"لا ينفكّ عقلي يُفكّر بما سيحدث لو انهارت علينا هذه الجدران، أين سأذهب بأطفالي وأمّي المريضة؟ وهل سننجو أصلًا؟"، يتساءل أحمد ظاهر (42 عامًا)، بينما يتأمل شقًا طوليًا بسُمك 4 سنتيمترات في الحائط الوحيد المُتبقّي في شقّته، التي تقع في الطابق الثاني بعمارةٍ سكنية تعرّضت لتفجير آليّة إسرائيليّة مُفخّخة، خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة.
تسبّب التفجير بما يُعرف بـ "تفريغ" المبنى، الذي يقطنه أحمد مع أمه المسنة وأطفاله الثلاثة، فلم يتبقّ منه سوى أعمدة وأسقف، وجدران داخلية قليلة، وهو ما يُصيب المباني التي تقع ضمن نطاق تفجير "الروبوتات" عن بعد، أو التي تُقصفٍ بالصواريخ الثقيلة لطوابقها العلوية. وبفعل تدمير أكثر من 82% من مباني قطاع غزة، على مدار سنوات النزاع، منذ أكتوبر 2023، صارت العائلات تتّخذ من هذه المباني ملاجئ تأوي إليها، رغم ضعف أساساتها وخطر انهيارها.
وما تعانيه عائلة ظاهر نموذجٌ مصغّر لواقعٍ يتكرر في عشرات آلاف البيوت عبر القطاع، حيث تحوّل قصفٌ موضعي وقع قبل سنوات إلى تهديدٍ متجدّد يلاحق الناجين كل ليلة داخل الجدران الوحيدة المتبقية لهم كمأوى.
"ظِلّ الجدار ولا نار الخيمة". هذا ليس تعبيرًا مجازيًّا، بل هو ما تعيشه ابتسام مهدي (45 عامًا)، وتصف به انعدامَ خيارات النزوح أمامها، بعد أن وجدت نفسها عالقةً في معادلة العيش في خيمةٍ متهالكة، أو البقاء في بيتها المهدّم والآيل للسقوط.
وتتحدّث بمرارةٍ وألم عن منزلها الذي تعيش فيه مع زوجها وطفليْها: "أقطن في سِدّة، ضمن عمارة من 7 طوابق، في حيّ الرمال الجنوبي بمدينة غزة، وخلال اجتياح الحيّ بداية الحرب، جرّفت دبابة إسرائيلية أحد الأعمدة الخرسانية للمبنى، وقيل لنا في حينه أن الخطر يقتصر على انهيارٍ مُحتَمل للجدران لا الأرضية، لكن الشتاء الماضي هالت الجدران وجرفت معها الأرضية لينهار نصف الشقّة. ونجونا يومها بأعجوبة".
رغم الخطر المُضاعف والمُؤكّد، عاد كلٌ من أحمد وابتسام للسكن في بقايا منزليهما المهدّميْن. وهو ما تفعله آلاف العائلات بغزة، رغم إدراكها العواقب، فما الأسباب؟
تُجيب السيّدة بصوتٍ يخنقه العجز: "صرنا أمام خياريْن: العودة للخيمة- وهذا غير وارد بعدما جرّبنا قسوة النزوح في الخيام المتهالكة- أو استئجار منزل، وهذا غير متاح في ظلّ الغلاء الفاحش والأسعار التي تتراوح في المتوسط بين 300- 700$ شهريًا في مدينة غزة". لتُقرّر البقاء في منزلها المدمّر، مُعدَمةً من رفاهية الاختيار. وبما استطاعت توفيره من إمكانيات، أغلقت شقّتها بالشوادر، وتعيش فيها منذ عامٍ وحتى اليوم.
نشرت مهدي مناشدة إنسانية منذ أيام على صفحات التواصل الاجتماعي، كخيارٍ أخير، فتواصل معها الدفاع المدني، وطلب بيانات وعنوان المنزل لإرسال مهندسين لفحص الشقّة. وتقول: "سأنتظر التقييم لأعرف كيف يمكننا تدعيم الشقة، لكن لن أغادر بيتي حتى لو نصحونا بهذا، فلا يوجد خيار آخر".
ويتفق معها ظاهر، الذي يُبيّن أنّه نفد تمامًا من الخيارات بعدما سأل عن سعر شقة للإيجار شمالي مدينة غزة فوجدها تصل 1000$. وهو ما يطرق باب أهمية ضبط ملف الإيجارات، الذي يبدو أنه يفاقم الأزمة ويحرم المواطنين من خيار اللجوء إلى بيت مستأجَر بدل المكوث في واحدٍ آيل للسقوط.
وفي سياق انعدام الخيارات أمام العائلات، يُوضّح المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنّا، أنّ "المواطن يُدرك أن منزله غير آمن، لكنه لا يملك بديلًا عنه؛ وبعضهم جرّب عذاب النزوح في الخيمة وقرّر تركها والعيش في بيت مدمّر، ليفرّ إلى الخطر بمحض إرادته. لهذا؛ معالجة المباني الآيلة للسقوط يجب أن تسير توازيًا مع توفير أماكن إيواء آمنة، حتى لا يجد السكان أنفسهم أمام خيارين كلاهما خطِر".
تستشعر عائلة ابتسام حركةَ الأرضية تحت أقدامها، لكن ما يبدو هُنا صادمًا، تخبرنا به الأمّ بنبرةٍ هادئة: "أعتقد أن المنزل آيل للسقوط، لذا أُلزِم أطفالي كل الوقت بعدم الحركة السريعة أو الركض والقفز، ونُحاول التواجد في أكثر المناطق متانة حسب اعتقادنا". أمّا الذي يستقرّ في نفسها- وخلف هدوء نبرتها- فرعبٌ دائمٌ وخوفٌ من انهيارٍ مُفاجئ بات يسرق من عينيها النومَ ويُعطّلها عن أبسط مهامها اليومية.
بيوتٌ مهددة
آلاف العائلات في قطاع غزة باتت، مثل ابتسام، محاصرةً بمخاوف انهيار المنازل فوق رؤوسها، خاصةً بعد انهيار عمارة السعادة، في مدينة غزة، التي انتشلت طواقم الإنقاذ من تحت أنقاضها 21 شهيدًا، و45 إصابة.
المخاوف تصبح مشروعة باستحضار الأرقام الرسمية التي تفيد بها وزارة الأشغال العامة والإسكان، لـ"آخر قصة"، حول إحصائية المنازل الآيلة للسقوط في قطاع غزة وتلك التي تحتوي على كُتل خرسانية خطيرة، إذ يتجاوز عددها 3000 من المباني التي تعرضت للهدم الجزئي أو التدمير خلال الحرب، منها 2500 منزلٍ أو مبنى مُهدد بالانهيار في أية لحظة.
هذه المباني مأهولة بالمواطنين وتُشكل "تهديدًا حقيقيًا"، كما يصف المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة، محمود بصل، الذي يُفيد بأنّ أقل منزل منها يقطنه 10 أشخاص، وهناك مبانٍ من عدة طبقات يعيش فيها قرابة 100 شخص. يعني هذا أن الخطر يطال فعليًا عشرات آلاف المواطنين من سُكّان تلك المنشآت. لكن الخطر يتجاوز نطاق الساكنين فعليًا، ليطال المارّة والمنازل المجاورة وخيام النزوح المحيطة بها، وفق ما أفادت به وزارة الأشغال.
الأرقام في تصاعدٍ مستمر، وفق تقريرٍ لـ "أوتشا"، منشور في أغسطس 2026، يستند إلى بيانات برنامج "يونيسات" التابع للأمم المتحدة والذي يعتمد على صور الأقمار الصناعية. إذ تُظهِر البيانات ارتفاع العدد الكلي للمنشآت التي طالتها أضرار بنسبة 1.5%، وزيادة عدد المنشآت المدمرة كليًا بنسبة 9%، مقارنةً بما رصده البرنامج في أكتوبر 2025.
وفي التفاصيل، يُوثق تقييم "يونيسات"، بلوغ نسبة الدمار في مباني غزة منذ أحداث أكتوبر 82%، بواقع 201,290 مبنى (منها 134,422 منشأةً مدمرة كليًا، وقرابة 42 ألفًا متضررة بشدة). وتتضمّن هذه المباني نحو 328,627 وحدة سكنية، وفي هذا الرقم وحده زيادةٌ قدرها 2.5% عمّا سُجِّل نهاية العام الماضي.
نتيجة الدمار الواسع، بلغ عدد النازحين داخل القطاع، وفق التقارير الرسمية، 2.15 مليونًا، بواقع حوالي 509 آلاف عائلة نازحة، يعيش منهم حوالي مليون في مراكز إيواء، و1.1 مليونًا خارجها، فيما تبقّى من منازلَ متضرّرة وخيامٍ مهترئة، بأوضاع معيشية مأساوية، حيث وصل معدّل الفقر 93%، والبطالة 80%، بالتزامن مع فقدان أكثر من 250 ألف عاملٍ أشغالهم. وهو واقعٌ يترك العائلات أمام معادلاتٍ قاسية، وخياراتّ معدومة.
وتضيف بيانات حديثة لمكتب "أوتشا"، صادرة نهاية أغسطس 2026، أن نحو 94% من سكان القطاع (1.98 مليون شخص) باتوا بحاجة ماسة للمساعدة في المأوى والمواد الأساسية، فيما تعاني 84% من الأسر قيودًا شديدة في ظروف المعيشة، ما يعكس اتساع الفجوة بين حجم الاحتياج وحجم الاستجابة الفعلية.

تحذيراتٌ بلا حلول
الشتاء الماضي، وثّقنا في "آخر قصة"، أزمة البيوت المهددة بالانهيار، في تقرير خاص رصَد استغاثات عائلات أُجبِرت على العيش فيها. وصدرت تصريحات رسمية متكررة، منها تحذيرات تعود لما قبل شتاءين، أطلقها المكتب الإعلامي الحكومي، وجدّدها بداية سبتمبر الحالي، في بيان صحفي، تضمن نداءً عاجلًا لتوحيد الجهود المحلية والدولية لإنقاذ الأسر النازحة من تداعيات الشتاء المقبل. وتصريحٌ لبلدية غزة يحذّر من خطورة الأبنية المتضررة والآيلة للسقوط، التي تهدد حياة ساكنيها ممّن لا يتوفر لهم مأوى آمن.
كما صدرت عشرات التقارير الدولية، التي تحذّر وترصد تداعيات أزمة المأوى في غزة، نذكر منها: تقرير حالة منشور في أكتوبر 2025- بداية الشتاء- يوثّق اضطرار العائلات للإقامة في مبانٍ معرضة للانهيار. وآخر منتصف ديسمبر من العام ذاته، يوثّق انهيارًا فعليّا وتضررّا طال أكثر من 100 مبنى في يومٍ واحد، نتج عنه وفاة 12 شخصًا.
إذن؛ حتى الآن، نحن أمام تقارير رسمية محلية ودولية عمرها سنوات، تُحذّر من تداعيات أزمة البيوت المدمّرة والآيلة للسقوط على السكّان، وأرقام أمميّة تُوثّق تزايد بيانات الدمار العمراني، وهو ما يُدلّل على أنّ الأزمة تسير إلى تدهورٍ، لا إلى حلول.
عودةٌ إلى الميدان، وتحديدًا إلى حيّ الزيتون شرقي مدينة غزّة، حيث قابلنا مؤمن مُرتجى (37 عامًا)، في منزلٍ مدمر جزئيًا، يسكنه مع حوالي 30 شخصًا آخرين من 5 عائلات. يقول: "بعد عودتنا إلى الحيّ عقب الهدنة المزيّفة في أكتوبر 2025، بحثنا عمّا تبقى من منزلنا، واستصلحنا جزءًا منه ونعيش فيه حتى الآن".
لم تكن أمام مؤمن خيارات، إلّا البقاء في المنزل المدمّر، فكما يُبين: "النزوح في خيمة قاسٍ جدًا، فهي لا تقي بردًا ولا صيفًا، وعندي أطفال رُضّع، ناهيكِ عن القوارض والأمراض، ولا قدرة لديّ على استئجار منزل بسبب الغلاء".
ويُتابع بكلماتٍ متثاقلة، تكشف قلقًا جادًا: "أخشى على أطفالي، ولا يقتصر الخطر على انهيار منزلنا، إذ تحيط بنا الكثير من المنازل الآيلة للسقوط، والتي لم تُفحص من أيّ جهة. وبعدما سمعناه عن انهيار منازل على رؤوس ساكنيها مؤخرًا، بات يتملّكنا الخوف، كبار وصغار، وكل ما نفكّر فيه الآن هو ماذا سنفعل في الشتاء الذي اقترب؟".
سؤال مؤمن، يكشف التوقيت الحرج الذي وصلت إليه الأزمة، قُبيل حلول الشتاء الرابع بعد 3 شتاءات قاسية مرّت خلال الحرب؛ لكن السؤال الأهم يبقى: فلماذا يُترك الناس لمواجهة مصيرهم طوال هذا الوقت دون حلول إنقاذٍ جذرية؟ ومن يتحمّل مسؤولية عشرات آلاف الأرواح المعلّقة بين طبقات الإسمنت والمناشدات التي تتجدّد عامًا بعد آخر، دون مُجيب؟
من يملك التدخل؟
في الأصل يستند تنظيم ملف المباني الآيلة للسقوط إلى أُطر عامة؛ منها: قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية رقم 79 لسنة 1966، الذي يمنح البلديات صلاحيات إصدار أوامر التدعيم والهدم، وقانون الدفاع المدني رقم 3 لسنة 1998، الذي يُلزم طواقم الإنقاذ بحماية الأرواح وإخلاء المنازل الخطرة، وكذلك القوانين الناظمة لعمل وزارة الأشغال.
ورغم غياب قوانين حديثة تستوعب كارثة بهذا الحجم، إلّا أنّ المعضلة تتجاوز وجود تشريعات ونصوص، فالجهات المحلّية تُصرّح بأنّها عاجزة عن القيام بمسؤولياتها في ظلّ الحصار الإسرائيلي، والنقص الحاد في الآليات والمعدّات والإمكانات.
بدءًا من وزارة الأشغال، التي وجّهنا لها سؤال: ما الذي يُعطّل التدخّلات ويُؤخّر حلّ الأزمة؟ يُجيب مسؤول الإعلام بالوزارة محمد شقليه بأنّ السبب يعود إلى "العجز الذي تُعانيه الحكومة بفعل تداعيات العدوان والحصار، وما خلّفاه من نقصٍ في المُعدّات والآليات والإمكانيات المطلوبة للتعامل مع هذا الوضع السيئ".
وعن عمليات التقييم والحصر للمباني الخطيرة، يُوضّح شقليه أنّها تتم من خلال لجان تقييم إنشائي، بالتعاون مع البلديات والدفاع المدني ونقابة المهندسين. وتمكّنت طواقم الوزارة- حتى 21 سبتمبر- من حصر المباني الآيلة للسقوط والخطيرة على مستوى القطاع وعددها يزيد عن 2000 مبنى؛ منها أكثر من 250 مبنى (13%) بحاجة إلى إزالة كُلّية عاجلة، و870 مبنى (43%) بحاجة لإزالة جزئية، ولا يزال 880 مبنى قيد الدراسة والتقييم. ونشرت الوزارة هذه الإحصائية في تقرير مفصّل، بعد نشر الحصر الأوّلي في فبراير 2025.
لكن لا يتوقف الأمر عند السرد الإحصائي، إذ خلّف انهيار المباني تداعيات إنسانية مُفزِعة، حاصدًا أرواح 65 مواطنًا وتسبب بإصابة 270 آخرين، وأجبر 5000 أسرة على النزوح القسري، بحسب الوزارة.
ماذا فعلت الوزارة غير الحصر؟ يقول شقليه إنّه بما توافر من مُعدّات يدوية بسيطة مثل "المهدّة" خلال العامين الماضيين أزالت الفرق المتخصصة 320 مبنى خطيرًا كان آيلًا للسقوط أو احتوى كتلًا خطيرة على المواطنين. ويُعد هذا تدخلًا محدودًا جدًا قياسًا بحجم الكارثة ومخاطرها؛ لذا تتواصل الوزارة مع الشركاء المحليين والدوليين لوضعهم أمام مسؤولياتهم في ظل العجز الحكومي وشحّ الإمكانات.
واتفق معه حسني مهنّا، المتحدث باسم بلدية غزة، التي سجّلت الحصة الأكبر من عدد المباني الخطرة والآيلة للسقوط (+700 مبنى)، إذ يُبيّن أنّ الاستجابة المحدودة لطواقم البلديات تصطدم بعقبات كبرى أبرزها ضخامة الدمار، ونقص المعدات الثقيلة والمواد والإمكانات اللازمة للتدعيم والإزالة الآمنة، وصعوبة الوصول لبعض المناطق. وهو ما جعل المعالجة الميدانية تقتصر على التحذير وإبعاد السكان، أو التدخّل بالأدوات البسيطة المتاحة لغياب الفرق الهندسية والآليات المتخصصة. فيما تتجلى المعضلة الإنسانية الأكبر في اضطرار آلاف السكان للعودة إلى المنازل المتصدعة- رغم التحذيرات- لعدم وجود مأوى بديل؛ ممّا يُحتّم ربط معالجة المباني الخطرة بتوفير بدائل إيواء آمنة تحمي العائلات من كوارث وشيكة.
إلى جنوب القطاع، لا يختلف الوضع بالمُطلق، ففي خانيونس؛ المحافظة التي تضم 478 مبنىً خطيرًا، يقول مسؤول البلدية فيها، صائب لقان، إنّ إمكانات البلدية محدودة للغالية، بسبب الحرب واستهداف الاحتلال للقطاعات الخدماتية والبنية التحتية وشبكات الطرق، إذ دمر 24 آلية ثقيلة تابعة للبلدية من أصل 26، ويُغلِق المعابر ويمنع إدخال المعدّات والآليات والكرفانات، منذ 20 عامًا تقريبًا.
ويزداد الوضع تعقيدًا وخطورة، في أحياء جنوب القطاع، مقارنة بمدينة غزة، بسبب الاكتظاظ السكاني في مخيمات النزوح وغياب البدائل الآمنة، فحتى العائلات التي ترغب بترك منزلها الآيل للسقوط والنزوح في خيمة، لا تجد مكانًا.
وفي التفاصيل، يشرح لقّان أنّ "التدخلات محدودة جدًا وتقتصر على التحذير والإخلاء الجزئي، ولا تتمكن فرق البلدية من فعل أيّ شيء عند ورود استغاثة طارئة إلّا إذا تدخّلت جهات أممية ووفرت آليات ومعدات". مُحذرًا من كارثة إنسانية وشيكة مع اقتراب الشتاء.
الإفادة ذاتها تقريبًا، وردت على لسان المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة، محمود بصل، خلال ردّه على سؤال: كيف تتعامل فِرَق الإنقاذ مع المناشدات العاجلة في ظلّ نقص وانعدام شبه كامل للمُعدات والآليات، بعد أنّ بيّن أنّ: "الاحتلال دمرّ 90% من المُعدّات ومركبات الدفاع المدني بشكل كامل والمتبقي منها مهترئ ولا يصلُح للعمل، والدفاع المدني الآن بحاجة عاجلة لتوفير مركبات ورافعات وجرافات وشاحنات للتعامل مع ملف المنازل الخطيرة والآيلة للسقوط".
ويُضيف: "العائلات في غزة لا تطلب الكثير، لا يُريدون سوى العيش الكريم والشعور بإنسانيّتهم، وهذا أقلّ حقوقهم، لذا مطلوب من منظمات المجتمع الدولي الضغط على الاحتلال لإدخال المُعدات والآليات للفرق الميدانية والخدماتية التي تعمل في غزة".
الجهات الثلاث: الوزارة والبلديات والدفاع المدني، طالبت بتدخل عاجل من المؤسسات الدولية والجهات الداعمة لتوفير الآليات والأدوات اللازمة للإنقاذ وللتعامل مع المباني الآيلة للسقوط، وتوفير مواد التدعيم، والأهم فتح معابر غزة لإدخال المعدّات وبدائل الإيواء لحماية أرواح السكان.
هُنا، تبرز المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة بموجب القانون الدولي الإنساني، لتوفير معدات الإزالة ومواد التدعيم وحماية المدنيين من الكوارث الوشيكة، وممارسة الضغط على سلطات الاحتلال لإدخال ما يلزم.

مسؤولية غائبة
وعليه، وجّهنا عبر البريد الإلكتروني أسئلة إلى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، لتوضيح دوره الميداني الفعلي في حماية سكان غزة، في ضوء التزامه الإنساني والقانوني؛ لتُجيب المنظمة في تصريحٍ لـ "آخر قصة"، بأنّها تعطي أولوية لمعالجة المخاطر المحدقة بالعائلات التي تقطن منازل مهددة بالانهيار، لكن الاستجابة الدولية الطارئة تصطدم بقيود سياسية وعراقيل لوجستية وتمويلية كبرى.
وتُوضح "أوتشا" أنّ العراقيل تتلخص في "القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الآليات الثقيلة، والمعدات المتخصصة، وزيوت المحركات، وقطع الغيار، وغيرها من المواد الأساسية الضرورية، فضلًا عن تقييد الوصول إلى معظم أراضي غزة، بالإضافة للنقص الحاد في تمويل العمليات الإنسانية (منه تمويل الوقود اللازم لتشغيل المركبات والمولدات الاحتياطية)؛ ولم يتوفر حتى الآن من تمويل 2026 سوى أقل من 40%".
ودعت المنظمة إلى زيادة التمويل الإنساني، ورفع القيود المفروضة على إدخال الإمدادات الحيوية، والتيسير الكامل لجهود الإغاثة.
وإذا كانت "أوتشا" تُرجع تعثّر الاستجابة إلى القيود الإسرائيلية وشُحّ التمويل، فإنّ "يونيسف" تكشف من جهتها الثمن اليومي الذي يدفعه الأطفال والعائلات جرّاء هذا التعثّر:
تقول "يونيسف"، في بيانٍ لها، إنّ 84% من سكان غزة (أكثر من 1.76 مليون نسمة)، يعيشون في مواقع نزوح مكتظة وملاجئ متضررة وغير ملائمة، دون حماية كافية من تقلبات الطقس، مُطالبةً بتمويل قدره 97.5 مليون دولار لحماية الأطفال والعائلات قبيل حلول الشتاء، بينما لم تُضمّن في بيانها أية إشارة للعقبات، المتمثلة في القيود الإسرائيلية، رغم كونها الجدار الأساسي الذي يقف في وجه الحلّ الجذري الأزمة، وفق شهادات المصادر الميدانية.
تصريحات أوتشا ويونيسف، ومثلها عشرات البيانات والتقارير الدولية التي اطّلعت عليها "آخر قصة"، تُبرهن تخبّط المنظومة الدولية في إدارة أزمة المباني الآيلة للسقوط في غزة؛ بين الاكتفاء بالتحذيرات، والمناشدات المالية، والتدخلات المحدودة التي لا تخرج عن ردود الفعل بدون تحرّك وقائي يُنقِذ الأرواح قبل فوات الأوان. وهو ما تتحمّل مسؤوليته سلطات الاحتلال التي تتسبّب بشلل هذه المنظمات عن ممارسة دورها الذي تلزمه بها التشريعات الدولية.
وبذلك، يتحوّل كل يوم تأخير في تمويل الاستجابة أو تيسير إدخال المعدات إلى ليلة إضافية ينام فيها آلاف الأطفال تحت سقفٍ قد ينهار عليهم بصمت، بينما تبقى التصريحات الرسمية والدولية معلّقة في سجلّ التحذيرات لا في سجلّ الإنقاذ الفعلي.
ومع تزايد خطر المباني المتصدعة الذي يُهدد أرواح مئات آلاف المواطنين مع اقتراب الشتاء، تُصبح الجهات المسؤولة أمام إنذار أخير قبل وقوع كوارث مُحققة. وربطًا بحق المواطنين الأساسي بالأمان والحماية، تتطلّب الأزمة حلولًا جذرية تتجاوز الاكتفاء بردود الفعل ومسكّنات التحذير، باتجاه خطة متكاملة تربط بين توفير المُعدات وتأمين بدائل الإيواء، مع ضبط حكومي لأسعار الإيجارات كجزء لا يتجزأ من الحل، لإنقاذ أرواح الأبرياء قبل فوات الأوان.