منذ أن نزحت من بيتها في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، تقضي سهير البسيوني (60 عامًا) حياتها داخل خيمةٍ نُصبت على عجل وسط مدينة غزة. بين خيمتها وخيام الجيران لا يقف جدار ولا باب؛ فقط قطع من قماشٍ بالٍ لا تحجب صوتًا ولا غضبًا، ولا حتى الشتائم.

تمسك البسيوني بطرف الخيمة كما لو أنّها تحاول تثبيت ما تبقى من خصوصيتها. وتقول بحزن: "الخيمة تحكم حياتنا هنا"، في إشارة إلى واقع يفرضه ضيق المساحة وغياب الخصوصية والجوار القسري، حيث تصبح تفاصيل الحياة اليومية خارج إرادة النازحين.

ثم تضيف: "كنا نقول الجار قبل الدار، لكن اليوم لا دار ولا اختيار. الجار أصبح مفروضًا علينا منذ عامين، وما زالت المعاناة مستمرة".

في المخيم، كما تصفه، لا يختار النازح جيرانه ولا توقيت شجاراتهم ولا الكلمات التي تتسرّب إلى خيمته عبر الأقمشة الرقيقة. خلاف بسيط على دور في طابور المياه، أو على مساحة ضيقة بين خيمتين، قد يكون كافيًا لتحويل يوم كامل إلى ساحة توتر وصراخ.

وتقول: "أسمع يوميًا شتائم مريعة وألفاظًا قاسية تتسرّب إلى خيمتي من كل اتجاه، وأشعر بخجل شديد حين يسمعها أحفادي معي، لكن لا يوجد بديل". ثم تسأل بسخرية مُرّة: "أين أذهب؟ أستبدل الجار؟ أم أغير الخيمة؟ كل الخيارات صعبة".

على بُعد خطوات قليلة من خيمتها، تعيش أسماء سويلم (55 عامًا) واقعًا أكثر قسوة، ليس بسبب الخيمة وحدها، بل بسبب الجوار الذي فُرض عليها. تسكن سويلم في خيمة ملاصقة لخيمة أخرى تقطنها عائلتان، أغلب أفرادهما شبان لا تجمعها بهم معرفة أو صلّة.

تخفض صوتها قليلًا وهي تتحدث، وكأنّها تخشى أن تُسمع: "لا توجد مشكلة مع مَن يسكن جواري، لكن أصواتهم مرتفعة طوال الوقت. أشعر بعدم الأمان وغياب الخصوصية".

وتقول إنها تعيش في إزعاج شبه دائم بسبب الأصوات المرتفعة، لافتة إلى أن الأمر يصبح أكثر حرجًا حين يزورها أحد. وتوضح: "أحيانًا يأتي ضيف إلى خيمتي، فأشعر بالخجل من الأصوات والكلمات التي تصدر من الخيام المجاورة".

وتضيف أن المخيم يفتقر إلى آليات واضحة لتنظيم الجوار، إذ لا يفصل بين الخيمة والأخرى سوى متر أو متر ونصف، من دون أي معايير تراعي الظروف الصعبة التي يعيشها السكان.

في الطرف الخلفي من المخيم، حيث تتلاصق الخيام أكثر ويضيق الممر بينها حتى يكاد يختفي، يعيش أحمد الزعانين (48 عامًا) في خيمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، محاطة بخيام أخرى تتداخل فيها الأصوات كما تتداخل الأقدام.

يقول: "لم أدخل في أي شجار منذ وصولي إلى المخيم. ليس لأنني لم أتعرض لسوء تعامل، بل لأنني اخترت الصمت".

ويضيف: "الخلافات هنا لا تحتاج إلى أسباب كبيرة؛ نظرة، كلمة، أو حتى مرور طفل بين الخيام قد يتحول إلى شجار تتطاير فيه الشتائم ويخرج فيه كل الغضب المكبوت. لا توجد خصوصية نهائيًا".

قريبًا منه، يجلس سامي مريش (62 عامًا) على مقعد خشبي متهالك، تحيط به خيام تسكنها العديد من العائلات، بينها شبان وجدوا أنفسهم هنا فجأة بعد النزوح الأخير.

يقول بصوت هادئ لكنه مثقل بالإحباط: "الجار أصبح مثل الغريب أحيانًا. نتصادم على أبسط الأمور، وأحيانًا أسمع كلمات لم أكن أتوقعها من أناس أعرفهم".

ثم يرفع كتفيه كمن يسلّم بالأمر الواقع: "وين أذهب؟ أين أجد خيمة؟ هذا الواقع لا يوجد له بديل. الاختيار ليس بيدي".

العيش في خيام النزوح ليس مجرد تجربة فردية معزولة، بل جزء من أزمة إنسانية أوسع. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، يعيش ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة حالة نزوح داخلي داخل خيام وملاجئ مؤقتة تفتقر إلى الماء والكهرباء والخصوصية. وفي هذه المساحات الضيقة تتداخل حياة العائلات وأصواتها، ما يحوّل الجوار المفروض والخلافات اليومية الصغيرة إلى انعكاس للضغط النفسي والاجتماعي الذي يعيشه السكان.

وخلال الأشهر الأخيرة وحدها، اضطر أكثر من 796 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم بسبب الحرب، فيما أكدت جهات أممية أن نحو 93% من خيام النازحين أصبحت غير صالحة للعيش.

هذه الأرقام لا تبدو مجرد بيانات إحصائية؛ بل تعكس واقعًا صادمًا: خيمات النزوح، التي يفترض أن تكون مأوى مؤقتًا، تتحول إلى بيئات مكتظة تفتقد إلى الخصوصية والأمان، ما يزيد من حدة التوتر النفسي والاجتماعي لدى سكانها.

هذا الواقع ينعكس أيضًا فيما يقوله معتز النبيه، العامل في إدارة مخيم ساحة الأزهر غرب مدينة غزة، الذي يشير إلى الصعوبات اللوجستية الكبيرة التي تواجه فرق الإدارة. تبدأ هذه التحديات من توزيع الموارد المحدودة، ولا تنتهي عند محاولات تقليل الاحتكاكات اليومية بين السكان.

ويضيف أن الاختلافات الصغيرة بين الجيران تتحول بسرعة إلى توتر بسبب الاكتظاظ وغياب الخصوصية، ما يجعل مهام الإدارة والتنسيق اليومية تحديًا مستمرًا.

ومع محدودية الوصول إلى خدمات الدعم النفسي، يرتبط التشريد بارتفاع كبير في حالات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من مليون شخص في غزة يحتاجون إلى خدمات دعم نفسي واجتماعي، بينما يحتاج نحو 1.2 مليون طفل إلى هذا النوع من الدعم. وهكذا تتحول الحياة اليومية داخل هذه الخيام إلى سلسلة متواصلة من التوتر والضغط النفسي. 

توضح المختصة في المجال الاجتماعي والنفسي أنوار أبو زايدة أن العيش في خيام النزوح يخلّف آثارًا نفسية عميقة على السكان، أبرزها فقدان الشعور بالأمان والسيطرة، والتوتر العصبي المستمر الناتج عن الاكتظاظ والضجيج، إضافة إلى تآكل الإحساس بالكرامة والهوية.

وتضيف أن الاحتكاكات اليومية والضغط النفسي المزمن يجعلان أي خلاف صغير قابلًا للانفجار بسرعة، وغالبًا ما تتحول الشتائم إلى وسيلة للتفريغ الانفعالي أكثر من كونها عدوانًا مقصودًا.

وتؤكد أبو زايدة أن السلوك العدواني أو الانفعالي الذي يظهر في مثل هذه البيئات القسرية لا يعكس حقيقة الشخص بالكامل، بل هو في كثير من الأحيان استجابة طبيعية للضغط والحرمان والخوف المستمر.

وهكذا، لم تعد الخيام مجرد مأوى مؤقت يحتمي به النازحون من الحرب، بل تحولت إلى فضاءات ضيقة تتكدس فيها الأصوات والضغوط والصراعات اليومية. وبين قماشٍ رقيق يفصل خيمة عن أخرى، يعيش آلاف النازحين واقعًا قاسيًا يكسر قاعدة قديمة طالما تغنّى بها الناس: الجار قبل الدار.