يمسك هاني الغول هاتفه بيدٍ مرتجفة، يراقب الوقت وهو يمرّ ببطء، ويعود كل بضع دقائق إلى تطبيقه البنكي. يفتحه بقلق، يتفحص الأرقام، ويتنقل بين حسابه في بنك فلسطين ومحفظة "Pal Pay". كان قد أرسل حوالات مالية بمناسبة عيد الفطر المنصرم قبل بضعة أيامٍ فقط إلى عددٍ من أقاربه، بمبالغٍ متفاوتة، لكنّه فوجئ لاحقًا بأنها لم تصل.
ورغم أن التطبيق أظهر نجاح العمليات، فإنّ الأموال لم تصل إلى مستحقيها. وبعد محاولات للتواصل مع البنك، طُلب منه مراجعة محفظة "بال باي" لمعرفة سبب المشكلة. يقول: "لا أفهم سبب الخلل. من الغريب أنّ عدة حوالات لا تصلّ. من شدة توتري، نقلت كل أموالي من المحفظة إلى البنك لأنه يبدو أكثر أمانًا".
في الأسابيع الأخيرة، أثار خلل أصاب محفظة "Pal Pay" موجة من الغضب بين المستخدمين في قطاع غزة، بعد أن خُصمت الأموال من حساباتهم دون أن تصلّ إلى المستلمين. وسؤال واحد يتكرر: أين ذهبت الأموال؟
بعض المستخدمين استعادوا أموالهم، وآخرون وصلت حوالاتهم بعد أيام، فيما لا يزال آخرون عالقين في حالة انتظار وقلق، وسط بطء واضح في استجابة الدعم الفني وعدم توفر قنوات اتصال فعالة.

تُعد "Pal Pay" واحدة من أبرز المحافظ الإلكترونية المستخدمة في القطاع، حيث يمكن تنزيل التطبيق الخاص بها عبر "Google Play" واستخدامها لإجراء المعاملات المالية. وقد ازداد الاعتماد عليها في ظلّ أزمة السيولة النقدية، نتيجة شحّ النقد الورقي وتقييد السحب من البنوك منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023 وحتى اليوم؛ ما جعلها أداة شبه أساسية في الحياة اليومية.
لكن هذا الاعتماد لا يخلو من المخاطر. وفاء محمد، والدة طفل يبلغ 13 عامًا، تروي أن ابنها الذي يعمل بالبيع على بسطة صغيرة في دير البلح وسط قطاع غزة، باع بضاعة بقيمة 300 شيكل، حُوّلت إلى محفظته عبر التطبيق. ورغم ظهور إشعار التحويل، لم يظهر المبلغ في الحساب عند التحقق لاحقًا.
تقول: "كان هذا كل ما يملكه ابني. كان سيشتري به بضاعة جديدة. لكنه اكتئب وجلس في البيت أيامًا. لا يعرف المشتري حتى يطالبه. ينتظر فقط أن تصل الحوالة".
ما حدث مع نبيل أبو الكرم لا يختلف كثيرًا. أرسل 1000 شيكل، لكن المبلغ لم يصل. حاول التواصل مع البنك ومع "Pal Pay" عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، دون نتيجة حتى الآن.
يقول: "أن تفقد أموالك دون أن تعرف أين ذهبت، هذا أمر مخيف. صحيح أن بعض الحوالات عادت أو وصلت، لكن استمرار الخلل لأسابيع يجعلني أخشى على أموالي".
أما أماني عوض، فكانت تنتظر حوالة بقيمة 100 دولار ليلة عيد الفطر، لكنها لم تصل. وبعد متابعة شكاوى مشابهة على "فيسبوك"، تأكدت أن المشكلة عامة.
تقول عوض: "كنت أعتمد على هذا المبلغ لتسديد ديون وقسط روضة. كل يوم أنتظر. أتابع ما يكتبه الناس على فيسبوك، وأتمنى أن تصل الحوالة".
وفي محاولة للحصول على توضيح، تواصلت "آخر قصة" مع خدمة محفظة " Pal Pay" للتواصل مع العملاء عبر "واتساب"، حيث جاء الرد بأن معالجة الحالات تستغرق بين 7 و10 أيام عمل. كما تعذر الوصول إلى ممثلين للشركة في غزة للحصول على تعليق أو تفسير لغياب قنوات تواصل فعالة.

من جانبه، يقول المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أحد أبرز تحديات التكنولوجيا المالية في غزة يتمثل في ضعف البيئة البرمجية للمحافظ الإلكترونية، حيث يؤدي أي ضغط على النظام إلى خلل مباشر في العمليات.
ويرى أن هذه الأعطال تعود إلى خلل تقني ناتج عن ضغط على النظام أو أعمال صيانة، ما يؤدي إلى تعليق الحوالات أو فشلها، ناصحًا بعدم تكرار التحويلات ومتابعة سجل العمليات حتى استقرار النظام. كما يحذر من ضعف الحماية في بعض التطبيقات، إضافة إلى الأعطال المتكررة، وتكلفة التواصل مع الدعم الفني، إذ إن المكالمات غالبًا مدفوعة.
ويضيف أن تطبيق الشمول المالي في غزة جاء بشكل شبه قسري نتيجة شح السيولة، لكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة، ما يستدعي تطوير البنية التقنية وتحسين خدمات الإنترنت بالتعاون مع شركات الاتصالات وسلطة النقد.
ويؤكد أبو قمر أن هذه الأعطال تؤثر بشكل مباشر على السوق، إذ تعرقل عمليات البيع والشراء، وتدفع الأفراد إلى استخدام أكثر من محفظة أو حساب بنكي لضمان إتمام معاملاتهم، رغم الصعوبات في فتح حسابات جديدة.
في ظل هذا الواقع، باتت المعاملات المالية الرقمية في غزة خيارًا مفروضًا أكثر منه اختيارًا. ومع استمرار الأعطال التقنية، يجد المواطنون أنفسهم عالقين بين الحاجة إلى هذه الأنظمة، وانعدام الثقة بها، في وقت تتزايد فيه الضغوط اليومية، وتتعقد فيه أبسط تفاصيل الحياة الاقتصادية.