لم نكن نعلم قبل ثلاثين عامًا بأن رمضان سيأتي في الشتاء ونحن آباء..
كنا بسطاء في الحساب.. ولم يكن لدينا ذكاء صناعي لنعرف ذلك.. وكانت ثقافتنا ضحلة..
لكننا كنا ناجحين في الحب والحياة..
عباقرةً في النقاء.
يعيد التاريخ نفسه لكنَّ الظروفَ لا تعيد نفسها.
جلسة السحور قرب المدفأة وأبٌ يحمص الخبز مرتاح البال.
أشياءُ كثيرةٌ اختلفت.. منها أنك لا تستطيع تقليد أبيك!
لا مدفأة ولا راحة بال..
شيءٌ من الخبز ومعلباتٌ لم تكن في زمن أبيك..
والأبناء في بلادٍ بعيدة.
وأنت تفكر في أشياء كثيرة يا صديقي..
فيهم.. وفي قبر أبيك في الأرض المحتلة.. وفي بيت العائلة شرقي الخط الأصفر..
وفي ذلك الطفل الذي هو أنت.. تتكوم روحه في البيت القديم.. شرقي الخط الأصفر!
وتفكر في صديقٍ يستجديك ولا تملك له شيئًا..
وفي غدٍ يستجديك ولا تدري إن كنت تملك منه شيئًا.
أين لعبة المربعات؟ مربعات الأرقام؟! وأين السلم والثعبان؟
وأين شجرةٌ في ركن المدرسة نجلس تحتها لدفن الوقت حيًّا دون تأنيب ضمير!
أين طريق مدرسة حطين؟ وروائح الطبخات في الحارات؟!
والجدة.. أين الجدة؟!
وأطفالٌ يخرجون ألسنتهم ليفحصوا مستوى التقوى في القلوب!
ومسابقةٌ ورقية تطبعها المدرسة ولا يجيب عليها الإنترنت.. تظل أسئلةٌ فيها عالقةً إلى يوم التسليم..!
أين؟؟
وأين الوطن؟!
وأين الحجارة وأطفالها؟
أين مفاهيمُ مقدسةٌ دفنها الغربان وهم يتعلمون دفن الحياة!
سيلٌ على الطرقات من بقية مطر البارحة..
وآثار أقدام جبريل على الطريق..
وبركات.. بركات.. بركات كثيرات!
أين؟!
لم يكن أحدٌ (يعزم) أحدًا..
لأن طعام الجميع كان على مائدة الجميع!
وكانت الشياطين تصفَّد فعلًا!
لا تلتهب أعينهم بألسنة الجحيم وهم يرفعون الأسعار في الأسواق!!
لا يحاربون تدفق الأبوّة من جيبٍ إلى يد!
لا يتقافزون كعفاريت سليمان بين جيب الأب ويد طفله! لا يحُولون بين المعطي والمعطى إليه..
لا شياطين..! لا أحد يفعل هذا..
كانت أصفاد الشياطين بالأمس أقوى!
وكان أبي بالأمس غيري..
وأنا اليوم لا أمت بصلةٍ إلى أبي.. ومدفأة أبي.. وسحور أبي!
باردٌ فارغٌ وحيد.. ككل آباء جيلي..
جيشٌ من أبي العلاء المعري..
جيشٌ من إميل سيوران..
شكٌّ عارمٌ في جدوى التوالد والحياة!