قبل الحرب، كان كورنيش غزة يمتد بطول الساحل من الجنوب إلى الشمال ليكون متنفسًا يوميًا لعشرات الآلاف من الفلسطينيين. كانوا يمارسون رياضة المشي عند الغروب، ويرتادون المقاهي المطلة على البحر، ويجلسون على الحواجز الحجرية يتأملون الأمواج. أما اليوم، وبعد أن دمرت الغارات الإسرائيلية أجزاء كبيرة من هذا الكورنيش وتحولت أحياء كاملة إلى ركام، يعود الفلسطينيون لاستئناف رياضة المشي بين الأنقاض، في مشهد يعكس تمسكهم بالحياة رغم الدمار الذي خلفته الحرب على قطاع غزة.

استأنف عشرات الفلسطينيين ممارسة رياضة المشي اليومية بين شوارع مدمرة وأبنية منهارة، مؤكدين أن الحركة باتت ضرورة ملحة لمواجهة تبعات النزوح والجوع والأزمات النفسية.

في صباح كل يوم، يخرج أبو يوسف (52 عامًا) من خيمته في مدينة خان يونس مرتديًا حذاءه الرياضي الوحيد، متجهًا إلى طريق محاذٍ للبحر تمكن السكان من تنظيفه من الركام. يقول الرجل الخمسيني الذي فقد منزله في القصف: "المشي صار طقوسًا يومية بالنسبة لي. منذ سبعة أشهر وأنا أواظب على هذه العادة، أشعر أنها تمنحني قوة أستطيع بها مواجهة اليوم".ظب على هذه العادة، أشعر أنها تمنحني قوة أستطيع بها مواجهة اليوم".

أما أبو محمد (45 عامًا) الذي نزح من حي الشجاعية شرق غزة إلى قرية الزوايدة وسط القطاع، فقرر أن يحوّل مسيرته اليومية لجلب المياه إلى فرصة للرياضة. يشرح: "أقطع يوميًا نحو ثلاثة كيلومترات ذهابًا وإيابًا للحصول على الماء. بدلاً من أن أعتبر ذلك عبئاً، حوّلته إلى رياضة مفيدة، أشعر أن جسدي أصبح أكثر قدرة على التحمل، ونفسيتي تحسنت كثيراً".

وفي سياق متصل، أطلق محمود الناطور، أستاذ أصول التربية الرياضية المساعد في جامعة الأقصى بغزة، حملة على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي خلال شهر رمضان، يظهر فيها ممارسته اليومية للمشي رغم الظروف الصعبة.

ودعا الناطور خلال صفحته للممارسات الصحية بما في ذلك رياضة المشي، وقال: "منذ بداية الحرب، كنت أحرص على الاستمرار في ممارسة الرياضة. في رمضان، قررت توثيق مسيرتي اليومية لتشجيع الآخرين، المشي لا يحتاج إلى صالات رياضية أو معدات، كل ما يحتاجه هو إرادة".

ويضيف: "لاحظت في الفترة الأخيرة أن أعداداً متزايدة من الناس تعودت على المشي، بعضهم يسير لمسافات طويلة بين مخيمات النزوح، وآخرون يتخذون من شاطئ البحر متنفساً لهم، وهي رسالة بأن الحياة مستمرة".

دراسة: الحركة تجدد المناعة وتقي السرطان

ويأتي هذا الاهتمام المتزايد بالحركة في ظل ظروف استثنائية يعيشها القطاع المحاصر، ليتوافق مع نتائج دراسة علمية حديثة أكدت أن النشاط البدني يشكل درعاً واقياً ضد الأمراض.

فقد كشفت دراسة أجراها فريق من الباحثين من جامعة ويتس بجنوب أفريقيا، ونُشرت في "المجلة الطبية البريطانية"، أن الحركة قادرة على تجديد مناعة الجسم والوقاية من الأمراض، بما فيها السرطانات، والحد من آثارها، وتحسين التعافي، وحماية الصحة النفسية.

ويقول ديمتري كونستانتينو، الأستاذ واختصاصي طب الرياضة والتمارين في قسم علوم التمرينات والطب الرياضي بجامعة ويتس: "الإنسان مُهيأٌ للحركة بالفطرة. عندما نتوقف عن الحركة، تبدأ أجسامنا بالتدهور... ويحدث ذلك بسرعة".

وأظهر البحث أن يوماً واحداً فقط من الخمول كفيلٌ بإحداث تغييرات ملحوظة في الجهازين القلبي الوعائي والعضلي الهيكلي. من جهة أخرى، يُحفز النشاط البدني إطلاق جزيئات إشارات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة.

ويشدد كونستانتينو: "أي حركة أفضل من لا شيء، حتى الوقوف بدلاً من الجلوس يُحدث فرقاً ملموساً في صحتك".

فوائد حتى بجرعات صغيرة

من جانبه، يقول البروفسور فيليب غراديج، الذي أمضى سنوات في دراسة النشاط البدني والسمنة وقلة الحركة: "لقد لاحظنا في دراساتنا أن تغييرات بسيطة كالمشي أو الوقوف أو تمارين التمدد الخفيفة يمكن أن تُحسّن بشكلٍ ملحوظ الصحة البدنية والنفسية".

ويُفنّد غراديج المعايير الشائعة حول هذا الأمر: "لست بحاجة إلى 10 آلاف خطوة لتشعر بتحسن". في الواقع، تشير الأدلة الحديثة إلى أن المشي ما بين ألفين إلى أربعة آلاف خطوة يومياً قد يُساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب.

أما البروفسور جون باتريسيوس، أستاذ علوم الرياضة وطب التمارين في جنوب أفريقيا، فيشير إلى أن "60 دقيقة فقط من التمارين الرياضية المنتظمة أسبوعياً قد تُقلل من احتمالية تطور السرطان بنسبة 27 في المائة والوفاة بنسبة 47 في المائة".

ويضيف: "النشاط البدني المنتظم هو أقوى وأسهل وصفة طبية يُمكننا تقديمها لمرضانا".

الحياة تمشي على أقدامها

وفي غزة حيث دمرت الحرب آلاف المنازل والمرافق الصحية، يجد السكان في المشي متنفساً ومقاومة يومية لليأس. يقول الشاب أحمد صالح (28 عاماً): "بدأت المشي قبل ثلاثة أشهر عندما شعرت أن الاكتئاب يلتهمني. الآن أصبحت أمشي ساعتين يومياً، أحس أن جسدي أصبح أقوى، وأنني أستطيع تحمل المسؤوليات بشكل أفضل".

وترى الاختصاصية النفسية سمر عابدين أن الحركة في ظل الحروب والنزوح تشكل آلية دفاع مهمة: "عندما يفقد الإنسان السيطرة على كل شيء في حياته، فإن قدرته على التحكم بجسده وحركته تمنحه إحساساً بالقوة والاستمرارية. المشي اليومي ليس مجرد رياضة، إنه إعلان صامت بأن الحياة لا تتوقف".

وفيما تستمر المعاناة الإنسانية في القطاع المحاصر، تبدو خطوات الفلسطينيين اليومية على أرض الركام بمثابة نبض حياة يتحدى كل آلات الدمار.