على فِراشٍ قديم داخل خيمة نزوحٍ مُتهالكة، وسط قطاع غزة، تجلسُ ليلى عوض (45 عامًا) تُقلّب بين يديها وثائقَ ثبوتية، تُخرجها كلّما أرادت التسجيل في رابط مُساعدات جديد أملًا في الحصول على أيّةِ معونة؛ لكن بالنسبة لمنظومات الإغاثة، ليلى غير مرئية؛ فهي عزباء، وخارج تصنيف "رب الأسرة" الذي تشترطه غالبية برامج الإغاثة الإنسانية للاستفادة من المساعدات الطارئة.

لا طرود غذائية تصلها، ولا مساعدات نقدية تُسعِفُ أدنى احتياجاتها الأساسية، لتجد نفسها محاصرة بين قسوة النزوح، وظُلم الإقصاء، ومعايير إغاثية غير عادلة، كما تصِف ليلى، التي تعيش في مُلحقٍ مُستقل، عبارة عن شوادر مهترئة، بجانب خيمة أخيها النازح مع عائلته، وتقول ساخطةً: "نُريد حلًا مُنصِفًا، فما يحدث لنا ظلم، هذه المساعدات حقٌ لكل شخص مُحتاج بغض النظر عمّا إذا كان متزوجًا أم لا".

حالة ليلى ليست استثناءً عابرًا، أو اسمًا لمُستفيدٍ سقط من النظام عن طريق الخطأ، فهي تُمثّل شريحةً واسعةً لا تراها برامجُ الاستجابة الإنسانية الطّارئة في القطاع: العازبون وغير المتزوّجين من الإناث والذكور ممّن تتراوح أعمارهم بين 20-30 عامًا.

فمن يتحمّل مسؤولية الحقوق الغائبة- منذ 3 سنوات- لهذه الشريحة الواسعة من المواطنين؟ ومن يُحدّد معايير الإغاثة الطارئة، وما مُبررات الجهات الإنسانية العاملة في غزة لإسقاط عشرات آلاف الأشخاص من قوائم المُستفيدين، في ظلّ اتّساع رُقعة الاحتياج الإنساني؟

هذه التساؤلات تكتسبُ أهميةً أكبر عند ربطها بالسياق الاقتصادي في قطاع غزة، حيث الانهيار الشامل الذي تصاعد منذ أحداث أكتوبر 2023، وعلى مدار سنوات الحرب، التي شهدت خلالها الأوضاع المعيشية انحدارًا حادًا وصل مستويات غير مسبوقة، فبلغت نسبة البطالة بين سكان غزة 80% حتى منتصف 2026 بعد أن كانت 45% عام 2022.

ويتجاوز الفقر حاليًا 93%، مقارنة مع 65% في 2022، فيما ارتفع مُعدل انعدام الأمن الغذائي من 65% في العام نفسه إلى 75% العام الحالي. فضلًا عن فَقد أكثر من 250 ألف عاملٍ لوظائفهم بشكل دائم، في ظلّ توقّف معظم المنشآت والمؤسسات عن العمل، وتعطّل سلاسل الإنتاج، واستمرار الحصار، ومنع إدخال المواد الخام اللازمة لإعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية.

ولا يقتصر الأمر على انهيار مؤشرات الاقتصاد والمعيشة، بل انهارت المعيشة ذاتها، مع وصول عدد النازحين في غزة 2.15 مليونًا، يُقيم مليون منهم تقريبًا في مراكز إيواء، و1.1 مليون خارجها، فيما يعيش حوالي 867 ألفًا في خيام النزوح. وهذا الانهيار الجماعي الشامل يجعل استثناء فئة كاملة من المساعدات على أساس حالتها الاجتماعية أكثر إيلامًا وإلحاحًا.

244 ألف عازب/ة فوق 20 عامًا

سعيًا لتحديد دقيق لأعداد العازبين في قطاع غزّة، لتوضيح حجم الأزمة والنطاق الديموغرافي لتأثيرها، حصلت "آخر قصّة" على إحصائية حصرية ومفصّلة تُوثّق أعداد العازبين من الذكور والإناث، حتى سبتمبر 2026، إذ يُفيد مدير المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، بأنّ العدد الكلّي للعازبين فوق عمر 20 عامًا يتجاوز 244 ألف مواطن/ة.

ولتفكيك هذه الإحصائية، طلبنا تفصيلها وفق الفئات العمريّة. يُوضح الثوابتة أنّها تتوزّع كالتالي: عدد العازبين في الفئة العمرية (20-30 عامًا) يبلغ 190,552 مواطن/ة، (119,968 ذكور، و70,584 إناث)، فيما يبلغ عدد العازبين (فوق 30 عامًا) 53,620 مواطن/ة، (22,353 ذكور، و31,267 إناث). وهذا من إجمالي عدد سكان القطاع البالغ 2.1 مليون نسمة.

بالتمعّن في ضخامة هذه الأرقام، يتّضح فورًا حجم الفئة المتأثرة بالإقصاء، والتي تُحرَم من حقّها الأساسي والإنساني في الإغاثة. ومع ربط هذا الحرمان بالمُعدلات المتصاعدة للفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي، فنحن نتحدث عن تأثير جاد وكبير على الأوضاع المعيشية اليومية للعازبين في غزة.

ومنهم، عبد اللّطيف الأستاذ- 39 عامًا- من مدينة غزة، لا يعمل ويشكو ضيقَ الحال مع الغلاء الشديد وارتفاع تكاليف المعيشة، والنزوح المُتكرر بسبب تدمير منزل العائلة. وما يزيد الهم همًا حالتُه الصحيّة المعقّدة، فهو مريض بالكُلى.

ينتقد عبد اللّطيف بمرارةٍ استبعاد العازبين من المُساعدات؛ فيقول: "الجميع في غزة يُعاني من الظروف الاقتصادية الصعبة، وما عاد هناك فرقٌ بين أعزبٍ ومتزوج، فلماذا يتمّ إقصاء العزّاب؟ صحيح أنّ الأعزب غير مسؤولٍ عن زوجة وأبناء لكنّه يُعيل نفسَه، يُفترض أن يُخصَّص كود (مساعدة) للعازبين، حتى لو كانت قيمته أقلّ ممّا يُعطى للعائلات".

الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يتحدّث عنها عبد اللطيف، جعلت أكثر من 95% من المواطنين بغزّة يعتمدون بشكلٍ كلّي على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الغذائية، وأكثر من 90% منهم لا يستطيعون شراء الغذاء، بحسب تصريحات حديثة للمكتب الإعلامي الحكومي.

وتتضاعف تأثيرات هذا التردّي المعيشي حين نتحدّث عن أوضاع النساء العازبات، ومنهنّ السيدة إيمان عبد الله (*) وهي عزباء وتبلغ من العمر 60 عامًا، وتنقّلت نازحةً من شرقي مدينة غزّة بين عدّة أماكن، حتى استقرّت وسط القطاع، في منزلٍ تعيش فيه مع اثنين من إخوتها وأبنائهما وأحفادهما.

يُفاقم ما تعيشه إيمان، جُملةٌ من الأمراض التي أوهنت جسدها، وجعلتها بحاجة مستمرّة إلى الرعاية الصحيّة والأدوية، لكن رغم هذا لا تحصل على معوناتٍ من أيّة جهة، وحتى شقيقاها بالكاد يحصلان على مُساعدات، ويعتمدون جميعهم على مصدر دخل واحد وشحيح.

أمّا السيّدة جميلة أحمد (*) وهي مُطلّقة بدون أبناء، وتعيش وحدها في أحد مراكز الإيواء شمال قطاع غزة. تقول: "أعتمد على صدقات أهل الخير والجيران، فوالديّ متوفَّيان، وإخوتي متزوجون وبالكاد يتدبرون أمورهم، وبعد طلاقي فقدت حقي في المُساعدة كونها تصدر باسم طليقي باعتباره المعيل".

ومن هذه الفئة العمرية الأوسع عدديًا (20-30 عامًا)، تحدّثنا إلى الآنسة ولاء مهدي (30 عامًا)، وهي متوفّاة الوالدين، وتعيش مع أسرة أخيها منذ تدمير بيت والدها، وتوقّفها عن العمل. سجّلت ولاء اسمها الشخصي في برنامج الأغذية العالمي، واستفادت من مساعدة غذائية واحدة فقط في ديسمبر 2025، ولم تتلقَّ شيئًا بعدها رغم تحديث بياناتها ومراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني دون أي ردّ. في المقابل، ما زالت تحصل بانتظام منذ أشهر على حصة غاز مسجّلة باسمها.

تقول ولاء: "أنا مواطنة ونازحة منذ سنوات، لماذا لا يوجد لي اسم على نظام المساعدات؟ هل أنا غير موجودة في التعداد السكاني أيضًا؟ ألا تراني الحكومة فردًا مواطنًا يستحق أن ينال حقوقه أسوة بغيره؟" سؤال طرحته شخصيًا على موظفي وزارة التنمية الاجتماعية، خلال زيارة عابرة رفقة أصدقاء مُبادرين، إذ تصف دخولها لمقر الوزارة كمواطنة عادية بأنه "صعب للغاية". ووعدها الموظفون حينها بإجراء تعديلات على النظام، لكن شيئًا لم يتغيّر منذ ذلك الحين.

توضح ولاء أن غياب المساعدة المستقلة يمسّ أدق تفاصيل حياتها اليومية: من الغذاء ومواد التنظيف، إلى احتياجات الصحة الشخصية والدواء والملابس، في ظل غياب أي جهة تكفل العلاج المجاني. وتعتمد حاليًا على ما يوفره أخوها لبيته من طعام وماء ومأوى، لكنها تصفه بغير الكافي على الإطلاق. وتشعر أن كونها من جيل أصغر- مقارنة بمن كانت تشملهم برامج المساعدة السابقة لكبار السنّ العازبين- يجعل استبعادها أقلّ اعتبارًا لدى الجهات الإغاثية، تقول: "أشعر بالظلم وأنني منبوذة".

وترى ولاء أن معايير الاستهداف يجب أن تراعي أمرين أساسيّين لضمان وصول المساعدة الفعلية لمن يحتاجها: وضع والدَي العازب (على قيد الحياة أم متوفَّيَين)، وكون العازب يعمل من عدمه.

لكن؛ رغم هذا الاحتياج المُلحّ، لماذا تغيب الحقوق؟ ومن الذي يُقرر من يستحق المساعدة ومن يُترك في مهبّ العوز؟ وما هي المعايير التي تُشرّع إقصاء عشرات آلاف العزّاب بغزة من برامج الإغاثة؟

معايير استهداف تُقصي العازبين

لتقصّي معايير الاستهداف، فحصنا الموقع الرسمي لوزارة التنمية الاجتماعية- باعتبارها الجهة الرسمية المسؤولة عن التدخّلات الإغاثية- ووجدنا أنّ برامج المُساعدات: الطارئة والغذائية والعينية والنقدية، حسبما يرِد في دليل المواطن، جميعها تتبع معيارًا أساسيًا وهو "وجود أسرة"، وفي حالة استهداف أفراد، لا يخرج الأمر عن نطاق "الفئات الهشة"، المحصورة في: كبار السنّ، الأشخاص ذوي الإعاقة، الأيتام، الأرامل، المُطلّقات، الأحداث. ولا يُوجد معيار واضح مُعلن يتعلّق باستهداف العازبين، بمعنى لو كان العازب خارج هذه التصنيفات، يُستبعَد.

تجدر الإشارة إلى أنّ التدخلات الإنسانية في قطاع غزة، خاصة خلال الحرب، توزّعت بين عشرات الفواعل الدولية والأممية والوطنية الرسمية، وفق ما توثقه ورقة سياسات صادرة عن مركز "مسارات"؛ ولفحص معايير الاستهداف لديها، تعمّقنا في رصد وتتبّع آليات العمل في عينة مركّزة، من أبرز تلك الجهات؛ وهي: برنامج الأغذية العالمي (WFP)، وبرنامج توزيع الغاز التابع لهيئة البترول وممّول دوليًا، وشبكة المنظمات الأهلية، كممثّلة عن أنظمة الإغاثة في مؤسسات المجتمع المدني المحلية. 

وتضمّن بحثنا فحص: المنصّات والمواقع الرسمية التابعة لتلك الجهات، الأدبيّات والتقارير التوجيهية لدى بعضها، وأنظمة التسجيل فيها، والتصريحات الصادرة عنها. واخترنا هذه الجهات الثلاث تحديدًا لتمثيلها الأنماط الثلاثة الرئيسية للتمويل والتدخل الإغاثي في غزة: الأممي، والحكومي المموَّل دوليًا، والأهلي المحلي.

ويُظهر تحليل "آخر قصة" لهذه المراجع، ما يُشبه الإجماع على اعتماد معيار "الأسرة" في مختلف التدخلات الإنسانية، المعمول بها منذ ما قبل الحرب، مع استثناءات للأفراد، حصرًا في الفئات الهشة، كما تفعل وزارة التنمية، وما اختلف منذ أكتوبر 2023، هو تحديث واتّساع قواعد البيانات لديها.

يتّضح هذا جليًا في رابط تسجيل مساعدات برنامج الأغذية، و"مذكرة التوجيه التشغيلي لاستهداف المستفيدين- Targeting Operational Guidance Note" التي تُنظّم معايير وآليات الاستهداف، حيث يُستبعد العُزّاب منها تمامًا.

ومثله نموذج التسجيل في برنامج الغاز الذي يستهدف حصرًا "الأسر المُستقلّة"، بدليل إحصاءاته المنشورة حول "الأسر المستفيدة"، بل وعدّل "برنامج توزيع الغاز" مؤخرًا معايير الاستفادة لديه، بحسب بيان صحفي منشور مطلع أغسطس الماضي، بشطب المُطلّقين دون أبناء من النظام واعتبارهم "عُزّابًا غير مستحقين". وهذا ما تؤكّده أيضًا إفادة مُنسّق المناصرة في شبكة المنظمات الأهلية، محمود حمادة، الذي أكّد اتّباع المؤسسات المحلية المعيار ذاته.

يُثبت هذا التقصّي الدقيق، بالأدلّة، وجود الإقصاء، بل واتّخاذه بُعدًا منهجيًا، تتشارك في تكريسه مختلفُ الفواعل الإغاثية، مما يجعل الاحتكام لنصوص القانون، ضرورة، لاستيضاح موضع القصور ونطاق المسؤوليات.

وبمراجعة قانون وزارة التنمية الاجتماعية وتعديلاته، والتعليمات التنفيذية رقم (32) لسنة 2026 بشأن شبكات الحماية الاجتماعية المحلية، نجد أنّ النصوص تكفل حق الأفراد والعائلات بالحماية الاجتماعية، وفق المادة 22 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م (خدمات التأمين الاجتماعي ورعاية الفئات المتضررة)؛ كما يمنح القانون الأساسي نفسه، في المادة 71، وزيرَ التنمية الاجتماعية صلاحيات واسعة لإصدار اللوائح والتشريعات الفرعية وتغيير السياسات المتعلقة باختصاصه- بما يشمل، من حيث المبدأ، صلاحية تعديل معايير استهداف المساعدات ذاتها. كما يُعزّز هذا الإطار أيضًا قرار بقانون الضمان الاجتماعي الفلسطيني رقم (19) لسنة 2016، الذي ينظّم تفصيليًا تأمين البطالة والتعويضات العائلية.

مع الإشارة إلى أنّ منظّمات الإغاثة الدولية والأممية تخضع في عملها لمعايير الاستجابة الإنسانية "دليل اسفير- Sphere Handbook" كمرجعية موحّدة، تتبنّى الحق في الحياة بكرامة لجميع الأفراد، دون تمييز.

وكما يتبيّن في نصوص القانون التي تكفل الحق بالحماية للجميع، رصدنا فجوةً واضحة بين جوهر التشريعات، وتطبيقاتها، تظهر جليةً في: معايير الاستهداف، ونماذج التسجيل. وتُعمّق هذه الفجوة جملةٌ من التشريعات والقرارات، تُكرس حصر الاستحقاق في معيار "الأسرة"، لنكون أمام إقصاء فعليّ يتجاوز القانون، لعشرات آلاف العازبين المحرومين من حقّهم الإنساني الأساسي في الإغاثة.

جولة واحدة بين خيام النازحين، تُؤكّد ما هو أكثر من مجرّد الإقصاء، إذ ترصد "آخر قصة" حالاتٍ عديدة لمُتضررين من هذا الحرمان، تنوّعت بين: أعزبٍ ثلاثيني عاطل عن العمل، وعزباء دون أم وأب ومُدمَجة بعائلة شقيقها الذي يرفض إعالتها، ومُطلقة دون أبناء تُحرَم من المساعدة التي تذهب لطليقها.

فجوة ساحقة بين القانون وتطبيقه

تحدّثنا إلى مندوب مُخيّمٍ للنازحين في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، محمد الشنتف، ليبيّن أنّ نظام الرصد والتدخّل الإغاثي يُسقِط فئات عديدة مُستحقّة للمساعدات. وعن تدخّلات وزارة التنمية يقول: "نسمع عنها لكن لا نراها"، مُطالبًا بالعدالة واعتماد نظام توزيع لا يتجاوز أي مواطن.

ويتفق معه، مسؤول في لجنة طوارئ شمال قطاع غزة- رفض كشف هويته لدواعٍ أمنية- وهو يُشرف على مركز إيواء يقطنه آلاف النازحين. وينتقد معايير الاستهداف التي لا ترى حالات شديدة الاحتياج، مطالبًا بتسجيل الحالات الفردية ضمن برامج إغاثة مستقلة وعادلة. وكشف ضعف أنظمة الاستجابة للشكاوى حول المعايير والتوزيع، قائلًا: "حين نُراجع الجهات الإغاثية تُقرّ بوجود الأخطاء بذريعة العمل بنظام الطوارئ، لكن لا تتّخذ أية إجراءات تصحيحية".

من جهته، يُقرّ مُنسّق المناصرة في شبكة المنظمات الأهلية، محمود حمادة، بأنّ معظم المشاريع الممولة تعتمد معايير الاستهداف للأسر، والأيتام والأرامل، وأحيانًا الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو نموذج ثابت يُستخدم منذ عقدين تقريبًا، سواء في حالات الاستقرار أو الطوارئ، وهي معايير بُنِيت على اعتبار أن الأفراد المستقلين أو غير المتزوجين هم/ن تلقائيًا جزء من عائلة ممتدّة تعيلهم/نّ.

هذه المعايير ربّما تكون مقبولة في ظروف الاستقرار، بحسب حمادة، لكنّها تنهار تمامًا تحت وطأة النزوح والتشتت الذي يعيشه المواطن في قطاع غزة، حيث تتفكّك شبكات الأمان العائلية ويجد الشباب أنفسهم معزولين عن مصادر الدخل وعائلاتهم.

توجهنا لوزارة التنمية الاجتماعية بهذه المعطيات، وطرحنا أسئلة مباشرة على المتحدثة باسمها في قطاع غزة، عزيزة الكحلوت، في ضوء الفجوة الواضحة بين القانون وتطبيقاته، خاصة في ظلّ الواقع المعيشي القاسي الذي يعيشه عشرات آلاف العازبين.

ما المعايير المعتمدة لدى التنمية للاستفادة مما يتوافر من مساعدات؟ تجيب الكحلوت أنّ "الوزارة تعتمد أساسًا على المنظومة الوطنية لتحديث بيانات المواطنين وبيانات الأسرة المحدثة لتحديد المُستحقين وترتيب الأولويات، ويُقيّم الاحتياج وفق معايير الفقر ومستوى المعيشة وعوامل الهشاشة (كعدد أفراد الأسرة، الأطفال، كبار السن، الإعاقة، وفقدان المعيل والدخل، والنزوح، والأيتام، وضرر السكن)".

وفي متابعة ردّها على السؤال نفسه، تُقرّ الكحلوت حاسمةً بأنّ "المساعدة تُوزَع حسب التكوين الأسري، وتكون الأولوية للأُسر الأشد فقرًا وهشاشة"، وهو ما يعكس تمسّك الوزارة بالمعيار العائلي البحت.

وعند سؤالها عن "وجود بحث اجتماعي مُخصَّص لتقييم الاحتياج الفردي، من عدمه، وخاصة للعازبين، أم يتم استبعادهم تلقائيًا من برامج الإغاثة؟" ردّت الكحلوت: "إنّ العازبون/ات لا يُستهدفون كأفراد، وقبل الحرب كانت الوزارة تُدرج من بلغ منهم/ن سن الأربعين فما فوق، ضمن برامج المساعدات، ليُعامَلوا/ن معاملة الأسرة في الاستحقاق".

وأكملت بأنّ: "الأعزب تحت هذا السنّ يُقيم داخل أسرته ويستفيد ضمنها من المساعدة، وفي حالة وفاة الأبوين مع وجود أبناء عازبين لهما، لا تنقطع المُساعدة، فيبقى الابن/ة الأكبر الأعزب يتلقّاها". لكن هذا كلّه عمّا كان قائمًا قبل الحرب، ولم تتطرّق الكحلوت لأيّة برامج إغاثية تستهدف العازبين من أية فئة عمرية، في الوقت الحالي.

يتّضح من ردّ المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية أنّ الإجراءات والمعايير المتّبعة تتجاهل بشكل تامّ الاحتياج الشديد الذي يعصف حاليًا بعشرات آلاف الشباب العازبين/ت، من كلّ الفئات العمرية، ممّن تشتّتت عائلاتُهم أو استشهد مُعيلوهم بفعل ظروف الحرب والنزوح المستمر منذ 3 سنوات، خاصّة مع توقّف برامج المساعدات المالية التي كانت تستفيد منها فئة العازبين فوق 40 عامًا. لنكون فعليًا أمام 244 ألف عازب/ة فوق سنّ 20 عامًا في غزة- حسب تصريح الثوابتة- خارج مظلة الحماية الرسمية.

وختامًا، سألنا الكحلوت: هل توجد لدى الوزارة خطط مستقبلية لتوسعة نطاق البحث الاجتماعي، بما يشمل العازبين، لتوفير حماية اجتماعية لهم، واستهدافهم بمساعدات إنسانية؟ لكنها لم تردّ على هذا السؤال بما يوحي بنوايا حقيقية لمعالجة إقصاء فئة العازبين وحرمانهم من المعونة، واكتفت بالقول: "إن طواقم البحث الاجتماعي بالوزارة تزور الميدان يوميًا لتحديد الاحتياجات" دون إشارة لأي تحديث أو تغيير على معايير الرصد التي تتبعها الطواقم.

معايير قاصرة وانفصال عن واقع النزوح

وفي سياق المُساءلة لجهات إغاثية دولية، حاولنا الحصول على تعقيب من برنامج الأغذية العالمي (WFP)، وبعد مُراسلتهم عدّة مرات بأكثر من طريقة تواصل، عبر بيانات الاتصال المُعلنة لديهم، لم نتلقَّ أيّة استجابة.

رغم هذا، تمكنّا من الوصول لمصدر عَمِل سابقًا في برنامج طوارئ لدى مؤسسة دولية بارزة تنفذ تدخلات إغاثية واسعة النطاق في غزة- اشترط حجب هويّته واسم المؤسسة لحمايته من التبعات- إذ يكشف جمودًا صارخًا في معايير الاستهداف، بتركيزها على "العائلات"، وانحسار استهداف الأفراد في قوائم: الإعاقة، اليُتم، الأرامل والمُطلّقات، وسط غياب كامل لفئة العازبين من برامج الاستجابة الطارئة.

ويُقول: "أيُّ تغيير في البيانات، يقتصر على عملية تحديثها- تغيّر عدد أفراد العائلة أو مكان النزوح أو لتوسعة النطاق الجغرافي للتدخل- ورغم وجود مرونة عامة كانت مقبولة قبل الحرب، فإنها الآن باتت قاصرة في جوانب محددة، ولا ترتقي لمستوى الأوضاع الإنسانية الكارثية التي عصفت بكل سكان قطاع غزة". وهذه شهادة تعكس امتداد الخلل ذاته- في تطبيق القانون- للتدخّلات الدولية.

وبالعودة إلى منسّق المناصرة في شبكة المنظمات الأهلية، محمود حمادة، يُفسّر هذا الواقع بالغ التعقيد بأنّ آليات تنفيذ القانون المعمول بها في برامج الإغاثة الحالية، قاصرة عن التكيف مع التركيبة السكانية الجديدة، التي تفرضها الحرب على غزة وما تشمله من تهجير ونزوح وتجويع، ما أنتجَ نقصًا جوهريًّا في تطبيق مبادئ الحماية الاجتماعية المكفولة لجميع المواطنين، وتمييزًا أفضى لفجوة قانونية وإنسانية حرمت فئات مهمّشة من حقّها في المساعدات.

عمليًا، يقترح حمادة "إعادة تعريف المستفيد من الإغاثة، لاعتماد معايير استهداف مناسبة تلائم ظروف الطوارئ الحالية، وتكون مخصصة وشاملة وتراعي متوسط قيمة السلة الغذائية في ظل الأسعار الخيالية"، إلى جانب اعتماد الأدلة المبنيّة على البيانات، بتوثيق حالات العازبين المُستبعدين كظاهرة متنامية تستوجب تغييرًا في السياسات، وتوحيد جهود مؤسسات المجتمع المدني بخطاب مناصرة يتجاوز وصف الظلم نحو حلول عملية ومعايير بديلة.

وأمام تجاهل برامج الاستجابة الطارئة، المحلية والدولية، لاحتياج عشرات آلاف العزّاب من النازحين في غزة، متى تدرك الجهات الإغاثية أن توسيع مظلة الإغاثة أصبح ضرورة إنسانية عاجلة؟ وإلى متى ستبقى معايير الاستجابة رهينة تعريفات وقوالب جامدة تُقصي المستحقين الفعليّين عن حقوقهم؟ وبذلك، يبقى مصير 244 ألف عازب/ة رهين تعريف بيروقراطي متجمّد، لم يواكب واقع وتداعيات حربٍ دخلت عامها الثالث.

 

(*) أسماء مستعارة لحماية خصوصية حالات بناءً على طلبهم.