رغم القصف الدائر بين الحين والآخر، ينهمك الفنان الفلسطيني أحمد مهنا في تحويل صندوق مساعدات غذائية فارغ إلى لوحة. الرائحة المهيمنة داخل مرسمه ليست رائحة الألوان الزيتية، بل رائحة الغبار والرماد والخوف الناتج عن الحرب.

الأدوات التقليدية اختفت منذ أشهر في قطاع غزة، وحل محلها بقايا القهوة كحبر نباتي وعلب الكرتون البنية التي وصلت إليها عائلته يوماً ما كأمل ضئيل، والتي في مجملها تحولت إلى أدوات لصناعة لوحة فنية تعبر عن هذا الواقع البأس.  

 على بعد مئات الأمتار، في خيمة نزوح ترفع يارا أبو عمشة (14 عاماً) قوس الكمان إلى كتفها. الصوت الخارج ليس نغمة نقية، بل هو صوت مكسور يتصارع مع دوي الانفجار البعيد وصراخ طفل. هنا، في قلب الدمار، يولد نوع مختلف من الأمل: ليس بالحجارة وحدها، بل بفرشاة من سخام أواني الطهي، ووتر على آلة موسيقية في خيمة متهالكة.

هذا هو المشهد اليوم في قطاع غزة، حيث تحول الفن والموسيقى من تعبير عن الجمال إلى وسيلة حيوية للبقاء النفسي، وأرشيف حي للألم، وخط دفاع أخير عن الإنسانية.

 الرسم على حافة الجوع 

لم يكن أحمد مهنا (47 عاماً) يخطط ليكون مؤرخاً بصرياً لحرب. كان فناناً واختصاصياً في العلاج بالفن، يرسم أحلام الأطفال في غزة على ألواح قماشية نظيفة. ثم انقلب عالمه رأساً على عقب. لأشهر، جثم الرعب على صدر إبداعه. "نفدت كل الإمدادات. كان التركيز الوحيد على إيجاد الماء والخبز وإبقاء العائلة على قيد الحياة"، يتذكر مهنا، الذي يعيش في مخيم البريج للاجئين. "لكن الصمت كان يقتلني أيضاً. كان علي أن أروي القصة".

لم تكن القصة التي يريد روايتها في الصحف العالمية. بل كانت قصة التفاصيل الصغيرة: نظرة أم فقدت طفلها، يأس رجل يبحث عن دواء، شموخ طفل يحمل جرّة ماء أكبر منه. بحث عن أدواته فلم يجد. ثم وقعت عيناه على صناديق المساعدات الكرتونية التي يحملها برنامج الأغذية العالمي، والتي كانت وسيلة للبقاء الجسدي. رأى فيها لوحاته المقبلة.

"أصبحت هذه الصناديق شاهداً مزدوجاً"، يقول مهنا، بينما يقطع بعناية جانباً من صندوق. "كانت تحمل الغذاء للجسد، والآن ستحمل حقيقة الروح. إنها توثق الكارثة بحقيقتها المادية نفسها". عمليته غدت طقساً يومياً: جمع الصناديق الفارغة، تسوية سطحها، ثم البحث عن "ألوان". القهوة المتبقية تعطي درجات البني والبيج. الشاي يقدم لوناً أصفر باهتاً. أي شيء عضوي يمكنه ترك علامة أصبح أداة ثمينة، بعد فقدان معدات الرسم. 

إحدى لوحاته البارزة، التي يعمل عليها حالياً، تصور امرأة تحيط ذراعيها بأطفالها الثلاثة، ونظراتهم مثبتة على شيء خارج الإطار. خلفهم، تظهر أشعة شمس مشرقة، متحدية الظلام المحيط. "هنا تكمن المفارقة"، يشرح مهنا وهو يطبق طبقة رقيقة من سائل بني داكن. "الشمس هي الأمل. لكنها أمل مغروس في تربة من الفقدان. نتذكر دائماً محمود درويش: 'على هذه الأرض ما يستحق الحياة'. هذه اللوحة هي تأكيد لتلك الكلمات".

قصة مهنا تلتقي بقصة مرح خالد (18 عاماً)، والتي تمثل جيلاً مختلفاً يعيش نفس الكارثة. نزحت مرح مع أسرتها واستقرت في خيمة في ساحة مدرسة. بحثت عن مخرج لها من الكابوس اليومي فوجدته في الرسم. لكنها، كغيرها، واجهت شحاً كاملاً في المواد. فابتكرت حلاً من قلب المعاناة: سخام أواني الطهي.

"في البداية، كان الأمر يائساً. ثم نظرت إلى القدر الأسود بعد الطهي على نار مفتوحة وفكرت: هذا هو حبري"، تقول مرح. 

أصبح روتينها: كشط السخام، طحنه بحجر، ثم خلطه بالقليل من الماء إن وجد. لوحاتها، المرسومة بالأسود والأبيض فقط، هي صور مباشرة وصادمة: وجوه مشوهة بالحزن، عيون واسعة من الفزع، أشكال نحيلة ترمز للجوع. 

"اللونان يعكسان طاقة سلبية هائلة كنت أحملها داخلي"، توضح. "الرسم لم يكن هواية. كان عملية جراحية. كنت أخرج الذكريات المؤلمة وألصقها على الورق حتى لا تبقى بداخلي وتأكلني".

 النغمة والإيقاع 

في الوقت الذي ينقل فيه مهنا وخالد الصدمة إلى الخط والشكل، يكافح أحمد أبو عمشة (40 عاماً) لتقديم نوع مختلف من العلاج: النغمة والإيقاع. نازح من بيت حانون، ومدرس موسيقى في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، وجد أبو عمشة نفسه هو وعائلته ينتقلون 12 مرة قبل أن يستقروا في خيمة متهالكة وسط مدينة غزة.

صبيحة أحد الأيام، بينما كان يحمل قوارير المياه الفارغة في رحلة شاقة لتأمين قوت يومه، نظر إلى الأطفال النازحين من حوله. "رأيت في عيونهم الفراغ، وهو فراغ أخطر من الخوف"، يقول أبو عمشة. "قررت أن أملأه بشيء، ولو كان مجرد نغمة".

حوّل خيمته المتواضعة إلى صف موسيقى مفتوح. أخرج عوده، وبدأ بتشجيع الأطفال على الانضمام إليه. لم تكن هناك خطط دراسية معقدة، بل مجرد تعلم وتر أساسي، أو لحن أغنية شعبية بسيطة. من هذا الجهد المتواضع، ولدت فرقة "طيور غزة المغردة"، المكونة من أطفال موهوبين التقى بهم في رحلة نزوحه.

لكن الموسيقى هنا ليست للترفيه. إنها مساعد نفسي. بالنسبة لمعين أبو عمشة (22 عاماً)، أخو أحمد، فإن الناي الذي يحمله معه في كل ترحال هو ضابط إيقاع لحالته النفسية. "عندما أضع الناي على شفتي وأبدأ بالعزف، أغمض عيني. الضجيج يختفي، ولو للحظات. أنسى الأسى، أنسى أننا في خيمة، أنسى صوت الطائرات"، يقول معين. "إنه ليس هروباً، بل هو صعود إلى سطح الماء لأخذ نفس، قبل أن أغوص مرة أخرى في الواقع المأساوي". 

ابنته يارا، عازفة الكمان، تشاركه هذا الشعور. في كل مرة كان عليهم فيها جمع حطام ممتلكاتهم والفرار إلى مكان جديد، كان أكبر خوف لها هو أن تفقد كمانها. "هذه الآلة أصبحت صوتي الداخلي"، تقول يارا. "عندما كان القصف يشتد، كنا نلجأ إلى الزاوية الأبعد في الخيمة. أمي تهدئ إخوتي الصغار، وأنا أحاول عزف أي لحن. النغمات، حتى المشوشة منها، تخلق جداراً بيننا وبين الرعب خارج الخيمة".

من قلب الكارثة.. رسالة إلى العالم

ما بدأ كآلية تكيف فردية، بدأ يأخذ بعداً عالمياً. لم تعد الأعمال الفنية حبيسة الجدران المدمرة أو الخيام المتهالكة. مائة لوحة من أعمال أحمد مهنا، مرسومة على تلك الصناديق الكرتونية نفسها، تم جمعها وتنظيمها في معرض فني متنقل يجوب الآن عواصم أوروبية تحت رعاية برنامج الأغذية العالمي والاتحاد الأوروبي. المعرض، بعنوان "شهادات من الصندوق"، لا يبيع اللوحات، بل يروي القصة الإنسانية. كل صندوق يحمل قصتين: قصة الغذاء الذي حمله، وقصة المعاناة التي يحملها الآن على سطحه.

"عندما رأى الناس في بروكسل وبرلين هذه اللوحات، لم يروا فنًا مجردًا"، يقول منظم المعرض. "لقد رأوا مادة الكارثة نفسها – الكرتون الذي حمل فتات الخبز – وقد تحول إلى شاهد. هذا يجعل التجربة ملموسة بشكل لا يصدق. إنه يزيل الإحصائيات المجردة ويقدم وجهاً إنسانياً".

على الجانب الآخر، انتشرت مقاطع فيديو لفرقة "طيور غزة المغردة" على منصات التواصل الاجتماعي. مشهد أطفال بملابس رثة يعزفون أغنية عن السلام في خيمة ممزقة، أحدث صدى عالمياً. تحولت الخيمة إلى منصة، والصوت المكسور إلى صرخة ضد النسيان.

يقول أبو عمشة: "نحن لا نعزف لننسى الحرب، بل لنذكر العالم بأننا هنا، وبأن لدينا شيئاً جميلاً لنقدمه حتى في أحلك الأوقات. الموسيقى تذكرنا بأننا بشر، وليس مجرد ناجين أو أرقام في تقرير إغاثة".

مهنا يوافقه الرأي من منظور مختلف: "في العلاج بالفن، نعلم أن التعبير عن الصدمة هو الخطوة الأولى للتعافي. ما نفعله هنا في غزة هو علاج جماعي قسري. كل لوحة ترسمها مرح، كل صندوق أرسم عليه أنا، هو جلسة علاج لروح جماعية مجروحة. نحن نخرج الألم المشترك ونضعه في مكان يمكن للعالم رؤيته".

الفن كضرورة للبقاء

في النهاية، تجسد قصص مهنا ومرح وأبو عمشة ومعين ويارا حقيقة قاسية: في غزة، لم يعد الفن ترفاً ثقافياً أو هواية. لقد أصبح ضرورة بيولوجية تقريباً. في غياب السلامة الجسدية والأمن الغذائي، أصبح التعبير الفني أحد الوسائل القليلة المتبقية للحفاظ على السلامة النفسية والإنسانية.

هو فعل تحدي ليس بالمعنى السياسي المباشر، بل بمفهومه الوجودي الأعمق: مقاومة تحويل الإنسان إلى مجرد ضحية أو رقم، مقاومة لنسيان الجمال. إنهم، بفرشاة من سخام أو نغمة على وتر، يصرون على أن الحياة لا تزال تستحق أن تُعاش، وأن تُسرد، وأن تُغنى. 

يقف أحمد مهنا أمام لوحته شبه المكتملة، المرأة وأطفالها تحت الشمس. ينظر إليها ثم يقول: "البعض قد يقول إن الرسم على صندوق غذاء فارغ هو ذروة اليأس. لكني أرى العكس. إنه إيمان بأن هذه القصة – قصة الجوع والألم – يجب أن تُحكى. وأن الفن، حتى في أبسط وأقسى أشكاله، يملك قوة حملها. طالما كان هناك صندوق للرسم عليه، وناي لعزف لحن، فهذا يعني أننا ما زلنا نتنفس. وما زلنا هنا".