في الزوايدة وسط قطاع غزة، يجلس المزارع مرعب المسلمي داخل خيمته، يتأمل نبتة نعناع تنمو في قارورة بلاستيكية صغيرة. المشهد، على بساطته، يستدعي ذاكرة 120 دونمًا كان قد زرعها بشق الأنفس في بيت لاهيا شمال القطاع، قبل أن يغادرها صبيحة حرب السابع من أكتوبر 2023. منذ ذلك الحين، لم يتوقف عن محاولة العودة إلى الأرض، حتى في ذروة الحرب، مدفوعًا برغبة البقاء والإعالة.

عاد المسلمي إلى الزراعة أكثر من مرة خلال الحرب، في منطقة الشيماء شمال القطاع، وزرع أصنافًا متنوعة من الخضار في وقت كانت المجاعة تتفشى. لكن كل محاولة كانت تُجهض بأوامر الإخلاء. مرة بعد أخرى، كان يترك الأرض قبل الحصاد، لينتقل قسرًا من بيت لاهيا إلى مدينة غزة، ثم إلى الجنوب، حيث استقر أخيرًا في المحافظة الوسطى.

يقول المسلمي إن المعيقات لم تتغير، بل تفاقمت: ندرة البذور وارتفاع أسعارها، وشحّ السماد الكيماوي الضروري للمحاصيل. كان ينجح أحيانًا في توفيرها "بأعجوبة"، لكنه اليوم، وبعد أكثر من عامين من الحرب، لم يعد قادرًا على العمل. إذ باتت أراضيه تقع ضمن ما يُعرف منذ وقف الحرب في أكتوبر 2025 بـ "الخط الأصفر"، وهي مناطق حدودية خطرة ومحظورة الوصول، ما يجعله غير قادر على استغلالها زراعيًا. وحتى لو أراد استئجار أرض للزراعة، فإنّ تكلفة السماد، سواء الكيماوي أو العضوي، أصبحت مرهقة إلى حدٍ كبير.

يواجه المزارعون في مختلف أنحاء غزة أزمة حادة في توفر الأسمدة. هذا النقص دفع البعض إلى البحث عن بدائل، ولو جزئية، عبر استخدام المخلفات المنزلية مثل قشور الطعام لإنتاج سماد بدائي. في حالات محدودة، يتمكن بعضهم من شراء كميات ضئيلة جدًا من السماد الكيماوي بأسعار باهظة، تكفي بالكاد لدعم نمو النباتات.

المزارع زياد حليمة فقدَ تسع دونمات كان يملكها في بيت لاهيا أيضًا، ويعمل اليوم بائعًا على بسطة خضار في خانيونس جنوبًا. وبينما يرتب الخضار أمامه، يستعيد ذاكرة الأرض ويأمل في العودة إليها. حاول بالفعل استئناف الزراعة، لكنه اصطدم بنقص حادّ في كل المقومات، خصوصًا البذور والأسمدة.

يقول حليمة إن توفير البذور لا يعني حلّ المشكلة، فالعائق الأكبر يتمثل في انعدام الأسمدة أو ارتفاع أسعارها، إضافة إلى ضعف نمو المحاصيل مقارنة بالسابق. حتى المخلفات الحيوانية، التي يمكن استخدامها كسماد عضوي، لم تعد متوفرة بكميات كافية، ما يجعل الإنتاج الزراعي ضعيفًا ويزيد الاعتماد على المنتجات المستوردة.

على النقيض، يصر المزارع صقر أبو ربيع على الاستمرار. أقام مشتلًا صغيرًا في بيت لاهيا، وظل يزرع أينما نزح طوال الحرب. لكن آلاف الدونمات التي كان يملكها أصبحت اليوم خارج متناوله. يشير إلى كيس سماد اشتراه بأضعاف سعره الطبيعي، ويشرح كيف يضطر إلى تقليل الكميات المستخدمة إلى الحد الأدنى لإطالة مدة استخدامها.

يقول إن الدونم يحتاج إلى نحو كيلوغرامين من السماد، لكنه يضع أقل من ذلك بكثير. كما يلفت إلى انتشار الغش في الأسمدة، حيث تُخلط مواد مثل الأمونيا والحديد بالرمل والملح. أما السماد العضوي، فبات نادرًا وباهظ الثمن، إذ يصل سعر العربة الواحدة إلى عشرة آلاف شيكل. 

ويضيف أبو ربيع أنّ أسعار الأسمدة تضاعفت بشكلٍ كبير، فالكيس الذي كان يُباع بسعر خمسين شيكلًا أصبح يصل إلى 2500 شيكل اليوم، ما يجبره على شراء كميات قليلة جدًا لا تكفي لنمو طبيعي للمحاصيل.

السماد الكيماوي، الذي يشكل عنصرًا أساسيًا للإنتاج الزراعي في غزة، لم يدخل القطاع منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. ويعتمد المزارعون على ما تبقى في المخازن، في وقت تقلّصت فيه الرقعة الزراعية بشكل حاد نتيجة الدمار الواسع وفقدان الوصول إلى الأراضي، بينما ظهرت محاولات محدودة للزراعة في مساحات بديلة صغيرة ومحدودة غير مهيأة، ما أدى إلى اختلال واضح انعكس مباشرة على جودة النباتات.

تشير أرقام صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والأمم المتحدة إلى أن القطاع الزراعي في غزة تعرّض لانهيار واسع منذ أكتوبر 2023، إذ تضررت نحو 87% من الأراضي الزراعية، فيما أصبحت أكثر من 95% منها غير صالحة للزراعة أو يصعب الوصول إليها. هذا التراجع الحاد قلّص الإنتاج الغذائي بشكل كبير وعمّق أزمة الأمن الغذائي، رغم محاولات محدودة للزراعة في مساحات بديلة.

كما يعاني نحو 77% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، وفق تقارير أممية، فيما يواجه مئات الآلاف مستويات كارثية تقترب من المجاعة. وتعكس هذه الأرقام انهيارًا واسعًا في منظومة الغذاء، من الإنتاج إلى التوزيع، ما يحوّل الأزمة من طارئة إلى بنيوية متفاقمة.

المهندس الزراعي محمد الفرا يوضح أنّ السماد الكيماوي لا يمكن الاستغناء عنه، رغم لجوء المزارعين إلى السماد العضوي كحل جزئي. ومع تراجع أعداد مزارع المواشي، تقلصت أيضًا مصادر المخلفات الحيوانية، ما فاقم الأزمة. في المقابل، يُطرح “الكمبوست” كبديل، وهو سماد عضوي ينتج من المخلفات المنزلية، لكنه لا يعوض السماد الكيماوي بالكامل.

ويشرح الفرا أن خلط الكمبوست مع مخلفات الدواجن يحسن من جودته، لكنه يظل غير كافٍ. فالسماد الكيماوي يوفر عناصر أساسية مثل النيتروجين، الذي يعزز النمو الخضري، والفسفور المسؤول عن الإزهار، والبوتاسيوم الذي يحسن حجم الثمار ونضجها. غياب هذه العناصر يؤدي إلى ضعف الإنتاج، واصفرار الأوراق، وتشوه الثمار.

تتفاوت آثار هذا النقص بين المحاصيل. فالمحاصيل المثمرة مثل البطاطا والخيار والبندورة والباذنجان هي الأكثر تضررًا، حيث يظهر خلل في حجم الثمار، بينما تكون الورقيات أقل تأثرًا بسبب احتواء التربة على نسبة من النيتروجين الطبيعي.

من جهته، يشير المختص البيئي نزار الوحيدي إلى أن خصوبة التربة في غزة تعتمد على المادة العضوية، وأن التربة الرملية أصلًا ضعيفة في الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية. ومع النقص الحاد في الأسمدة، أصبحت التربة والنبات في حالة إنهاك شديد، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على الخصوبة الطبيعية.

ويضيف أن القصف أدى إلى تدمير بنية التربة، حيث خلفت الصواريخ حفرًا عميقة أتلفت طبقات تشكلت عبر عقود. كما ساهمت القنابل في رفع حرارة التربة إلى مستويات عالية، ما أدى إلى تدمير مكوناتها الحيوية. في بعض المناطق، تحولت التربة إلى ما يشبه الغبار، وفقدت قدرتها الإنتاجية.

قبل الحرب، كانت المساحات الزراعية التي تتراوح بين 3000 و6000 دونم قادرة على توفير نحو 450 غرامًا من الغذاء يوميًا للفرد. أما اليوم، فلم يعد هذا المستوى ممكنًا، ما أحدث خللًا كبيرًا في منظومة الأمن الغذائي.

ويحذر الوحيدي من أن استمرار النقص قد يدفع بعض المزارعين إلى استخدام مواد بطرق غير سليمة لزيادة الإنتاج، ما يفاقم تدهور التربة ويهدد سلامة الغذاء.

وسط هذا المشهد، يقف المزارعون على حافة الانهيار. بين نقص الموارد وتدهور التربة ومنع دخول الأسمدة، تبدو محاولات التكيف محدودة أمام حجم الأزمة. ومع استمرار القيود، يتفاقم الوضع تدريجيًا، ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى يمكن أن يستمر الإنتاج بما تبقى من موارد، وماذا سيحدث حين تنفد؟