يقف المزارع صقر أبو ربيع (48 عامًا) في أرضه قرب الخط الأصفر في الدوار الغربي لبيت لاهيا شمالي قطاع غزة، ممسكًا حبات الفلفل التي تنمو ببطء في تربة لم يعد يفهم ما جرى لها؛ فبعض النباتات، خصوصًا الفلفل الأخضر، تذبل وتموت قبل أن تكتمل.

وسط هذا المشهد، استهدفه صاروخ استطلاع بشكل مباشر. لا يعرف كيف نجا، سوى أنه كان بين النباتات التي يحاول إنقاذها في أرض تغيّرت ملامحها بفعل الحرب.

بعد انسحاب الآليات الإسرائيلية عاد إلى بيت لاهيا ليزرع أرضه من جديد رغم المخاطر الأمنية. يعيش هناك وحيدًا، بينما تقيم عائلته النازحة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ولا يلتقيهم إلا في نهاية كل أسبوع.

يقول وهو يمسك حبة باذنجان من مشتله: "جئت لأعيش هنا في المشتل الذي أنشأته مجددًا مع أربعة عمال. نزرع البطاطا والفلفل والباذنجان والخيار والبندورة. أشتاق لعائلتي، لكنني لا أستطيع الابتعاد عن الأرض. تم استهدافي عشرين مرة في أرضي ولم أتوقف عن الزراعة".

خلال الحرب عاد أبو ربيع لزراعة أرضه ثلاث مرات، لكنه خسر كل موسم مع موجات النزوح. يروي: "فقدت آلاف الدونمات التي أصبحت خلف الخط الأصفر وممنوع الوصول إليها. ولم أفقد الأرض فقط، بل فقدت ابني يوسف الذي كان مسؤولًا عن مبادرة هنعمرها. وخلال المجاعة زرعنا أرضنا وأطعمنا شمال غزة، فزرعنا مليونًا ونصف شتلة باذنجان وآلاف الأشتال من الخضروات".

رحل الابن الذي كان مصرًا على الزراعة رغم الحرب، لكن الأب يواصل العمل وحده رغم إصابته في الكلى وصعوبة الحركة، ويقول إن وجوده بين النباتات يعيد إليه شيئًا من الحياة.

ويدعو أبو ربيع المؤسسات الدولية لدعم المزارعين وفحص التربة. ويضيف: "لو وفروا لي المعدات وما أحتاجه سأزرع بيت لاهيا كلها. رغم تدهور التربة ما زلت أزرع بطريقة بدائية وأسقي النباتات بنفسي، فلا توجد شبكة ري".

في أنحاءٍ متفرقة من قطاع غزة، بدأ بعض المزارعين بالفعل محاولة استعادة النشاط الزراعي، بعد تنظيف الأراضي من الحطام وحرثها بعمق للتخلص من المخلفات، ثم زراعة بذور ومحاصيل مختلفة من الخضروات. لكن النتائج لم تكن كما اعتادوا؛ فالنباتات تنمو ببطء وتنضج بعد فترة أطول، فيما تذبل بعض المزروعات وتموت قبل اكتمال نموها.

هذا الواقع يثير تساؤلات ملحّة: ماذا حدث للتربة حتى انعكس بهذا الشكل على نمو النباتات؟ وإلى أي مدى يمكن أن تنتقل المعادن الثقيلة المتغلغلة في التربة إلى المزروعات؟ وماذا يحدث داخل النبات عندما يتعرض لهذه الملوثات؟ وما المخاطر الصحية المحتملة على الإنسان عند استهلاك خضروات نمت في تربة ملوثة؟

المزارع عوض رجب يواجه تجربة مشابهة. فقد زرع مؤخرًا مشتلًا على مساحة خمس دونمات، بعدما خسر خلال الحرب أراضيه الواقعة خلف الخط الأصفر في بيت لاهيا، إضافة إلى معدات المشتل وبنيته التحتية، بخسارة قُدرت بنحو 150 ألف دولار.

اليوم عاد إلى الأرض من جديد، غير آبه بالمخاطر. يقول وهو يمسح يديه الملطختين بالتربة الطينية: "زرعت اليوم 20 ألف شتلة حمضيات، وجهزت 5000 شتلة زيتون و2000 شتلة تين. اشتريتها بأسعار مرتفعة، وأزرع بطريقة بدائية جدًا بعد أن فقدنا كل الرفاهيات التي كانت متاحة للزراعة. قبل عام كنت قد زرعت في بيت لاهيا 50 ألف شتلة زيتون وحمضيات وتين ورمان، لكن بعد عشرين يومًا فقط اضطررت للنزوح فدُمّرت كلها".

قبل الصراع، كان رجب يهتم كثيرًا بصحة التربة ويحميها من الملوثات؛ فكان يجلب أشتال اللوزيات من الداخل المحتل المعروفة بقدرتها على مقاومة أمراض التربة، كما زرع الخشخاش للمساعدة في مقاومة الملوثات والمياه المالحة. أما اليوم، ومع القيود المفروضة على القطاع الزراعي، فيعمل بما هو متاح داخل غزة ويحاول تنظيف التربة عبر الحراثة لإزالة بقايا المتفجرات، لكن السؤال يبقى: هل يكفي ذلك؟

من الناحية الصحية، لا تقتصر آثار تضرر التربة والبيئة على تراجع الإنتاج الزراعي فحسب، بل قد تمتد لتشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، إذ يمكن أن تنتقل الملوثات والمعادن الثقيلة عبر الغذاء والمياه، ما يزيد احتمالات الإصابة بأمراض مختلفة.

يقول الطبيب أحمد الربيعي إن بعض المحاصيل المنتجة حاليًا في الأراضي المتضررة قد تكون فاقدة للقيمة الغذائية الكاملة، مشيرًا إلى أن امتصاص التربة للمواد السامة مثل الرصاص والزرنيخ والمعادن الثقيلة الأخرى قد ينعكس سلبًا على صحة الإنسان عند استهلاكها.

ويوضح أن التأثيرات الصحية قد تشمل اضطرابات في الجهاز الهضمي وفقر الدم، إضافة إلى أضرار محتملة في الدماغ والكبد والكلى، كما قد تظهر أعراض عصبية مثل ضعف الذاكرة والتشنجات وتغيرات سلوكية وتراجع في مستوى الذكاء، خاصة لدى الأطفال الذين يعدون الفئة الأكثر تأثرًا بهذه السموم.

يشير مختصون إلى أنّ البيئة والتربة في غزة تعرضت لأضرار واسعة نتيجة القصف وتجريف الأراضي وحركة الآليات الثقيلة، ولم يقتصر الضرر على الطبقة السطحية للتربة، بل طال خصائصها الفيزيائية والكيميائية والحيوية، ما انعكس مباشرة على خصوبتها وقدرتها الإنتاجية وجودة المزروعات.

المختص البيئي محمد مصلح يوضح أن القصف المكثف الذي يُقدّر بنحو 200 ألف طن من المتفجرات، إضافة إلى تجريف الأراضي الزراعية، أدى إلى تدهور خطير في خصائص التربة وأمانها البيئي، إذ تحتوي المتفجرات على مكونات كيميائية سامة يمكن أن تتسبب في تسمم التربة نتيجة ترسبها فيها.

ويوضح أن بعض القذائف قد تحتوي على عناصر خطيرة مثل اليورانيوم ومعادن ثقيلة أخرى، إلى جانب مركبات شديدة السمية تنتج عن شدة الانفجارات وحرارتها العالية. كما أشار تقرير سابق لمنظمة الأغذية والزراعة إلى وجود تركيزات مرتفعة من الفسفور الأبيض في بعض المناطق، ما يرجح احتمال وجود ملوثات أخرى.

ومن أخطر الملوثات التي قد تكون تسربت إلى التربة، بحسب مصلح: الرصاص والنيكل والكادميوم والزئبق والكروم والنحاس. هذه العناصر لا تتحلل بسهولة، وتتميز بطبيعتها التراكمية، إذ تبقى في التربة لسنوات طويلة ويمكن أن تنتقل عبر السلسلة الغذائية إلى الإنسان.

ويضيف: "تجريف التربة أدى إلى إزالة الطبقة السطحية الخصبة التي تحتوي على الكائنات الدقيقة النافعة والمواد العضوية والعناصر الغذائية الأساسية، كما أن حركة الدبابات والآليات الثقيلة دمكت التربة، ما خفّض نفاذية المياه وأثر في جودة المحاصيل وسرعة نضوجها".

من جانبه، يقول المهندس الزراعي محمد الفرا إن التربة فقدت توازنها الطبيعي وتغيرت بنيتها نتيجة تراكم مواد غير طبيعية، من بينها المعادن الثقيلة وبعض المواد ذات الخصائص الإشعاعية، وهي عناصر بطيئة الحركة داخل التربة ويصعب التخلص منها.

ويضيف أنه مع هطول الأمطار أو عمليات الري قد تبدأ هذه المواد بالتحرك تدريجيًا نحو الأعماق، وفي بعض الحالات قد تصل إلى الخزان الجوفي. ومع عمليات الاستصلاح والحراثة تبقى بقايا هذه المواد في التربة، ومع تكرار الري تمتص النباتات جزءًا منها فتدخل في تركيبها الفسيولوجي، في الجذور أو الأوراق أو الثمار، دون أن تظهر غالبًا أعراض واضحة على النبات، لكنها تنتقل لاحقًا إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية.

ويشير الفرا إلى أن الخضروات الورقية مثل الخس تعد من أكثر المحاصيل قدرة على امتصاص الملوثات لأنها تخزن المعادن الثقيلة في أوراقها. ورغم إمكانية استخدام بعض النباتات لامتصاص الملوثات وتنقية التربة، فإن هذا الخيار لا يُطبق على نطاق واسع، لأن المزارعين في ظل الأزمة الاقتصادية لا يستطيعون التضحية بموسم زراعي كامل لتنقية الأرض.

ومن الحلول المقترحة أيضًا إضافة طبقة سطحية جديدة من تربة طينية غير ملوثة وخلطها بالسماد العضوي لتقليل امتصاص المعادن الثقيلة في منطقة الجذور، غير أن تنفيذ مثل هذه الحلول يتطلب إمكانيات تقنية ومادية غير متوفرة حاليًا.

في هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة محمد أبو عودة إن القطاع يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية، حيث يشكل المستورد نحو 90% من الاحتياجات، بينما لا يغطي الإنتاج المحلي سوى نحو 10% فقط.

ويضيف أنه رغم محاولات توجيه المؤسسات لدعم القطاع الزراعي وتعزيز التعافي الذاتي، فإن ضبابية المشهد العام تعيق خطط التعافي، مؤكدًا أهمية أخذ عينات من التربة والمياه وإخضاعها لفحوصات مخبرية دقيقة لتحديد طبيعة الملوثات ومدى خطورتها، مشيرًا إلى أن القيود المفروضة تمنع إدخال خبراء دوليين لفحص التربة وتقييم حجم الأضرار.

ورغم المخاطر المحتملة، لا توجد حتى الآن نتائج فحوصات معلنة حول سلامة التربة الزراعية في شمال قطاع غزة، كما لم تعلن الجهات المختصة عن برنامج وطني لفحص الأراضي قبل عودة الإنتاج الزراعي. إذ يثير هذا الغياب تساؤلات حول مسؤولية الجهات الحكومية والمؤسسات الدولية في ضمان سلامة الغذاء المتداول في الأسواق، في وقت قد تنتقل فيه الملوثات من التربة إلى المحاصيل ثم إلى موائد السكان.

في ظل هذه المعطيات، تبدو تربة غزة بحاجة إلى فحص علمي دقيق وتنقية شاملة وإعادة تأهيل ممنهجة. فمع تراكم الملوثات والمعادن الثقيلة، لا يقتصر الخطر على تراجع الإنتاج الزراعي، بل يمتد إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي وصحة الإنسان، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى تدخل علمي وميداني عاجل للبحث عن حلول تضمن سلامة المزروعات وتحمي المستهلكين.