في خيمة صغيرة، جدرانها الرقيقة مثقلة برسومات كانت نتاج عامين من الحرب، تتأمل مرح الزعانين (18 عامًا) اللوحات المعلقة واحدة تلو الأخرى. أعمال رسمتها بشق الأنفس تحت وقع الغارات؛ فحين يغمر الليل خيمتهم ويغفو أفراد العائلة، تبدأ مرح بمنح الورقة التي بين يديها خطوطًا من قلم الحبر الأسود، لتولد رسمة جديدة تحمل قصة وعنوانًا.
تحت ضوء كشافها الصغير، وبين صوت المطر الذي يقرع الشوادر كرصاص وضجيج الرياح وروائح الصرف الصحي النفاذة، كانت لوحاتها أحيانًا تسقط على العائلة النائمة، شاهدة على صمتها وسط صخب الحرب. وفي الصباح، تعود لتعليق ما سقط، أحيانًا بمساعدة شقيقاتها المحبة، ليصبح هذا الروتين جزءًا من حياتها اليومية كفنانة.
بمجرد أن تفتح عينيها، تخلع ثوب الفنانة التي قضت ليلها تبث رسوماتها على الورق، وتستقبل حياة الفتاة الكادحة، توزع وقتها بين مهام الخيمة اليومية، ترتيبها وتنظيفها، ثم تجلس إلى جوار والدتها عند موقد النار للطهو، تجمع الفحم، من الحطب وتخبئه في عبوات صغيرة، ليصبح لاحقًا أداة أخرى في لوحاتها، وليلا تفرش الخيمة للنوم، وتنام العائلة بينما هي تبدأ العمل الأحب.

منذ طفولتها، ارتبطت مرح بالرسم، إذ كانت قبل الحرب ترسم الفساتين والوجوه ورسوم الأطفال المعتادة، دون أن تلامس موضوع الموت. تقول بصوت هادئ: “كنت طفلة قبل الحرب أرسم الفساتين والوجوه، وفي الحرب لم أرسم فستانًا واحدًا”، إذ تحولت موضوعاتها قسرًا إلى ما يحيط بها من موت وجوع وخوف وألم نفسي.
ومع تصاعد الحرب، تطورت علاقتها بالرسم ليصبح وسيلتها للتفريغ النفسي؛ تصمت حين يرهقها التفكير وتفزعها الانفجارات، فيما يبقى الورق ملاذها لتهدئة عقلها وقلبها الخائف. ورغم أنها لم تتلقَّ تعليمًا فنيًا رسميًا بعد، بعد إنهائها الثانوية العامة مؤخرًا، فإنها لم تلتحق بالجامعة لعدم تفضيلها الدراسة عن بُعد التي فُرضت على طلبة قطاع غزة جرّاء النزاع وتدمير معظم المراكز التعليمية.
زاوية الرسم
تضع اللمسة الأخيرة على لوحة انتهت منها، وتضيف: "أنتجت خلال عامين 700 لوحة صغيرة، كنت أرسمها بأقلام الحبر، وكل رسمتين تكلفاني قلمًا. جزء كبير فقدته خلال النزوح، وجزء آخر تضرر بسبب المطر الذي تسرب إلى الرسومات، وكل لوحة لها عنوان وحكاية".
يزعج مرح الشتاء وبرده ورائحة الصرف الصحي التي تتسرب نحوها في المدرسة “مركز الإيواء” التي نصبت فيه خيمة نزوحها في مدينة غزة، كانت بينما ترسم في سكون الليل، تؤرقها ضربات المطر الشديدة على الخيمة، وهبوب الروح وتطاير جدران الخيمة الهشة.
تروي: "في أحيان كثيرة كانت أصابعي ترتجف وأنا أرسم من البرد، فأحاول السيطرة عليها حتى لا تتلف رسمتي، الشتاء عناء بالنسبة لي، والصيف الذي يزيد البعوض والحشرات الغريبة فيه أشد قساوة يشعرني بالاختناق".

إلى جانب عملها الليلي كرسامة، تنشغل مرح في ليالي الصيف الحارة بمقاومة الحشرات والذباب الذي ينجذب لإنارتها، فيشتت انتباهها حين يتطاير حول وجهها، ومع ذلك تنجح بالرسم رغم ضوء الكشاف الصغير الذي تشعله كل ليلة، والذي تسميه: "كشاف الرسم".
تردف: "أواصل الرسم بقلب منهك، ترهقني الإنارة الضعيفة لكن لا خيار لي سواها، ولا أرسم بصفاء ذهني كامل فأنا أحب الرسم وحدي، لكن الخيمة فرضت عليَّ الرسم بينما ينام بجانبي عشرة أفراد، ومقتنيات كثيرة، والأصعب غارات قوية انتشلتني في أوقات كثيرة من الفكرة فأغلق ما أفعل وأنظر للفراغ".
لا تفكر طويلًا قبل الشروع في الرسم. بمجرد لمس الورقة البيضاء والقلم، تنفصل عن العالم، وتبدأ بتشكيل خطوطها الأولى، لتتحول الورقة إلى فكرة نابضة بالحياة. من أكثر لوحاتها تأثيرًا تلك التي كانت منهارة عند رسمها، لوحة "صرخة الأرواح".
عاشت الفتاة، كغيرها من سكان قطاع غزة، تحت وطأة المجاعة والظروف المأساوية، إذ كان توفير الطعام أشبه بمعجزة، كان والدها واحدًا من آلاف الرجال الذين يتجهون إلى نقاط دخول شاحنات المساعدات، أملًا في الحصول على حصة تسد جوع عائلته. وكانت تلك الفترة من أشد المراحل قسوة عليها، إذ كان من يذهب هناك معرضًا للإصابة أو الموت.
تروي وإصبعها على الورقة الصغيرة الملونة بالحبر: "كانت ليلة قاسية. والدي ذهب لجلب مساعدات غذائية لنا، لم أنم طوال الليل، وعائلتي خارج الخيمة يعانون ما أعانيه من قلق. قررت أن أرسم للتفريغ، فكانت النتيجة رسمة صرخة الأرواح".

تحول فني
لم تكن المرة الأولى التي تلجأ فيها مرح للرسم لتهدئة نفسها. ومع شح الأقلام واللوحات وارتفاع أسعارها، اضطرّت أحيانًا لاستخدام فحم النار للرسم، ومع نقص المستلزمات الكبيرة كانت تعيد الرسم فوق اللوحات التي بهتت ألوانها بسبب النزوح والمطر، لكن حبها للفن دفعها للاستمرار.
كان حلمها دائمًا افتتاح معرض خاص بها. أرسلت عدة لوحات للخارج وعُرضت في معارض دولية، لكنها كانت ترغب في أن تروي حكاية كل لوحة ومشاعرها في تلك اللحظات الصعبة. وعندما تراكمت الرسومات لديها، قررت أن تفعل شيئًا غير مألوف: "لماذا لا أقيم معرضًا في خيمتنا؟ فاستغليت الجدران البيضاء وفعلت".
علقت مرح كل رسوماتها في الخيمة الصغيرة، التي أصبحت مزارًا للصحافيين والمعارف نهارًا، ومكانًا للنوم ليلًا. اعترضت والدتها على اللون الأسود للرسومات قائلة: "ستجلب الطاقة السلبية، لو ننام في خيمة أخرى." تعقب الفتاة بابتسامة: "تخاف أمي من تأثير اللوحات علينا لكنها تشجعني، وبفضلها وبفضل العائلة استطعت أن أكون مرح الفنانة".

تقف توأمها بجانبها، تشاركها موهبة الرسم لكنها لم تطورها بنفس القدر. كما تقول فرح على استحياء: "أنا أفرغ عصبيتي في العائلة، أما هي تفرغ بالرسم، ولديها صبر أكثر مني"، وقريبًا، ستتجهان لدراستين مختلفتين، الأولى في هندسة الديكور، والثانية في الفنون الجميلة.
تطورت الفنانة الصغيرة ذاتيًا، بدون أي معلم، بالاجتهاد ومتابعة الفنانين الكبار. الآن تريد إدخال الألوان المبهجة إلى حياتها، بعد سنوات من الرسم بالحبر الأسود: "بدأت الرسم باللوحات الملونة، أستخدم ألوان الزيت الآن، ولم أتوقف عن الحبر، لكني أريد الألوان في حياتي، يكفينا سواد".

كانت أول لوحة ملونة خلال الهدنة حين ظنت الحرب انتهت. تشير للوحة في زاوية الخيمة: "رسمت فتاة ترتدي الثوب الفلسطيني والكوفية، ترفع يديها للسماء فرحًا، وأضفت الحمام دليلًا على الحرية، واللون الأبيض ليعكس السلام".
تلقت لوحاتها دعمًا معنويًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن زبائن يطلبون رسم صور أحبائهم الذين فقدوهم في الحرب، فترسم وجوههم بكل حب، ويسعدها تعليقهم اللوحات في بيوتهم.
تواصل مرح العمل للوصول للعالمية. أصدرت كتابًا يحوي رسوماتها عن دار نشر فرنسية، وتطمح لإصدار المزيد، ورسم لوحات مفعمة بالحياة، كما تستعد لإطلاق مجموعة جديدة تنبض بالألوان، وتأمل الحصول على منحة لدراسة الفنون الجميلة بالخارج لتتعلم أصول الفن بعيدًا عن الارتجال.