في الوقت الذي تتزين فيه أراضٍ عربية بأزهار الربيع وتهطل فيه أمطار رعدية على القاهرة والرياض، تعيش غزة واقعًا مناخيًا مغايرًا تمامًا. هنا، لا يحمل الربيع بشائره المعتادة، بل يتحول إلى فصل قاسٍ يضاعف معاناة مئات الآلاف من النازحين الذين باتوا أسرى خيام بالية في المدينة التي تترامى على سواحل البحر.
فصل الربيع لم يزر غزة هذا العام، وكأن التغير المناخي يحكم قبضته على القطاع الذي يعاني أصلاً من ويلات الحرب. فبينما شهدت دول عربية تقلبات جوية عنيفة، من عواصف رعدية وأمطار غزيرة، طال قطاع غزة منخفضات جوية باردة منها، لكن سكان الخيام هنا يحتمون بعباءات رقيقة لا تصمد أمام رياح البحر الباردة.
ووفق تقديرات جوية حديثة، شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية تراجعًا ملحوظًا في درجات الحرارة الليلية مع نشاط للرياح الباردة القادمة من البحر المتوسط، ما يزيد الإحساس الفعلي بالبرودة، خاصة في المناطق الساحلية المكشوفة مثل خيام النزوح.

يقول يوسف المصري (55 عامًا)، نازح من بيت لاهيا شمال القطاع إلى خيام المواصي غرب خان يونس: "في كل عام كنا نستقبل الربيع بزراعة الزهور في أراضينا وأمام منازلنا. اليوم، نسكن في خيمة لا تحمينا من برد مارس. أطفالي يرتجفون، والأغطية لا تكفيهم. الفرق بين الليل والنهار في درجات الحرارة يقتلنا".
ويُعد هذا التباين الحاد بين درجات الحرارة نهارًا وليلًا من أبرز سمات الاضطرابات المناخية الحديثة في شرق المتوسط، إذ يتسبب في زيادة الإحساس بالقسوة المناخية، حتى في الفصول الانتقالية كفصل الربيع.
تأكيدًا لما ذهب إليه العلماء من أن التغير المناخي يزيد الظواهر الجوية تطرفًا، يعيش سكان غزة هذه الحقيقة مباشرة، إذ تحوّل الربيع إلى فصل قاسٍ بفعل تقلبات حادة. ويرى خبراء أن ارتفاع حرارة الأرض وراء هذه الاضطرابات، بينما يفاقم الواقع الإنساني الصعب في غزة من شدّة آثارها.
وتشير تقارير مناخية دولية إلى أن منطقة شرق المتوسط تُعد من البؤر الأكثر تأثرًا بتداعيات التغير المناخي، حيث تزداد حدة الظواهر الجوية وتقلّ قابليتها للتنبؤ مقارنة بالعقود الماضية.

خبير الفيزياء الفلكية، عمر فكري، كان قد أوضح في تصريحات سابقة أن الاحتباس الحراري يتسبب في تطورات غير متوقعة في الظروف الجوية، وأن المناطق المختلفة تشهد تأثيرات معاكسة. فبينما تشهد مناطق أمطارًا غزيرة، تعاني أخرى من جفاف شديد أو برودة قارسة.
ويحدث ذلك نتيجة التقاء كتل هوائية باردة قادمة من أوروبا مع كتل دافئة من الجنوب، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار الجوي تؤدي إلى رياح نشطة وأمطار متفرقة وانخفاض مفاجئ في درجات الحرارة.
هذه الحقيقة تجسدت في قطاع غزة بوضوح خلال الأيام الماضية. فالرياح الباردة القادمة من البحر المتوسط، والتي تحمل عادة أمطارًا خيرة على الأراضي الزراعية، تحولت إلى عدو لدود لسكان الخيام. المنخفضات الجوية التي تحدث عنها خبراء الأرصاد، كالمنخفض القادم من شمال أوروبا عبر البحر المتوسط، تضرب القطاع دون أن تجد بنية تحتية قادرة على استيعابها.
كما أن طبيعة الأراضي الرملية في مناطق النزوح، خاصة في منطقة المواصي جنوب القطاع، تجعل الخيام أكثر عرضة للتأثر بالرياح، حيث لا توفر التربة تثبيتًا كافيًا، ما يزيد من هشاشتها أمام أي اضطراب جوي.

أمل محمد (43 عامًا)، أم لخمسة أطفال، تقيم في خيمة غرب مدينة غزة، تروي: "الليالي أصبحت أطول من أي وقت مضى. الرياح تمزق خيمتنا ونحن نجمعها بأيدينا. لا وقود للتدفئة، ولا ملاجئ بديلة. ابني الصغير أصيب بالتهاب رئوي بسبب البرد".
ويحذر أخصائي الأمراض الصدرية، الطبيب أحمد حجاج، من أن العيش في خيام تفتقر للعزل الحراري يزيد من خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال وكبار السن، في ظل الرطوبة العالية وتقلبات الحرارة.
التغير المناخي، الذي أشارت الدراسات إلى أنه يزيد من شدة المرتفعات الجوية وتأثير المنخفضات الممطرة أو الجافة، يضرب غزة في وقت هي بأمس الحاجة إلى الاستقرار. فبدلاً من أن يكون الربيع موسمًا للأمل والتجدد، أصبح فصلًا يعمق معاناة النازحين الذين فقدوا منازلهم.
كما ينعكس هذا الاضطراب المناخي على ما تبقى من الأنشطة الزراعية المحدودة، إذ تتأثر المحاصيل بالتغيرات المفاجئة في الطقس، ما يفاقم من انعدام الأمن الغذائي في القطاع.
خبراء الأرصاد كانوا قد توقعوا أن يستمر تأثير المنخفضات الجوية لتمتد إلى مناطق واسعة، لكنهم لم يتوقعوا أن تجد هذه المنخفضات ملايين البشر في غزة بلا مأوى. الواقع الذي تعيشه القطاع اليوم هو مزيج قاتل من أزمة مناخية تتفاقم، وحرب لم تترك للإنسان سوى الخيمة ليحتمي بها من قسوة الطبيعة.

ويرى المختص البيئي نزار الوحيدي أن ما يحدث في غزة يمثل نموذجًا صارخًا لتقاطع الأزمات، حيث تتضاعف آثار التغير المناخي في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، محذرًا من أن تراكم الأزمات البيئية، من تلوث الهواء إلى تدهور التربة، يجعل مناخ غزة أكثر قسوة وخطورة على السكان، خاصة في ظل غياب البنية التحتية.
في غزة، لا يقرع المطر أبواب البيوت الزجاجية، بل يغرق الخيام المنصوبة على الرمال. لا تزهر اللوزيات في هذا الربيع، لأن الأرض محروقة، والبشر منشغلون بالبحث عن دفء لا يأتي.
هكذا، يختطف التغير المناخي من غزة ربيعها، ويجلد سكانها بعنف الطبيعة وهم في أضعف حالاتهم، تاركًا إياهم في صراع يومي مع عناصر الجو الأربعة: الريح التي لا ترحم، والبرد الذي لا يلين، والمطر الذي يغرق أحلامهم، والرمال التي تذريها العواصف فوق خيام لا تحمي ولا تؤوي.
وما يحدث هنا لا يعكس تغيرًا مناخيًا فحسب، بل يكشف كيف يمكن للطقس المتطرف أن يتحول إلى عامل مضاعف للأزمات الإنسانية حين يلتقي بالهشاشة وانعدام الحماية.