في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ "يوم العمال" في الأول من مايو، يواجه العمال الفلسطينيون واقعاً اقتصادياً قاسياً غير مسبوق، حيث كشفت بيانات رسمية قامت "آخر قصة" بتحليلها، عن أرقام صادمة للبطالة في الضفة الغربية، في الوقت الذي تشير فيه التقديرات المهنية إلى أن قطاع غزة يعيش أعمق أزمة تشغيل في التاريخ الحديث، مع أرقام تُصنف بين الأعلى عالمياً.

وبينما تخرج مسيرات العمال في العواصم للاحتفاء بيومهم، يخرج الفلسطينيون إلى سوق عمل يعاني من شلل تام، حيث ترزح الضفة تحت الحصار، فيما اقتصاد غزة محطم ومدفون تحت الأنقاض كنتيجة حتمية بعد عامين من الحرب.

الضفة الغربية: من 13.1% إلى 31.3% في عامين

لم يلتفت محمود عبد الواحد (اسم مستعار) إلى الرزنامة ولا يلق بالاً إلى أي مناسبة لا عيد العمال ولا غيره، وكل ما يهتم به الآن هو كيف يحقق أجر يومي بلا أي خصومات داخل محل لبيع اللحوم المجمدة.

عبد الواحد (40 عاماً)، حاصل على درجة البكالوريوس في القانون من إحدى الجامعات الجزائرية، وعمل في سلك المحاماة أكثر من 12 عاماً، والآن أصبحت تلك المهنة خلف ظهره، بعدما فقد مكتبة خلال الحرب على غزة، وقضي على النظام القضائي برمته. 

يقول الرجل الذي اختلطت لحيته بالشعر الأبيض، "ليس هناك مدعاة للفخر بيوم العمال، لأن كل المناسبات قتلت في عيوننا، العيد هو اليوم الذي أستطيع فيه تغطية نفقات أسرتي وتلبية احتياجاتها، حيث أنني أتقاضى أجرا يوميا مقداره (50 شيكلا)، وبدلاً من أن أرتدي البزة الرسمية، وأضع ربطة العنق، أصبحت أرتدي مريول الجزارة". 

سوق (الخردوات) في خانيونس - جنوب قطاع غزة (صورة وكالة وفا)

ويعد عبد الواحد، أحسن حالاً من غيره، فهو يصنف الآن ضمن فئة الـ20% من السكان الذين يمارسون العمل بمفهومه العام- بعيدا عن تداعيات العمل في مهنة تتعارض كليا مع تخصصه-فيما أن 80% تقريبا مشمولون ضمن طابور البطالة الطويل. 

ووفقاً لأحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS) - التي اطلعت عليها آ"خر قصة" وتعود لشهر مارس 2026 - ارتفع معدل البطالة في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق من 13.1% في عام 2022 إلى 31.3%  في عام 2024، مسجلاً أعلى مستوى له منذ بدء المسح في مطلع الألفية.

ثم استقر المعدل عند 28.7%  في عام 2025، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة (اندلعت في أكتوبر 2023).

هذا الارتفاع المفاجئ لا يمكن إرجاعه إلى تقلبات موسمية، ولكنه نتيجة مباشرة لسياسة الضغط الاقتصادي الذي يمارسه الاحتلال الاسرائيلي، بدءً من تعليق المقاصة، وتقييد التنقل، وإغلاق المعابر، ومنع عشرات الآلاف من العمال من دخول أراضي 1948، الأمر الذي يؤكد أن هذه ليست بطالة هيكلية، بل خطة عقابية، سببها الاحتلال والقيود المصاحبة للحرب، وفق تأكيدات باحثون اقتصاديون. 

غزة: عندما تغيب الأرقام، تحضر التقديرات العلمية

وبالاطلاع على بيانات الجهاز المركزي للإحصاء فهي تخلو تماماً من أرقام قطاع غزة للأعوام الثلاثة الأخيرة على التوالي: 2023 و2024 و2025. علماً أن آخر معدل مسجل لغزة قبل الحرب كان 45.3% عام 2022.

لكننا لم نستسلم إلى هذا الفراغ في جداول البيانات الرسمية، حيث قمنا بتحليل الأرقام استناد إلى، مجموعة من العوامل للوقوف على واقع البطالة في قطاع غزة. 

وبناء على العلاقة التاريخية الثابتة بين بطالة الضفة وبطالة غزة، فإن الأخيرة كانت أعلى بنحو 2.5 إلى 3 أضعاف بين 2012-2022.  عدا عن أن مضاعفة درجة الدمار في غزة مقارنة بالضفة (تهجير نحو 1.9 مليون شخص، تدمير أكثر من 70% من المساكن والمنشآت الاقتصادية والمصانع والأراضي الزراعية، بحسب تقديرات أممية وأوروبية). إلى جانب غياب أي نشاط اقتصادي منظم في معظم مناطق القطاع لمدة تقارب 18 شهراً.  

كل ذلك، جعل "آخر قصّة" تخلص إلى تقدير وفقاً لنمذجة إحصائية تعتمد على مرونة سوق العمل الفلسطيني:

بناء على المعطيات الآنفة، فإن بطالة غزة ليست مجرد رقم، بل هي حالة من العدم الوظيفي الكامل، حيث أن القطاع يعيش ما يعرف بـ"اقتصاد الظل"، بعدما أصبح العمل المنتظم استثناءً وليس قاعدة.

فلسطين ككل: أكثر من نصف العمال دون عمل

بتطبيق تقديرات غزة (86%) على الحجم السكاني التقريبي (الضفة 3.2 مليون، غزة 2.1 مليون نازح ومتبقٍ)، وباستخدام معادلة الترجيح السكاني، فإن:

معدل البطالة الإجمالي في فلسطين (جميع الأراضي) لعام 2024-2025 يُقدر بين 54% و57%.

هذا يعني أن واحداً من بين كل اثنين من العمال الفلسطينيين (الذين هم في سن العمل ويبحثون بنشاط) لا يجد أي عمل.

وعلى سبيل المقارنة، فإن جنوب أفريقيا (أعلى بطالة مسجلة عالمياً في الدول غير الحربية) بنسبة 33%.، في حين أن في فلسطين النسبة المقدرة الآن، أعلى بـ 20 نقطة مئوية من جنوب أفريقيا.

وبحسب احصاءات صادرة عن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، فإن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تسببت في انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية في القطاع، حيث وصل عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 550 ألف شخص، بنسبة 38% من إجمالي اليد العاملة في الأراضي الفلسطينية، فيما قُدرت الخسائر التي تكبدها العمال بأكثر من 9 مليارات دولار.

على ضوء ذلك، يأتي يوم العمال هذا العام ليس للتذكير بالعمالة المنتظمة فقط، بل للإشارة الواضحة إلى انهيار العمل في جزء كبير من الأرض الفلسطينية.

في هذا السياق قال الباحث في الشأن الاقتصادي بغزة أحمد أبو قمر، "سوق العمل في القطاع تلقى ضربة قاصمة خلال الحرب، معدلات البطالة قفزت من نحو 45% قبل الحرب إلى قرابة 80% حالياً، وهي من أعلى النسب المسجلة عالمياً."

ويكشف أبو قمر عن تغيّرات هيكلية عميقة تفسر هذه القفزة التاريخية: "المصانع إما دُمّرت أو توقفت عن العمل بسبب نقص المواد الخام والطاقة، والأراضي الزراعية تضررت على نطاق واسع، أو أصبحت مناطق خطرة، كما أن الصناعة والزراعة، اللتان كانتا العمود الفقري للاقتصاد المحلي، انهارتا بشكل شبه كامل."

ويضيف أن هذا الانهيار دفع بآلاف العمّال وأصحاب المهن إلى "الخروج القسري من دائرة الإنتاج المنظّم"، والدخول إلى اقتصاد مواز مختلف كلياً. ومن أكثر ملامح هذه الأزمة تعبيراً عنها، برأي أبو قمر، هو صعود "مهن البقاء" التي لم تكن موجودة قبل الحرب، كأعمال التوصيل في ظل صعوبة التنقل، إصلاح العملات الورقية المهترئة، بيع العملات، التحطيب وبيع الحطب، تجارة صغيرة مرتبطة بالمساعدات الإنسانية، وغيرها. 

ويقدر أن هذه المهن باتت تشكّل أكثر من 40% من سوق المهن في غزة، وهي ظاهرة لم يسبق لها مثيل. لكن ربما الأكثر إيلاماً، كما يصفه أبو قمر، هو تحوّل الأكاديميين والموظفين السابقين إلى باعة جائلين: "بات من المشهد الطبيعي اليوم أن نجد أكاديمياً جامعياً أو موظفاً سابقاً يقف خلف بسطة صغيرة، يبيع بعض السلع التي اشتراها من أشخاص آخرين حصلوا عليها عبر المساعدات."

وهذا التحول، كما يؤكد الباحث، فإنه لا يعكس فقط تدهور الدخل، بل "حجم الانكسار الذي أصاب الطبقة الوسطى، التي كانت تشكّل عنصر التوازن الاجتماعي والاقتصادي في القطاع قبل الحرب".

ويحذّر أبو قمر من أن "مهن البقاء" هذه، رغم أهميتها المرحلية، لا تولّد ناتجاً محلياً حقيقياً، "فهي في جوهرها أنشطة استهلاكية أو إعادة توزيع لما هو موجود أصلاً، وليست أنشطة إنتاجية، واستمرار هذا النمط الاقتصادي لفترة طويلة سيؤدي إلى تعميق حالة التشوّه في بنية الاقتصاد المحلي، ويجعل عملية التعافي أكثر صعوبة وتعقيداً." 

ورغم قتامة المشهد، يرى أبو قمر أن هذا الوضع طارئ قابل للتحسن، ولكن ذلك مشروع "بزوال مسببات الحرب والحصار، وفتح المعابر، وإدخال المواد الخام، حيث يمكن بعدها أن تبدأ عودة تدريجية للاقتصاد المنظّم والمهن المعروفة، كالزراعة والبناء والصناعة والخدمات."

 ومع عدم وجود أفق سياسي لإعادة الإعمار أو رفع القيود والحصار والسماح بتدفق أموال المقاصة إلى خزينة السلطة، سنكون أمام خريطة طريق للفقر واليأس والهجرة القسرية، لاسيما أن سوق العمل الفلسطيني - خاصة في غزة - يواجه خطر الضياع لجيل كامل.