ترتدي سعدة المجدلاوي ملابسها الزراعية البسيطة الملطخة بآثار التراب، وتقف في وسط رقعةٍ خضراء محدودة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تمارس طقسها اليومي بإصرارٍ متجدد. تمسك ببذور السبانخ والخس، وتغرسها برفق في تربةٍ حرثتها بعناية، محاولةً تنقيتها من الملوثات والشوائب البلاستيكية الدقيقة واستعادة توازنها الحيوي. 

وعلى الرغم من شحّ الأسمدة العضوية وندرة البذور، واصلت مشروعها بإصرار، تعامل التربة ككائنٍ حيّ، تسعى لإحياء خصوبتها وحماية بنيتها من التدهور.

لم تكن الزراعة بالنسبة لها مجرّد عمل، بل مسارًا علميًا وعمليًا. فقد حصلت على درجة الماجستير في علم النبات، وطبّقت معارفها في قطعة أرضٍ صغيرة استأجرتها قبل أشهر.

تقول: "عندما بدأت العمل في الأرض، كانت مليئة بالمخلّفات والأكياس البلاستيكية والركام، والتربة نفسها كانت منهكة. أزلت الشوائب وحرثتها، ثم اشتريت البذور وزرعتها بمساعدة مزارعٍ استعنتُ به".

وتضيف، مشيرةً إلى أشتال السبانخ: "مع مرور الوقت لاحظت ضعف النمو وبطئه. كنت أزرع حوضًا كاملًا فلا ينمو منه إلا القليل. لا تتوفر أسمدة يمكن استخدامها بالشكل الصحيح، وحتى الشتلات المريضة لا علاج لها".

لا يقتصر عمل المجدلاوي على الزراعة، بل تحاول الاستفادة من محصول السبانخ في إعداد معجناتٍ منزلية للبيع، لتأمين مصدر دخلٍ إضافي، في محاولة لربط الزراعة بالأمن المعيشي.

تجربة هذه المزارعة اليومية ليست فريدة، فهي تعكس واقع التربة الزراعية في قطاع غزة، التي تعرضت خلال الحرب التي اندلعت مطلع أكتوبر 2023 لتدهورٍ بيئي حاد، حيث كانت مساحة الأراضي الزراعية في غزة قبل الحرب حوالي 178 ألف دونم، منها 93 ألف مزروعة بالخضروات، لكن نحو 90% منها خرجت عن الخدمة بسبب القصف والدمار.

وأدّت أنقاض المباني وتراكم النفايات وتحلل البلاستيك إلى تكوّن الميكروبلاستيك، جسيمات بلاستيكية دقيقة يقلّ حجمها عن خمس مليمترات، تنتج عن تحلل المواد البلاستيكية بفعل الحرارة والأشعة فوق البنفسجية والاحتكاك. 

تُؤدي هذه الجزيئات إلى تعطل النشاط الميكروبي النافع، وتغيّر البنية الفيزيائية للتربة، وتقلل قدرتها على الاحتفاظ بالماء، ما يزيد هشاشتها الإنتاجية ويحدّ من نمو النباتات. إضافةً إلى ذلك، تسبب القصف بتسرّب مركبات كيميائية ومياه صرف صحي إلى الأراضي، ما قلّص خصوبة التربة وزاد التحديات أمام كل مزارع في غزة، في وقت يفتقر فيه المزارعون إلى أبسط المستلزمات الزراعية.

وتعكس قصّة المجدلاوي صعوبة الزراعة في غزة اليوم، حيث يواجه المزارعون تحدّيات مركبة: نقص الأسمدة والبذور، وتلوث التربة بجزئيات البلاستيك، ما يضع إنتاجية المحاصيل في خطر. فيما يعد مشروعها مثال حي على الأزمة البيئية الأوسع التي تهدد الأراضي الزراعية في القطاع.

المزارع نائل معروف كان يمتلك عددًا من الدونمات الزراعية في بيت لاهيا شمال القطاع، لكنها أصبحت غير صالحة للزراعة بسبب وقوعها في مناطق أصبحت تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، فيما يُعرف محليًا باسم "الخط الأصفر". منذ ذلك الحين تدهورت ظروفه وفقد دافعه للزراعة، رغم محاولته خلال الحرب استغلال مساحة صغيرة بجانب خيمته.

يروي معروف: "زرعت بعض النباتات، لكن التربة الملوثة وبقايا البلاستيك أضعفتها حتى ماتت. المشكلة الأكبر كانت المياه؛ المتوفر للري ماء مالح، ما أدى إلى ذبول النباتات وتوقفها عن النمو، فتوقفت عن الزراعة". ومع تدمير نحو 46% من الآبار الزراعية في غزة، اضطر المزارعون إلى استخدام مياه ملوثة أو مالحة، ما أثر بشكل مباشر على نمو النباتات.

بينما تظهر هذه التجارب اليومية مدى هشاشة الزراعة في غزة، يسلّط الخبراء الضوء على الأسباب العلمية التي تجعل التربة عرضة للتدهور وكيف تؤثر الجسيمات الدقيقة على خصوبة الأرض ونمو النباتات.

المهندس الزراعي أشرف أبو دقة يوضح أنّ تلوث التربة بالميكروبلاستيك يعد من أخطر العوامل التي تهدد خصوبتها ووظائفها الحيوية. تشير الجسيمات الدقيقة إلى تغيير البنية الفيزيائية للتربة، وتقليل قدرتها على الاحتفاظ بالماء، وإعاقة نمو الجذور، وإلحاق الضرر بالكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبة الأرض. 

بالإضافة إلى ذلك تطلق هذه الجسيمات مركبات كيميائية سامة وتؤثر في حموضة التربة، ما يضعف التوازن البيولوجي ويقلّل إنتاجية المحاصيل.

ويربط أبو دقة بطء نمو النباتات بعمليات الأكسدة التي تتعرض لها الجسيمات البلاستيكية داخل التربة، إذ تؤثر في تطور الجذور وحيوية النبات، وتؤدي على المدى الطويل إلى سمية خلوية وتراكم ملوثات داخل الأنسجة النباتية، بما ينعكس سلبًا على خصوبة التربة وسلامة السلسلة الغذائية. 

كما يحذر من انتقال هذه الجسيمات إلى الإنسان عبر الغذاء، إذ تمتص الجذور النباتات الملوثة الجسيمات الدقيقة وتصل إلى الأجزاء الصالحة للأكل، مسببة آثارًا فيزيائية وكيميائية محتملة.

قبل النزاع، كان القطاع الزراعي يساهم بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي في غزة، بقيمة 343 مليون دولار، وكان يوفر فرص عمل لمئات الآلاف من العائلات ويؤمن جزءًا كبيرًا من احتياجاتها الغذائية. ومع توقف الإنتاج تقريبًا بسبب الحرب، تكبد المزارعون خسائر يومية تُقدّر بـ1.6 مليون دولار، مما أثر مباشرة على معيشة الأسر وأدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء.

المختص البيئي نزار الوحيدي يؤكد أنّ الميكروبلاستيك والمركبات البتروكيميائية تتحلل تدريجيًا تحت تأثير أشعة الشمس والحرارة إلى جزيئات دقيقة تبقى في البيئة لسنوات طويلة، ما يجعلها ملوثًا تراكميًا وذو سمية مستمرة. 

وتؤثر هذه الجزيئات على التربة من الناحية الفيزيائية والكيميائية، وتضعف النشاط البيولوجي للكائنات الدقيقة المفيدة، مثل البكتيريا والفطريات المسؤولة عن تحلل المواد العضوية وإطلاق العناصر الغذائية الأساسية وتثبيت النيتروجين، ما يؤدي إلى فقدان التوازن البيولوجي وانخفاض إنتاجية المحاصيل.

وتتجلى آثار هذه التلوثات على المحاصيل اليومية التي يعتمد عليها السكان، مثل الخضروات الورقية والجذرية، إذ تمتص النباتات الجسيمات الدقيقة من التربة، فتتأثر سرعة نموها، حجمها، وجودة محصولها، كما يمكن أن تصل هذه الجزيئات إلى أجزاء النباتات الصالحة للأكل، ما يعرض الإنسان والحيوان عند الاستهلاك لمخاطر بيئية وصحية محتملة.

تتراوح مصادر هذه الملوثات بين مخلفات البلاستيك، إطارات المركبات، بقايا الذخائر، والمواد الكيميائية الصناعية، ومع تعرضها للأشعة فوق البنفسجية تتحلل إلى جزيئات دقيقة تختلط بالتربة وتدخل إلى سلسلة الغذاء الزراعية.

ويضيف الوحيدي أن تراكم هذه الجزيئات في التربة يخلق ضغطًا بيئيًا طويل الأمد، يقلل من مرونة الأراضي الزراعية في مواجهة التغيرات المناخية، ويزيد هشاشتها، ويجعل الزراعة أقل استدامة في المناطق المتأثرة بالنزاعات والتلوث مثل غزة، ويضع المزارعين أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على إنتاجية أراضيهم وحماية صحة المجتمع وسلامة البيئة.

تعكس التجارب الواقعية للمزارعين في قطاع غزة واقع الزراعة اليوم: تحديات متعددة بين نقص الموارد، تلوث التربة، وضغوط بيئية مستمرة. تدمير البنية الزراعية والميكروبلاستيك والمركبات الكيميائية لا تهدد خصوبة الأرض فحسب، بل تمتد آثارها إلى صحة الإنسان والحيوان والأمن الغذائي.

يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن حماية الأراضي الزراعية وإعادة التوازن البيئي في ظل ظروف الحرب والتلوث المستمر؟ تجربة المزارعين تظهر أن الحلول تتطلب إرادة مجتمعية، دعم تقني، وتخطيط بيئي طويل الأمد، لضمان استدامة الزراعة وحماية الغذاء في واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم.