وشبكات الضخ وخطوط النقل الأساسية، ما جعل إدارة المياه العادمة شبه مستحيلة في مناطق واسعة.

يتدفق يوميًا نحو 130 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي الخام إلى البحر الأبيض المتوسط، فيما تتسرب عشرات ملايين اللترات غير المعالجة إلى الطبقات الجوفية، مفاقمةً تلوث البحر والمياه العذبة في آن واحد.

وسط هذا الواقع، يتفاقم التفكك العضوي خارج أي رقابة تنظيمية. تراكم الفضلات وبقايا الطعام داخل شبكات معطلة أو مكبات عشوائية يسرّع التحلل اللاهوائي، فتنبعث الغازات وتتزايد المخاطر الصحية. في عام 2025، أعلنت الإحصاءات الفلسطينية أن 65% من سكان القطاع يتلقون أقل من 3–5 لترات من المياه النظيفة للفرد يوميًا، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب في حالات الطوارئ وفق معايير منظمة الصحة العالمية.

في خانيونس جنوب القطاع، يتكئ عبد الله نصر (60 عامًا) على عكازه متجهًا إلى المسجد عند الفجر، متحسسًا طريقًا بعيدًا عن مياه الصرف التي تغمر الشارع المؤدي إلى منزله المتضرر. يقول: "لم أشهد في حياتي كلها مشهدًا كهذا، ولا حشرات كالتي تنبع من مياه الصرف. وكل هذا في كفة، والرائحة التي تصيبني بالغثيان في كفة أخرى".

الوضع نفسه تعيشه مها عبد الله، في شمال قطاع غزة، إذ تضطر إلى عبور شوارع يغمرها الصرف يوميًا في طريقها من الشيخ رضوان إلى النصر غربي مدينة غزة، حيث تعمل معلمة في إحدى رياض الأطفال. تقول إنها باتت تبحث عن أضرار التعرض المزمن لرائحة الصرف الصحي، مضيفة: "والدتي ترفض السير في أي مكان فيه مياه صرف. تسلك شوارع فرعية حتى لا تدوس عليها، وعند عودتي للبيت تجعلني أخلع حذائي خارجه ثم تنظفه بمطهر الديتول".

المختص البيئي سعيد العكلوك يوضح أن ما يحدث داخل مياه الصرف ليس عشوائيًا في الأصل، بل عملية بيولوجية دقيقة يمكن التحكم بها حين تتوافر البنية التحتية اللازمة. فالمواد العضوية الموجودة في المياه العادمة، كالفضلات البشرية وبقايا الطعام، تخضع لسلسلة من التحولات الكيميائية والميكروبية: جزء منها يتحول إلى غازات خانقة، وجزء يذوب في الماء على هيئة مركبات عضوية ذائبة، بينما يترسب جزء آخر في القاع على شكل حمأة. 

في الظروف الطبيعية، تُسحب هذه الرواسب إلى أحواض خاصة وتُعالج بعيدًا عن البيوت، وتُعقم المياه قبل تصريفها، فلا يشعر السكان بوجود هذه الدورة أصلًا. لكن حين تتوقف محطات المعالجة، لا تختفي العملية، بل تنتقل إلى الشوارع.

التحلل لا يتوقف مع تعطل المحطات؛ بل ينتقل من أحواض مغلقة إلى فضاء مفتوح، والغازات التي كان يُفترض احتواؤها تنبعث اليوم قرب البيوت، والحمأة التي كانت تُجمع وتُعالج تبقى عالقة في الأنابيب المكسورة، هكذا تتحول دورة بيئية صامتة إلى عبء يومي.

قبل النزاع، كانت أنظمة المعالجة تعتمد على ضخ الأكسجين وتحريك المياه باستمرار لتسريع التفكك بطريقة آمنة، لكن اليوم، المياه راكدة، والحرارة المرتفعة تسرّع نشاط البكتيريا، فتشتد الروائح ويزداد تكاثر الحشرات. 

نتيجة لذلك، يحذر العكلوك من أن بعض الكائنات الدقيقة في مياه الصرف ممرِضة بطبيعتها، ما يرفع احتمالات انتقال الأمراض الجلدية والمعوية والتنفسية، خصوصًا في البيئات المكتظة. كما أن ارتفاع درجات الحرارة في مناخ غزة يسرّع النشاط البكتيري ويعجّل بتفكك المركبات العضوية، ما يؤدي إلى زيادة انبعاث الغازات الخانقة، ويفاقم تدهور جودة الهواء في المناطق السكنية المحيطة.

 

قانونيًا، لا تُعد أزمة المياه والصرف في غزة خللًا خدماتيًا فحسب، بل مسألة تمس جوهر الحقوق الأساسية. يرى المحامي طارق الزر أن تدمير أو تعطيل البنى التحتية للمياه والصرف الصحي يرتبط مباشرة بالحق في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية، وهي حقوق يكفلها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

ويشير الزر إلى أنّ المادة 11 من البروتوكول الإضافي للاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان تؤكد حق الإنسان في العيش في بيئة صحية والحصول على الخدمات الأساسية، وهو مبدأ بات يحظى باعتراف دولي أوسع بعد إقرار الأمم المتحدة الحق في بيئة نظيفة وصحية كحق إنساني. وفي السياق ذاته، تحظر اتفاقية جنيف الرابعة تدمير الممتلكات المدنية، بما يشمل البنى التحتية الحيوية اللازمة لبقاء السكان، مثل شبكات المياه والصرف الصحي، إلا لضرورات عسكرية قاهرة.

كما يفرض القانون الدولي الإنساني مبادئ التمييز والتناسب، ما يعني وجوب حماية الأعيان المدنية وتجنب إلحاق أضرار مفرطة بالمدنيين. وبما أن انهيار أنظمة المياه والصرف يؤدي إلى آثار صحية وبيئية ممتدة، يؤكد الزر أن القضية تتجاوز الضرر المباشر، لتطرح سؤالًا قانونيًا أوسع حول مسؤولية ضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة، وفي مقدمتها الحق في بيئة صحية وآمنة.

تتقاطع الأزمات البيئية والصحية في قطاع غزة في مساحة جغرافية ضيقة ومكتظة. ومع استمرار تعطل أنظمة المعالجة، يبقى الهواء والماء مسرحًا لتحلل يجري خارج السيطرة. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى ستظل مياه الصرف تتسرب في الشوارع؟ وما الثمن البيئي والصحي الذي سيدفعه السكان مع كل يوم إضافي من هذا الانهيار؟