في إحدى قصائده الخالدة.. نقش محمود درويش في ذاكرة التاريخ فهمنا الحقيقي للحياة والموت.. نابذًا وطاردًا كل فهم متعصب وغريب عن ثقافتنا الوطنية..
قال:
"لم يسألوا: ماذا وراء الموت؟
كانوا يَحفظُون خريطةَ الفردوس أكثرَ من كتاب الأرض!
يشغلهم سؤالٌ آخرٌ:
ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟"
وهذا مناقض تمامًا لكل الشعارات التي تقدس الموت وتجعله غاية!
الوعي الفلسطيني بالموت أسمى من تمني الموت من أجل استكشاف ما وراءه!
لأننا ببساطة "نحفظ خريطةَ الفردوس أكثرَ من كتاب الأرض!"..
نعرف بالفطرة ما وراء الموت.. ونحفظ الطريق إلى الفردوس..
لذلك.. يشغلنا سؤالٌ آخر: "ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟"
أولئك الذين فشلوا في إجابة سؤال الحياة الصعب "ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟".. هم وحدهم الذين يهربون من الحياة.. يهربون إلى الموت.. لا شيء يفعلونه قبل الموت فيهربون إلى الموت! ويقدسون الموت!
ويقول درويش:
"حياتنا عبءٌ على ليل المُؤرّخ: (كُلّما أخفيتُهم طلعوا عليَّ من الغياب)
حياتنا عبءٌ على الرسام: (أَرسُمُهُمْ، فأصبح واحدًا منهم.. ويحجبني الضباب)
حياتنا عبءٌ على الجنرال: (كيف يسيل من شَبَحٍ دمٌ؟)"
وهنا قداسة أن تكون ندًّا قبل أن تموت.. أن تجعل لموتك معنى.. ألا تموت قبل أن تكون عبئًا على ليل المؤرخ والرسام والجنرال حينما يحاولون أن يرووا قصتك.. لأنك أعظم من كل الآداب والفنون وأدوات التدوين والتوثيق!
لا أن تموت مجرد رقم.. بالآلاف ومئات الآلاف تحت شعارات خداعة!
هكذا يفهم الفلسطيني معنى حياته.. وهكذا كانت الثورة الفلسطينية دومًا في شد وجذب.. تقبض على الحياة بيد وتنافح عن حقها باليد الأخرى.. ولا تفتح الباب على مصراعيه لنزيف الأرواح بلا ثمن.
ويقول:
"وحياتنا هي أن نكون كما نريد..
نريد أَن نحيا قليلًا لا لشيءٍ.. بل لِنَحْتَرمَ القيامَةَ بعد هذا الموت!"
إن من يحيا هو من يحترم القيامة.. إن من يمضي إلى القيامة محبًّا للحياة هو من عرف الله.. بعكس من يمضي إلى القيامة هاربًا من الحياة ومن فشله في تحقيق غاياتها التي خلقه الله من أجلها!
هكذا هي الحياة وهكذا هو الموت في أدبياتنا الوطنية.. وهكذا يفهم الفلسطينيُّ حياته وموته.. وما عدا ذلك غريبٌ كل الغرابة عنا.. ونحن غرباء عنه.