في خيمة تتطاير أطراف قماشها مع الريح، جلست آمنة محمد تراقب بصمت مشهدًا مألوفًا في الأشهر الأخيرة: زوجها يوبّخ ابنهما عمر (16 عامًا) الذي عاد بعد الثانية صباحًا. كان الأب يسأله بصرامة عن سبب تأخره، بينما وقف الفتى غير مبالٍ بالتوبيخ، كأنه يتحدّى غضب والده أكثر مما يخشاه.
كادت المواجهة أن تتطور إلى ضرب لولا تدخل الأم. وخلال التفتيش في جيب الفتى، عثر الأب على سيجارة ملفوفة بأوراق الملوخية المخلوطة بالنيكوتين. تبدّل الغضب إلى صدمة؛ تراجع الأب لحظة، ثم قذفها في وجه ابنه.
تقول آمنة إن ابنها عمر، تغيّر كليًا خلال الحرب، تقول: "كأنها أعادت تشكيل شخصيته"، خاصة أنه دخل مرحلة المراهقة خلال عامي الصراع، مضيفة أن الأسرة فقدَت السيطرة على تصرفاته، إذ أصبح أكثر حدّة وعنفًا، سريع الانفعال، ومتمردًا يفعل عكس ما يطلبه والده تحديدًا، وكأنّه يتعمد استفزازه.
تفرك يديها بتوتر وتضيف: "لدي خمسة أبناء. عندما بلغ ابني الأكبر سن المراهقة لم أعانِ كما أعاني اليوم. كان يتمرد أحيانًا، لكن ليس بهذه الصورة. كان عمر طفلًا مشاغبًا، لكن مع تقدمه في السن ازداد تمرده، حتى أصبح التعامل معه مرهقًا وصعبًا. بدأت ألاحظ التغيّر عندما صار يذهب لجلب الطعام من نقطة المساعدات الأمريكية".
لم تتوقف آثار تمرده عنده وحده؛ فقد بدأ أشقاؤه الأصغر يقارنون أنفسهم به ويقلدون سلوكياته. حاولت والدته البحث عن طريقة للتعامل معه، فلجأت إلى صديقة تدرس علم النفس وعلى وشك التخرج من الجامعة.
تتابع: "كل شيء يعترض عليه. يرفض الاصطفاف على طابور الماء أو جلب أي مستلزمات للعائلة. حتى الخيمة لم تعد تعجبه، ويريد منّا استئجار بيت".
وتضيف: "لا يتوقف عن الطلبات، ولا يستوعب أننا لا نملك إيجار البيت. في آخر مشادة قال لي: يمكنك بيع أساور من مصاغك الذهبي وبثمنها نستأجر بيتًا لثلاثة أشهر. وعندما أسأله: وماذا بعد؟ يصمت، ثم يصرخ لاعنًا ما نعيشه ويغادر الخيمة".

في غزة، خلال الحرب (2023-2025) وما بعدها، تواجه آلاف العائلات أزمات مركّبة. فإلى جانب ضغوط المعيشة القاسية، يواجه الأهالي تحولات ملحوظة في شخصيات أبنائهم المراهقين، وهي مرحلة تتسم أصلًا بتغيرات نفسية وسلوكية. غير أن ظروف الحرب ضاعفت حدّة هذه التغيرات، ومع تشوّه النمط الحياتي المعتاد تبدو أنماط التربية التقليدية والحديثة عاجزة عن التعامل مع هذه التحولات.
منذ اندلاع النزاع، توقّف نحو 600 ألف طالب عن التعليم، بينهم عشرات الآلاف من الفتيات والفتيان الذين يقفون على أعتاب المراهقة أو دخلوها بالفعل. ومع النزوح المتكرر ونقص الغذاء، ابتعد هؤلاء عن المدرسة، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في مستواهم الدراسي، وتآكل المبادئ التي كانت الأسر تحرص على ترسيخها لديهم.
السيدة إخلاص عمار واحدة من الأمهات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة هذه التحولات. فقدت زوجها في قصف مركز إيواء، وأصبحت مسؤولة عن ثلاث فتيات وابن مراهق.
منذ الأشهر الأولى للنزوح إلى خيمة في جنوب قطاع غزة، لاحظت تغيرًا واضحًا في شخصية ابنها، خاصّة بعد اختلاطه بأشخاص كانت ترفض اختلاطه بهم قبل الحرب.
تقول بعد تنهيدة: "لا أستطيع السيطرة عليه أبدًا. لم أسمح لأخي بالتدخل حتى لا تتفاقم الأمور. أحاول وحدي. جربت معه كل الطرق ليتوقف عن العصبية المفرطة، لكنه لا يحترمني ويتلفظ بألفاظ نابية باستمرار". وتشير إلى أنه يقلد أبناء عمومته في كل شيء، وهو ما يقيدها فلا تستطيع مكاشفتهم تجنبًا للمشاكل العائلية معهم.

أما أماني سليمان فوجدت نفسها أمام تمرد بدأ مبكرًا لدى ابنتها نغم البالغة من العمر 14 عامًا. كانت تعتقد أن المراهقة تبدأ بعد الخامسة عشرة، لكنها أدركت متأخرة أن ما تواجهه هو جزء من هذه المرحلة. تقول إن شقيقتها أخبرتها يومًا: "ابنتك مراهقة… احتويها ولا تعنفيها".
نغم (*) تعيش مع عائلتها في مخيم للنازحين. تتذمر باستمرار من حياتها هناك، وترفض ارتداء الحجاب مثل قريناتها، وإن ارتدته تُظهر نصف شعرها. وفي إحدى المرات صفعها والدها بعد سماع تعليقات الجيران على حجابها.
ترفض الدراسة والذهاب إلى المدرسة، وتشتم أشقاءها الأصغر وتضربهم. حاولت أمها توجيهها مرارًا، كما طلبت من شقيقاتها المتزوجات نصحها، لكن دون جدوى.
تقول الأم: "ترفض مساعدتي في الخيمة، تريد أن تبقى على الهاتف تشاهد تيك توك. كلما طلبت منها شيئًا تقابلني بالتذمر والرفض. أضطر أحيانًا لضربها. كانت متفوقة في المدرسة قبل الحرب، لكنها الآن تقول إن الدراسة غير مجدية، وتردد: قد نموت الآن بصاروخ، فلماذا أدرس؟".

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تسعة من كل عشرة أطفال في قطاع غزة يظهرون سلوكًا عدوانيًا نتيجة تأثرهم بالصراع. ووفق تقييمات أممية، أظهر 93% من الأطفال سلوكًا عدوانيًا، بينما يمارس 90% منهم العنف تجاه أقرانهم الأصغر سنًا. كما يعاني 86% من الحزن والاكتئاب، و79% من اضطرابات النوم، فيما يرفض 69% منهم الدراسة.
فاطمة عبد الرحيم، أم لثلاثة أولاد، بدأت حديثها بمثل شعبي: "قلبي على ولدي انفطر، وقلب ولدي عليّ حجر". إذ تعاني مع ابنها الأكبر (16 عامًا) وشقيقه (14 عامًا)، اللذين يرفضان إكمال تعليمهما رغم تسجيلهما في مدرسة خاصة بمقابل مادي.
تروي بصوت منهك: "يرغب ابني في التدخين. السجائر غالية، لكنه يرى والده يدخن السجائر المصنوعة من الملوخية، وقد جرّبها مرة ولم تعجبه. يتذمر من كل شيء: الطعام، تعبئة الماء، وحتى المساعدة في الخيمة".
وتردف: "كلما تشاجر مع إخوته يبرحهم ضربًا. وفي كل مرة أقف بينه وبين والده عندما يحاول ضربه. حاولت التقرب منه، وأرسلت مقربين منا للحديث معه، لكن رفاق السوء موجودون. في البيئة المختلطة التي نعيشها بعد الحرب يصعب السيطرة على أولادنا".
وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ عدد الأطفال دون سن الثامنة عشرة في قطاع غزة نحو 980 ألف طفل، أي ما يقارب نصف سكان القطاع البالغ عددهم حوالي 2.1 مليون نسمة. غير أنّ ما يقارب ثلث هؤلاء الأطفال يعانون اضطرابات نفسية مرتبطة بالحرب؛ إذ تشير تقارير منظمة الصحة العالمية واليونيسف إلى أن ما بين 350 و400 ألف طفل يواجهون مشكلات نفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات النوم، والقلق، والاكتئاب.
تقول المختصة التربوية حكمت المصري إن بيئة الحرب تؤثر بعمق على النمو السلوكي والتربوي للأطفال، إذ يتعرضون لصدمات نفسية ناتجة عن فقدان الأمان والاستقرار.
وتبين أن الحرمان يؤثر في النمو المعرفي، بينما يؤدي التعرض المباشر أو غير المباشر للعنف إلى تشويه مفاهيم الطفل حول السلوك المقبول.
وتفيد المصري أن هذه العوامل تترك آثارًا طويلة المدى على شخصية المراهقين، مثل الانطواء أو العدوانية أو التبلد العاطفي أو اضطرابات ما بعد الصدمة، مشيرة إلى أن السلوكيات العدوانية غالبًا ما تكون انعكاسًا للقلق والغضب والخوف غير المعالج.

من جانبه، يقول المختص النفسي عرفات حلس إن سلوكيات جديدة بدأت تظهر بين المراهقين، بعضها غير مألوف في الثقافة المجتمعية التقليدية قبل الحرب. موضحًا أن هذه السلوكيات أصبحت أكثر حدة، بينما تقلصت قدرة الأهل على التحمل نتيجة الإنهاك المتراكم.
ومن أبرزها، بحسب حلس، رفض الانصياع للتوجيهات، والشعور بأن المراهقين أكثر خبرة بالحياة من الأهل، ما يضعف تأثير التربية والتعليم. ومع ظروف الخيمة والحياة الطارئة، تصبح قدرة الأسرة على فرض النظام التعليمي والثقافي محدودة.
ويشير إلى أن العنف اللفظي، واستخدام الكلمات النابية، وإضاعة الوقت على الهواتف، وغياب المشاركة في المسؤوليات، كلها انعكاسات لضغط الحرب والظروف المعيشية القاسية، ما يؤدي إلى تراجع الوازع القيمي، لكنه يؤكد أنه "تراجع وليس انهيارًا كاملًا".
ورغم أن هذه السلوكيات تقلق الأهالي، يُشدد حلس على أهمية تقديم الدعم والإرشاد بدل العقاب. وينصح الآباء والأمهات بالاقتراب من أبنائهم المراهقين، والاستماع إليهم، وتخصيص وقت لهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
ويضيف أن التوبيخ القاسي أو الطرد أو المعايرة قد يزيد العناد والتفلت، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة بناء الذات والبنية الاجتماعية للأسرة، ومواجهة الظروف الصعبة بالحب والاحتواء بدل القسوة.
وسط الفوضى والضغوط المعيشية وتغير نمط الحياة في غزة، يجد المراهقون أنفسهم في مواجهة واقع لم يعرفوه من قبل. تتبدل ردود أفعالهم بسرعة، ويطرحون أسئلة وجودية عن حياتهم ومستقبلهم. يتمرد بعضهم على أسرهم والواقع المحيط بهم، لكن الأمل يبقى قائمًا. فالحرب ربما غيّرتهم، لكنها لم تمحُ القيم التي نشأوا عليها، ولا إمكانية استعادتها.
(*) أسماء مستعارة