لم يكن تعليق سائق سيارة في القاهرة عابرًا بالنسبة لآية جودة وهي فلسطينية مغتربة في مصر. بينما كان يستعرض أمامها أسماء نشطاء يتابعهم من غزة، ختم حديثه بجملة بدت بريئة: "ما شاء الله، ده أنتو عمرتوا البلد بسرعة أوي". جملة قصيرة، لكنها تختزل صورة كاملة آخذة في التشكل خارج القطاع، صورة عن تعافٍ سريع، تُبنى أساسًا على ما يُنشر من مقاطع افتتاح مطاعم ومحال جديدة.
تحاول جودة، التي وجدت نفسها مرارًا تشرح واقع غزة لأصدقاء ومعارف في مصر، تفكيك هذه الصورة. تقول: "صراحة يزعجني هذا التضخيم في إظهار عودة الحياة والتعافي، لأنه يقدّم صورة مضللة عن واقع مزرٍ وحجم الدمار الهائل الذي يعيشه القطاع. ما يُعرض لا يمثل سوى فئة محدودة لا تتجاوز 10% من السكان، بينما الغالبية العظمى لا تستطيع حتى ارتياد هذه الأماكن. هذا يحملنا كمغتربين عبئًا أكبر، فبدلًا من نقل معاناة الناس، نجد أنفسنا نشرح ونبرر لماذا تظهر هذه الزينة المضللة".
هذه “الزينة” التي تشير إليها جودة لا تأتي من فراغ، فخلال الأشهر الأخيرة، تحولت مشاهد افتتاح المطاعم وتصوير الأماكن الجديدة إلى محتوى واسع الانتشار، خصوصًا عبر "إنستغرام". تنتقل هذه المقاطع بسرعة إلى خارج قطاع غزة، حيث تُستقبل بوصفها دليلًا على استعادة الحياة لعافيتها.

لكن خلف هذه الواجهة المخادعة يقف واقع قاسٍ، فبينما قد تمثل هذه المشاريع بارقة أمل اقتصادية لفئات محدودة، فإنها تُخفي هشاشة أوسع. نحو 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما تفتقر شرائح واسعة إلى أساسيات الحياة، من مسكن لائق إلى قدرة شرائية معقولة، مما يشير إلى أن الصورة المتداولة، بهذا المعنى، ليست كاذبة بالكامل، لكنها مجتزأة وغير دقيقة.
في مواجهة هذا المحتوى، بدأ بعض النشطاء بمحاولات مضادة. من بينهم فادي الشيخ يوسف، الذي نشر مقاطع تنتقد ما وصفه بـ "المبالغة في تصوير التعافي".
يقول: "بدأت أنشر فيديوهات مضادة بعد انتشار فيديوهات لنشطاء في غزة يظهرون مشاهد مبالغ فيها عن عودة الحياة… بدأت بفيديو لأبو بصير صاحب المطعم، الذي كان يصور وكأنّ الطعام صار ببذخ. هذه الفيديوهات وصلت إلى الإعلام العبري وأصبحت جزءًا من تزييف الواقع، ما دفعني لمحاولة التصدي لها، ونجحت في أن يتراجع عن هذا النوع من المحتوى".
بالنسبة للشيخ يوسف، لا يتعلق الأمر فقط بالدقة، بل بالمسؤولية. إذ يرى أنّ غياب الرواية الرسمية يجعل من محتوى النشطاء مصدرًا رئيسيًا لفهم الخارج لما يجري في غزة. ويضيف أنّ المقاطع التي تُظهر وفرة أو مظاهر رفاهية "غالبًا ما تكون مجتزأة ومؤقتة، صُنعت خصيصًا للتصوير ولا تمثل الواقع اليومي".
ويحذر من أثر ذلك على التعاطف الدولي، مشددًا على أن تصوير غزة كأنها تعافت بالكامل قد يُستخدم لنفي الاتهامات المتعلقة بالمجاعة أو سوء الأوضاع المعيشية، في وقت لا يزال فيه أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعانون من انعدام أو سوء الأمن الغذائي. يقول: "ما يجري ليس تعافيًا حقيقيًا، بل محاولات فردية للعودة إلى الحد الأدنى من الحياة".

الأرقام تدعم هذا المشهد المأزوم، إذ تشير تقديرات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى فقدان نحو 201 ألف وظيفة في قطاع غزة، أي ما يقارب ثلثي القوة العاملة، إضافة إلى خسائر واسعة في سوق العمل. كما شهدت الأسعار ارتفاعًا غير مسبوق، إذ قفزت الأسعار في غزة بأكثر من 230% خلال ذروة الحرب، وظلت عند مستويات مرتفعة رغم تراجعها النسبي لاحقًا.
وفي السياق ذاته، انكمش الاقتصاد بنحو 82–83% خلال 2024، وعاد الناتج المحلي إلى مستويات عام 2010، فيما انخفض نصيب الفرد إلى مستويات عام 2003. وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن الحرب محَت نحو 22 عامًا من التنمية الاقتصادية في القطاع.
في هذا السياق، يقول الصحافي سلطان عدوان: "لسنا ضد التعافي، لكن هناك فرق كبير بين إرادة الحياة وبين تزييف الواقع. من غير المنطقي أن تتصدر مشاهد افتتاحات المحال ومظاهر البذخ، وكأن غزة استعادت عافيتها بالكامل، بينما الحقيقة عكس ذلك".
ويرى عدوان أن تسويق هذه الصورة لا يعكس صمودًا حقيقيًا بقدر ما ينسج رواية منحازة تُزيح الواقع إلى الهامش، مؤكدًا أن التعافي لا يُقاس ببريق واجهات المطاعم أو افتتاحات المحال، بل بقدرة الناس على العيش بكرامة، لا سيما الفئات الأكثر فقرًا.
ويضيف أن للناس حقهم في الفرح، غير أن تحويل هذه اللحظات إلى عرضٍ تجاري يروّج لوهم التعافي، لا يبدد المعاناة بقدر ما يفاقمها ويطمس حقيقتها.
الأرقام الصادرة عن جهات رسمية وتقارير اقتصادية تعزز هذا الطرح، إذ تشير التقديرات إلى أن الخسائر في القطاع الاقتصادي في غزة تجاوزت 20 مليار دولار، في ظل دمار واسع أصاب مختلف القطاعات الإنتاجية. كما فقد أكثر من 100 ألف عامل وظائفهم نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية وتعطل مؤسسات القطاع الخاص.
وفي السياق ذاته، تعرضت البنية الاقتصادية لدمار شبه شامل، حيث تضررت نحو 98% من المنشآت الاقتصادية كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى شلل واسع في دورة الإنتاج والتجارة.

من جانبها، تشدد الصحافية سماح شاهين على مسؤولية الإعلام المحلي في موازنة الصورة وعدم الانجرار وراء روايات مبتورة، لافتة إلى أن انتشار محتوى "التعافي" أسهم في تراجع تبرعات بعض الجهات، بدعوى أن الحرب انتهت وأن غزة تستعيد عافيتها.
وتؤكد أن من صميم الواجب المهني للصحافيين مواصلة تسليط الضوء على الفئات المطحونة، مضيفة أنها تكرّس حضورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإبراز معاناة الناس المكلومة والمهمشة، في مواجهة سرديات تهمّش واقعهم.
اجتماعيًا، يحذر مختصون من تداعيات تتجاوز ظاهر المشهد، لتطال بنية العلاقات داخل المجتمع نفسه. إذ يرى المختص الاجتماعي عرفات حلس أن هذه الظاهرة لا تعيد فقط إنتاج الفجوة بين الفئات، بل تكرّس شعورًا متزايدًا باللاعدالة وتآكل الثقة بين الناس، حين تبدو الحياة في الفضاء العام أكثر إشراقًا مما هي عليه في الواقع المعاش.
كما تسهم هذه الصور في تصدير رواية مضللة إلى الخارج، قد تُستغل سياسيًا لتكريس الانطباع بأن الحياة تسير بشكل طبيعي، وأن الحصار القائم لم يعد ذا أثر يُذكر.
ويضيف حلس أن هذه المشاهد لا تعبّر عن تعافٍ حقيقي بقدر ما تمثل استعراضًا عابرًا، يعيد ترتيب الأولويات على نحو منحرف عن الواقع، ويُقصي معاناة الفئات الأكثر هشاشة من دائرة الضوء. ففي وقت تُقدَّم فيه واجهات الافتتاح بوصفها مؤشرات على عودة الحياة، تبقى الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، من دواء ومعدات طبية وأمن غذائي، خارج مشهد الصورة، رغم أنها تشكّل جوهر الأزمة اليومية للسكان.

في قراءةٍ اقتصادية لما يجري، يصف المختص أحمد أبو قمر المشهد بأنه أقرب إلى “تضخيم بصري” للسوق أكثر منه تعافيًا فعليًا، إذ تُضخ سلع غير أساسية ويُروَّج لها بما يوحي بانتعاش لا تعكسه المؤشرات الحقيقية، في حين تبقى السلع الأساسية شحيحة ومقيدة الوصول. ويعكس ذلك اختلالًا واضحًا في هيكل السوق، حيث تُقدَّم مظاهر الاستهلاك على حساب تلبية الاحتياجات الضرورية.
وفي المقابل، تشير المؤشرات إلى هشاشة غير مسبوقة، إذ تعتمد الغالبية الساحقة من السكان على المساعدات الإنسانية، مع تجاوز معدلات البطالة 80%، وارتفاع الفقر إلى أكثر من 90%. ويضيف أبو قمر أن الحد الأدنى من متطلبات الحياة في القطاع يستلزم دخول ما يقارب 1000 شاحنة يوميًا من الغذاء والدواء والوقود، إلا أن ذلك لا يتحقق بفعل سياسة التقطير التي يتبعها الاحتلال (تقييد إدخال المساعدات بكميات محدودة)، ما يُبقي السوق في حالة عجز مزمن ويقوّض أي حديث عن تعافٍ حقيقي.
في غزة، لا يعترض كثيرون على محاولات الحياة بحد ذاتها، بل على الطريقة التي تُعرض بها. بين واجهات المطاعم اللامعة ومقاطع الافتتاحات، تتشكل رواية سهلة التصدير، لكنها لا تعكس واقع آلاف الأسر التي ما تزال تعيش تحت وطأة الحرب، وفي هذا التباين، يبرز سؤال أخلاقي ملحّ: كيف يمكن رواية قصة الحياة دون أن تتحول إلى إعلان، ودون أن تُمحى معها معاناة من لم يصلهم التعافي بعد؟