داخل أحد محلات ملابس “البالة”، كنتُ أتقلب بين الأكوام كما يتقلب المرء في ذاكرته.
منذ زمنٍ بعيد، أعشق شراء البالة، وأنتشي برائحتها، كما أنني محترف في اختيار القطع الأصلية والماركات العالمية.
إلا أن هذه المرة كان الوضع مختلفًا؛
الأقمشة باهتة، الألوان فقدت معناها، والروائح تشبه أعمارًا عاشت أكثر مما يجب.
هذه المرة أقسى من غيرها، لأنني لأول مرة لا أحسب القطعة من مقاسها، ولا ماركتها، أو نظافتها…
بل على قدرتي احتمال ثمنها، مهما كان تافهًا.
كان هناك أب يقف إلى جواري، يمسك بنطالًا بيد، ويقيسه بعينه على جسد ابنه الواقف أمامه، ويبعده بضعة أمتار.
الولد، في حدود العاشرة، يضع يديه في جيبه كأنه يحاول أن يُصغّر نفسه.
قال الأب للبائع:
"بكم هاد؟"
ردّ البائع برقمٍ عادي…
لكنني رأيت الرقم وهو يسقط على وجه الرجل كنيزكٍ هبط من السماء.
أدخل يده في جيبه، وأخرج مالًا…
نقودًا ورقية من فئة العشرين شيكل، مهترئة، مخزوقة من المنتصف.
لم تكن في محفظة…
كانت في جيبه مباشرة فالجيب صار آخر بنكٍ له.
بدأ يعدّها ببطء؛
عدّها مرة… ثم أعاد العد.
كان الولد ينظر إلى الأرض،ولا يكلم أحدا.
بعد لحظة، قال الأب بصوتٍ منخفض:
"طيب… خلص، خلينا ناخده".
مدّ يده بالمال، وفي عينيه إدراكٌ تام أن البائع لن يقبله، خصوصًا أنها عشرينات، فهذه الورقة وحدها صارت لعنة إضافية على أصحابها.
في تلك اللحظة…
أمسك الولد بيد أبيه برفق… لكن بحزم.
قال بصوتٍ حاد:
"حكيتلك بديش أواعي جداد".
تجمّد الأب.
نظر إليه باستغراب:
"ليش؟ حقك يا بابا زي كل أطفال هالعالم".
ثم ضحك بخفّةٍ متعبة، محاولًا إقناعه:
"عيد يا بابا… بدنا نفرح".
رفع الولد عينيه نحوه، وقال بهدوءٍ شديد:
"بدنا ناكل وهادا أهم".
سكت المكان.
أنا… والبائع… وحتى الملابس المعلقة…
كلنا سكتنا.
أكمل الولد، وكأنه يرتب أولوياته للعالم:
"لو معك مصاري… خليهم للبيت، لأني عارف إنك متداينهم، وإذا ضل شي… بدنا نروح نزور سيدي وستي".
تلعثم الأب،
رتّب العشرينات فوق بعضها، وضغط عليها بإبهامه، كأنه يحاول إغلاق الثقوب.
تقدّمتُ خطوة، دون أن أفكر.
اخترت بيدي بنطالًا وقميصًا من “Fox”.
قلت له بابتسامة خفيفة:
"طب خد هدول هدية مني… وخلي مصاري أبوك معه".
ثم اخترت له قطعتين إضافيتين، بنطالًا وبلوزة، ووضعتهم بجانبه.
نظر إليّ…
ثم إلى الملابس…
ثم أعاد نظره إليّ.
قال بهدوء، لكن بحسم:
"أنا مش محتاج لبس".
حاولت أن ألطفها:
"بس هدول هدية، حتى لو مش محتاج… الدنيا عيد، وكلنا بنحاول نلبس جديد".
هزّ رأسه.
ثم قال:
"لو بدك تساعد… أعطيني حقهم كاش".
توقفت…
كأن الجملة لم تكن موجهة لي وحدي، شعرت أنه يشتم الكوكب الذي يدور بنا.
سألته:
"ليش؟"
قال:
"عشان أضمن أول إشي إنو نلاقي أكل بكرة الصبح…
وإنو بابا يقدر يزور أهله بالعيد".
لم تكن إجابة طفل…
كانت خطة حياة.
نظرت إلى الأب؛
لم يكن ينظر إلينا، كان ينظر إلى النقود في يده…
إلى الورق المخزوق… كأنه يرى عمره كله مثقوبًا هكذا.
طواها ببطء… وأعادها إلى جيبه.
خرجتُ من المحل بعدهم بدقائق…
لحقت بهم، حاولت أن أستبدل له المال المهترئ بتحويل للتطبيق،
لكنه لا يملك هاتفًا حديثًا، ولا حسابًا، ولا علاقة له بكل هذا.
أعطاني عنوانه ومكان نزوحه، ثم تاهوا في الزحام.
لأول مرة في حياتي شعرت أن اللباس رفاهية…
وأن بعض الأطفال…
كبروا بما يكفي…
ليختاروا الخبز على العيد!